"الشرطة دفيئة لمنظمات الإجرام": مجرمون، ضباط شرطة ولجان صلح

"الشرطة دفيئة لمنظمات الإجرام": مجرمون، ضباط شرطة ولجان صلح
مظاهرة قطرية في وادي عارة (الصور: أورن زيف - سيحا مكوميت)

أعدَّت هذه السلسلة المخرجة سهى عراف في الأشهر الأخيرة لموقع "سيحا مكوميت" باللغة العبرية، وينشرها موقع "عرب ٤٨" في إطار التعاون بين الموقعين. أعد التقارير للنشر بالعربية سليم سلامة.


يوم العاشر من تموز/ يوليو 2018، اختُطِف الطفل كريم جمهور، ابن السبع سنوات، من مدخل منزل عائلته في قلنسوة ونُقل إلى مكان مجهول. في مساء اليوم ذاته، توجهت الشرطة إلى الحاج كريّم جاروشي، المقيم في حيّ الجواريش في مدينة الرملة، مستنجدة به، طالبة مساعدته في الوصول إلى الطفل المخطوف. ظاهريًا، قد يبدو الأمر مفاجئًا. على مدى سنوات عديدة، يُذكر اسم عائلة جاروشي في سياقات الحديث عن الجريمة والإجرام. في التقرير الذي أُعدّ في قسم التحقيقات والاستخبارات التابع للشرطة، في آب/ أغسطس 2019، ورد اسم عائلة جاروشي بصفتها واحدة من المنظمات السبع الكبرى في المجتمع العربي. وفي نهاية تشرين الأول/ أكتوبر 2019، نجا زيد جاروشي، أحد أبناء العائلة والمُعرَّف بأنه "رئيس منظمة إجرامية" بحسب الشرطة، من محاولة اغتيال في رام الله. لكنّ لعائلة جاروشي باعًا طويلة، أيضًا وفي الوقت نفسه، في مجال الصلح (عقد رايات الصلح) في البلدات العربية، والذي تشارك فيه الشرطة أيضًا، في بعض الأحيان.

على أي حال، كان توجه الشرطة إلى الحاج كريّم جاروشي مُجديًا ومثمرًا، إذ نجح بعد ثلاثة أيام في إعادة الطفل كريم إلى عائلته في قلنسوة، سالمًا، بعد إخفائه في الضفة الغربية. في مقابلة مع موقع "واينت" بعد إعادة الطفل إلى ذويه، تطرق جاروشي إلى موجة النقد ضده في الشارع العربي. "ثمة أعضاء كنيست ينتقدوننا وكأننا عائلة إجرام"، قال، "ليبحث أعضاء الكنيست العرب لأنفسهم عن عمل، فهم لا يقدمون 5% مما نقدمه نحن لمصلحة الوسط (العربي).... (نحن) الأشخاص المحترمون الذين نقوم بالعمل". تقدمت الشرطة بالشكر لجاروشي على تدخله وإعادة الطفل، بينما عرض هو، من جهته، أوسمة تقدير حصل عليها من الشرطة على مدى سنوات نشاطه.

إعادة الطفل كريم جمهور إلى عائلته

كيف تعرّف الشرطة، إذن، عائلة جاروشي بأنها إحدى عائلات الإجرام الخطيرة، من جهة، بينما تمنح أبناء العائلة نفسها أوسمة تقدير، من جهة ثانية؟ وكيف حصل أن العائلات المرتبطة بالإجرام، ولو في الصورة الشعبية والإعلامية العامة على الأقل، هي نفسها الضالعة، بل والمسيطرة، في عالم الصلح؟ وكيف يحصل أن الشرطة، التي يُفترض بها محاربة هذه العائلات، هي التي تشجعها على المشاركة في جهود الصلح؟

"الصلح سهل جدًا"، يقول ضابط شرطة متقاعد عمل ضابط استخبارات في عدد من البلدات العربية، "الشرطة تريد الهدوء. دأبت الشرطة دائمًا على عقد الصلح. لماذا؟ لأن الصلح، ببساطة تامة، هو إرجاء النهاية". ضلوع العائلات ذات العلاقة بالجريمة والإجرام في مساعي الصلح، كما يعترف الضابط نفسه، يعزز مكانتها ومواقعها بين الجمهور عمومًا ويُضعف الشرطة. "الطفل الذي أعاده جاروشي لا يزيد الشرطة قوة"، يقول، "ولا يُظهر الشرطة بصورة حسنة".

ميشيل حداد

ويرى ضابط الشرطة المتقاعد الذي اشتهر حين حل لغز جريمة قتل الشابة ميلا ميلفسكي، ميشيل حداد، أن الأمر يتعدى السهولة أو الراحة. "شعرت بالخجل لأنني كنت في الشرطة، ولو حتى يومًا واحدًا، في اللحظة التي رأيت فيها الشرطة تشكر جاروشي على تدخله وإعادته الطفل المخطوف"، يقول. "إذا كانت حادثة مثل اختطاف طفل من بيته تحدث بهذه السهولة"، يضيف، "فيجب إدخال جميع عائلات الإجرام وجميع أفراد الصف الأول في قياداتها إلى السجون باعتقالات احترازية، حتى يتم العثور على ما ينبغي العثور عليه. إنه لأمر مضحك حد البكاء. أصبحت الشرطة دفيئة للمجرمين".

ما يقوله الضباط المتقاعدون شبيه، إلى حد بعيد ومدهش، بما تضمنته رسالة النائبة السابقة، حنين زعبي، إلى المستشار القضائي للحكومة في تموز/ يوليو 2018. "الشرطة تمارس ضغوطًا على أشخاص ليعقدوا ‘رايات الصلح‘ بوساطة منظمات الإجرام. إنها (الشرطة) تلمّع صورة هذه المنظمات"؛ هكذا أوجزت زعبي مضمون رسالتها تلك، في مقابلة مع القناة 13 الإسرائيلية. وأضافت: "توجه عشرات الأشخاص ممن تعرضوا إلى تهديدات من جانب عناصر إجرامية إلى الشرطة لتقديم شكاوى، لكن جواب الشرطة كان أنها ‘نصحتهم‘ بعقد ‘صُلحة‘ مع منظمة الإجرام". وأدلى رئيس "القائمة المشتركة"، النائب أيمن عودة، بتصريحات مماثلة. "هل من المقبول أن يكون رئيس جاهة/ لجنة الصلح من عصابات الإجرام؟ هذا مرفوض تمامًا وقطعيًا"، قال في مقابلة مع قناة "مساواة" في تموز/ يوليو 2018، وأضاف "إذا كان هدف لجنة الصلح التخفيف من هول الجريمة وتخفيض العقوبة، فهذا أمر سلبي تمامًا".

يشغل الحاج كريّم جاروشي منصب رئيس لجنة الصلح في اللد والرملة. قريبه عدنان جاروشي هو رئيس لجنة الصلح القطرية ورئيس الوقف الإسلامي. لكن الحديث لا يجري عن عائلة جاروشي فحسب. الشيخ مالك الحريري، ابن العائلة التي تحتل المرتبة الأولى في لائحة منظمات الإجرام التي أعدتها الشرطة، ينشط في مجال الصلح في الشمال وفي بداية العام 2008 تولى، شخصيًا، عقد راية الصلح في قرية البعنة. وفي أيار/ مايو 2015، عقدت في مدينة اللد راية الصلح بين عائلتي أبو صعلوك وأبو غانم، بقيادة كريّم جاروشي نفسه وبمبادرة الشرطة، كما ورد في تقرير نُشر على موقع "واينت". في التقرير، صورة تجمع بين جاروشي والرقيب ألون بيران، فخورَيْن بالصلح الذي نظّماه وعقداه.

ثمّة في عائلتيّ جاروشي وحريري من يقول إنّ الغالبية الساحقة من أبناء العائلتين الكبيرتين لا علاقة لها بالإجرام والجريمة، لا من قريب ولا من بعيد، لا في الحاضر ولا في الماضي، وإن إساءةً كبيرة وغبنًا شديدًا يلحقان بهم حين تصف الشرطة العائلة كلها بأنها "عائلة إجرام". لكن من الصعب تجاهل حقيقة أن العائلتين اللتين تُذكَران ارتباطًا بعالم الإجرام، هما نفسهما الناشطتان في مجال الصلح، أيضًا، وليس عائلات أخرى لا علاقة لها، البتّة، مع الجريمة والإجرام. إذ، لا يُعقل، ولا يخطر في البال بالطبع، أن تطلب الشرطة من أحد أبناء إحدى العائلات اليهودية المتورط عدد من أبنائها في عالم الإجرام ـ أبوطبول، دومراني أو أبرجيل، على سبيل المثال فقط ـ أن يكون بمثابة وسيط رسمي بينها وبين مجرمين، أو بين طرفين من المجرمين أنفسهم.

مركز الشرطة في الناصرة

عدم الثقة المتبادل بين المجتمع الفلسطيني في إسرائيل وبين الشرطة، التوجهات إلى الشرطة دون أية رد أو اهتمام، تعاظم قوة منظمات الإجرام ـ هذه كلها جعلت الفلسطينيين في إسرائيل في حالة عجز تام حيال الواقع التعيس. تفكك المبنى الاجتماعي وتراجع دور ووزن الحمولة ومفهوم العائلة الموسعة ـ ولّدت لدى الناس عمومًا شعورًا بالعزلة والانقطاع الشديدين. مليون ونصف المليون إنسان يقفون عاجزين إزاء موجة من العنف وإطلاق النيران الحية في الشوارع دون توقف. الشعور العام هو شعور بالذعر واليُتم، وبأن ليس ثمة من يمكن اللجوء إليه والاستنجاد به، وبفقدان الأمن الشخصي. العرب الفلسطينيون هم أقلية مضطَهَدة عادة؛ الآن أكثر: اضطهاد مضاعَف ـ من الدولة وأجهزتها من ناحية، ومن المجرمين ومنظمات الإجرام العربية من ناحية ثانية.

مع تخلي الدولة والشرطة عن مسؤوليتهما عن أمن المواطنين الفلسطينيين، تبقى أمامهم خياران اثنان: إما التوجه إلى لجان الصلح، حتى لو كانت "تحت كنف" عائلات بعض أبنائها أعضاء في منظمات الإجرام، أحيانًا، وإما التوجه إلى "محكّمين" خصوصيين ليوفروا لهم الحماية ويحلوا لهم مشاكلهم ونزاعاتهم، حتى لو كان هذا "الحل" بطرق غير قانونية.

عدنان جاروشي، قريب كريّم جاروشي، هو رئيس لجنة الصلح القطرية، كما ذُكر آنفًا. ليس واضحًا تمامًا من هو الذي عيّنه لهذا المنصب وأوكله بهذه المهمة. رئيس "لجنة المتابعة العليا" السابق، محمد زيدان، الذي أقام "لجنة الصلح القطرية" في العام 1983، فوجئ عندما سمع أن جاروشي يعرّف نفسه بأنه "رئيس لجنة الصلح القطرية". "عدنان هو صديق جيد لي، لكنه لم يُنتخَب ليكون رئيس لجنة الصلح القطرية"، يقول زيدان. ويضيف أن هذا التعيين ينبغي أن يحظى بمصادقة "لجنة المتابعة".

موقع جريمة قتل، يافا

هو منصب بالغ الأهمية، في كل الأحوال. جاروشي كان قد اعتُقل، سوية مع شخص آخر من عائلته، في قضية الفساد المنسوبة ـ حسب الشبهات ـ إلى عضو الكنيست دافيد بيتان، للاشتباه بأنه (عدنان) وقريبه ساعدا بيتان على تسديد ديونه مقابل عقود عمل في بلدية ريشون لتسيون. وقد نفى كلاهما، بشدة، أن يكونا قد أعطيا بيتان أموالًا. بعد الإفراج عنه من الاعتقال، روى عدنان للقناة 12 الإسرائيلية، أنه يعرف بيتان من "لقاءات عمل" وأنه التقى به، أيضًا، "مع مجموعة كبيرة من الأشخاص، من بينهم أعضاء كنيست أيضًا"، لكنه لم يكن يعلم، البتّة، أن بيتان غارق في الديون. وقد نُشر في العام 2002 أن عضو الكنيست السابق، عُمري شارون، نجل أريئيل شارون، كان قد ضمّ عددًا من أبناء عائلة جاروشي إلى عضوية حزب "الليكود" ولم يُنكر أن من بين هؤلاء المنتسبين آنذاك أشخاصًا كانوا قد أدينوا في المحاكم بالاتجار بالمخدرات.

"هنالك ادعاء بأن عائلة جاروشي هي عائلة إجرام"، يقول عدنان جاروشي في مقابلة مع موقع "سيحا مكوميت"، ويضيف، "هذا ليس صحيحًا. هذا ادعاء تطرحه الشرطة لتفكيك المجتمع وهنالك أشخاص ينجرفون مع شائعات الشرطة ويصدقونها مثل الأغبياء. ليس كل ما تقوله الشرطة ويقوله الوزير صحيحًا. هذه صورة نمطية، مُقولبة. ليت في البلاد كلها عدد من الأكاديميين كما لدى عائلة جاروشي. هذه جريمة كبيرة حقًا، أن يُقال إن عائلة جاروشي هي عائلة إجرام".

ومع ذلك، أنتم تظهرون في التخطيط البياني الذي وضعته الشرطة، لماذا؟

"تعدّ عائلة جاروشي 1,000 ـ 1,200 إنسان. ألصقوا بنا أننا عائلة إجرام لأننا تعرضنا لهجوم قبل 20 سنة ودافعنا عن أنفسنا وقُتل عدد من الأشخاص. لدى الشرطة مصلحة في أن تعرّفنا كعائلة إجرام. لكن هنالك، ربما، 10 ـ 15 مجرمًا من أبناء العائلة".

لماذا لا تنجح في صدّ ووقف المجرمين الخمسة عشر من أبناء عائلتك؟

"العكس هو الصحيح. لقد نجحت في إعادة شبان كثيرين إلى جادة الصواب فأصبحت لديهم اليوم عائلات وأصبحوا أشخاصًا عاديين أسوياء تمامًا، بعد أن كانوا أشخاصًا بارزين في عالم الإجرام. ليس بالإمكان القضاء على الإجرام نهائيًا. بعض هؤلاء استوعبتهم للعمل في شركتي. أحاول مع هؤلاء الشبان الـ15 لأنهم من أقاربي. لن أتوقف ولن أستسلم".

يقول عدنان جاروشي إنه "ورث العمل في مجال الصلح" من عائلته. "والدي أيضًا، وجدي من قبله، كانا في لجان للصلح. كنت أرافقهما منذ كنت فتى يافعًا. أصغيتُ وتعلمت. وها أنا أعمل في مجال الصلح منذ ما يزيد عن 40 سنة". في السابق، يقول، لم تكن لجان الصلح تعالج قضايا العنف، إطلاقًا تقريبًا. "أما اليوم، فنحو 90% من الحالات التي نعالجها هي جرائم قتل".

ويشكو جاروشي، أيضًا، من الانحدار الأخلاقي في المجتمع العربي: "لقد تغيّرت قيَمُنا كمجتمع بصورة حادة جدًا"، يقول، "فمَن كان يعتبَر في الماضي رجلًا شجاعًا هو الرجل ذو قوة كبيرة على التحمل، المتسامح، السخي، المِضياف، المسامِح، اللبق، الحكيم، القادر على الإصغاء. أما اليوم، فالرجل الشجاع هو شخص عنيف، إشكاليّ، يستخدم السلاح ويطلق النار. هذا هو مفهوم الرجولة اليوم، للأسف. هدفنا ليس عقد الصلح فقط، وإنما توجيه الناس إلى الطريق الصحيح أيضًا. وظيفتنا هي منع جريمة القتل القادمة وإنقاذ الضحية التالية". وحسبما يقول جاروشي، فإن أعضاء لجة الصلح يدفعون أموالًا من جيوبهم الخاصة لتمويل اتفاقية صلح، حين يكون أحد الطرفين غير قادر على التعهد والالتزام بتسديد الدفعات.

ويقول جاروشي إنه لا يحبذ، إطلاقًا، المظاهرات ضد العنف وجرائم القتل التي تجرى في المجتمع العربي. "هذه (المظاهرات) أشبه بالحجامة (كاسات الهواء) لشخص ميت"، يقول، "مجرد هراء. قياداتنا فاشلة. يجلسون في مكاتبهم ويقضون أوقاتهم بالمقابلات والإعلام. هذه القضايا تحتاج إلى رجال حقيقيين، رجال ميدان، لا أشخاص ينظمون مظاهرات ضد الشرطة".

د. وليد حداد

لا ينفي أخصائي علم الإجرام في "كلية الجليل الغربي"، د. وليد حداد، أهمية "مؤسسة الصلح" ولا يقلل منها. فلجان الصلح موجودة وفعّالة في العالم العربي حتى قبل ظهور الإسلام وهي تشكل مؤسسة اجتماعية هامّة. غير أن حداد يصف نشاط هذه اللجان اليوم على نحو أقل وردية بكثير مما صوّره جاروشي. "ثمة العديد من لجان الصلح في الخصومات والنزاعات بين جيران"، يقول حداد، "وهنالك لجنة الصلح في مسألة ثأر الدم. للجنة الصلح القطرية بعض الإنجازات المثيرة. فقد نجحت، مثلًا، في التوصل إلى هدنة في عدد من حالات القتل. أنا لست ضد أي شخص يحاول عقد الصلح. لكن تخوفي هو من المحكّم الذي يهدف إلى الكسب المادي، في نهاية المطاف". أحيانًا، يقول حداد استنادًا إلى لقاءات مع جنائيين واطلاعه على عالم الإجرام، قد يحصل محكّم كهذا على 100- 200 ألف شيكل كي يحكم لصالح العائلة التي تدفع له.

إن حقيقة كون أشخاص من عائلات بعض أبنائها ينشطون في منظمات الإجرام أعضاءً في لجان الصلح، يوضح حداد، "تمنحهم هالة من الرهبة والاحترام. فإذا ما أراد شخص ما مهاجمة لجنة الصلح أو انتقادها على الأقل، فهو يعرف تمامًا أنه لا يستطيع فعل ذلك، لأن عضو لجنة الصلح هو ابن عائلة اسمها يرتبط بمنظمة إجرام ولأن اسمه سوف يحميه". ويروي حداد عن حالة تعرض فيها أعضاء لجنة الصلح في قرية دير حنا إلى اعتداء جسدي عنيف من طرف لم يقبل بحكمها. "ولو كان بين أعضاء لجنة الصلح تلك شخص من عائلة لها علاقة بمنظمات الإجرام، لما حدث ذلك"، كما يضيف حداد.

حمودي مصري

المحامي حمودي مصري، محام متخصص بالقضايا الجنائية ويترافع عن أعضاء منظمات إجرامية، يُقدم تفسيرًا أكثر بساطة بكثير لتواجد أبناء هذه العائلات في لجان الصلح: المال. "جزء من أموال عائلات الإجرام يأتي من حل خلافات بين شخصين عاديين لا علاقة لهما بعالم الإجرام. عائلات الإجرام تحصل على نسب مرتفعة جدًا قد تصل حتى إلى 70% من المبلغ الكلي المختَلَف عليه. وإذا كان الخلاف يدور على أراضٍ، فهي تحصل على حصتها منها أيضًا".

"الشرطة شريكة في حالة الفوضى هذه"، يقول نائب قائد شرطة المرور سابقًا وقائد قسم في شرطة لواء تل أبيب، الكولونيل المتقاعد إفرايم إرليخ. "هنالك العديد من الشجارات والأمور الصغيرة التي ينبغي على الشرطة معالجتها، وعندئذ يتم إنهاء الأمر بعقد الصلح. هذا ليست طريقة العمل التي يجب أن تكون معتمدة".

ما هو دور الشرطة في الصلح؟ الشرطة تقول: اعقدوا الصلح ونحن لا نتدخل؟

"ليس كذلك بالضبط. لا أحد يقول هذا بصورة رسمية، وإنما يجعلون المعنيين يفهمون ذلك".

في كثير من الأحيان نجد أن أعضاء لجان الصلح هم جنائيون بأنفسهم.

"طبعًا. هذا واضح. وهذا هو الجانب العبثي غير المعقول في الموضوع. نحن دولة قانون، فما شأننا والصلح؟ هناك القانون".

حتى لو كان إرليخ يحمل موقفًا مستهزئًا ومستهترًا بمؤسسة الصلح، إلا أن لجان الصلح في الضفة الغربية وقطاع غزة تلعب دورًا مركزيًا. هي تابعة، هناك، إلى "رابطة علماء الدين الفلسطينيين"، وقد تعززت مكانتها كثيرًا منذ الاحتلال في حزيران/ يونيو 1967. وخلال الانتفاضة الأولى، كانت اللجان الشعبية تشجع الناس على التوجه إلى لجان الصلح كبديل عن محاكم الاحتلال. هنالك، على سبيل المثال، أكثر من 500 شخص يعملون في مجال الإصلاح وقد عالجوا خلال العام 2018 أكثر من 13 ألف "ملف". أعضاء لجان الصلح في المناطق المحتلة عام 1967، يحصلون على رواتب شهرية، خلافًا للجان الصلح في إسرائيل التي يعمل أعضاؤها تطوعًا.

الوضع مختلف في إسرائيل. لا تقتصر المشكلة على أن لجان الصلح تضم في عضويتها أشخاصًا مرتبطين، بقرابات عائلية على الأقل، بعالم الإجرام ومنظماته. كذلك أشخاص أسوياء "عاديون" في المجتمع العربي ـ بمن فيهم متعلمون، محامون، أطباء وما شابه ـ يتوجهون إلى أعضاء منظمات الإجرام المحليين طالبين مساعدتهم في حل نزاعات وخصومات، في استرداد ديون مستحقة لهم على أشخاص معينين، في إبرام صفقات معينة، في حل إشكالات بين أشقاء (على إرث، مثلًا) أو أية مشكلة أخرى. "ثمة حالات كثيرة لجأ فيها أكاديميون من عائلات جيدة إلى منظمات الإجرام من أجل تصفية حسابات مع أطراف أخرى"، يقول د. حداد، ويتابع، "على سبيل المثال، لا الحصر: طبيب من قرية كفر ياسيف أرسل مجرمًا ليطلق الرصاص على شخص ما. تم ضبط المجرم وإلقاء القبض عليه، فاعترف، ما قاد إلى اعتقال الطبيب. وفي حالة أخرى، أرسل محام من منطقة الشمال مجرمًا لتهديد مكتب محاماة منافس ادعى بأنهم يسرقون له الملفات".

إغلاق شارع وادي عارة رفضًا للجريمة

"هذا كله بسبب قصور الشرطة وإهمالها"، يقول مدير "مركز أمان لمكافحة العنف"، المحامي رضا جابر. "لم يبق أمام هؤلاء الأشخاص سوى التوجه إلى أصحاب القوة الحقيقيين ليحلوا لهم مشاكلهم. ومَن هم أصحاب القوة الحقيقيون اليوم؟ منظمات الإجرام. أصبح المجرم اليوم ذا مكانة اجتماعية ويحظى باحترام اجتماعي. القوة الاقتصادية التي بين أيديهم تمنحهم المزيد والمزيد".

هذا الفراغ وشعور كثيرين جدًا من المواطنين الفلسطينيين بأن الشرطة وأذرع تطبيق القانون الأخرى لا تستطيع حمايتهم، يفسر أيضًا هذا التغيير في مكانة المجرمين والجنائيين الاجتماعية وكيف ولماذا أصبح بعضهم "أبطالًا" في الثقافة العامة السائدة. لفهم حقيقة الموضوع الذي يجري الحديث عنه، تكفي مشاهدة شريط الفيديو الذي يظهر فيه أيمن كراجة (الذي يقضي هذه الأيام محكومية بالسجن لست سنوات ونصف السنة بعد إدانته بالتآمر لتنفيذ جريمة وتزويد وسائل لتنفيذ جريمة قتل) وهو يحمل مسدسًا وميكروفونًا، يغني، يهدد ويطلق النار في الهواء.

أيمن كراجة تعرّفه الشرطة على أنه عضو رفيع في إحدى منظمات الإجرام. منظمته هذه مشمولة، هي أيضًا، ضمن منظمات الإجرام السبع الأكثر خطورة، حسبما وردت في قائمة قسم الاستخبارات في الشرطة. وقد وجدنا على موقع "يوتيوب" ثمانية أشرطة فيديو، على الأقل، يظهر فيها أيمن كراجة، كما يظهر في بعضها أيضًا مغنون شعبيون ينشدون له أغاني ألّفوها خصيصًا للإشادة به وتمجيده. وفي شريط آخر، يظهر فيه كراجة في صور مختلفة، منها مع صديق وأخرى على ظهر قارب بمحرك، الرسالة واضحة تمامًا ولا لبس فيها: "من يسبب لنا أية مشاكل، فنحن عائلة المشاكل"، كما تقول كلمات الأغنية في الشريط، "نحن رجال ـ رجال، ظهرنا قوي، نحن نكسر العظام، نشرب الدم، نطحن الرؤوس، وقت الحاجة". وكراجة ليس الوحيد الذي يحظى بمثل هذا الاحترام والتقدير. ثمة آخرون أيضًا أصبحوا نجومًا، أكثر شهرة من نجوم السينما، وقدوة يحتذي بها الشباب.

"نحن، كمجتمع، وصلنا إلى حضيض الحضيض"، يقول المحامي مصري، الذي يترافع عن أعضاء منظمات الإجرام، كما ذكرنا. "أصبحنا تحت الصفر. العائلة تفككت ومفهوم العائلة لم يعد له معنى. ابن عم يطلق النار على ابن عمه. الأخوة يتشاجرون ونحن ننظر بعين الاحترام والتقدير إلى أشخاص ذوي بأس يملكون السلاح ونتعامل باحترام مع منظمات الإجرام، نتباهى بأن أبناء هذه العائلات أو ممثليها يحضرون ويشاركون في أعراسنا، بل ونحرص على تتوجيه التحية الخاصة لهم عبر مكبرات الصوت".