تشهد أسواق اللحوم في البلاد موجة غلاء غير مسبوقة، إذ ارتفعت الأسعار بنسبة عالية خلال الأيام الأخيرة، ويبدي أرباب الأُسر مخاوف من بلوغ سعر كيلو لحم الخروف إلى 180 - 200 شيكل مع حلول عيد الأضحى بعد أقل من أسبوعين.
وتبيّن من فحص أجراه "عرب 48" أن هناك ارتفاعا فاحشا في أسعار اللحوم، وتفاوتا كبيرا في الأسعار بين متجر وآخر، إذ يمكن أن يصل التفاوت في الأسعار في ذات البلدة إلى 50 شيكلًا لكيلو لحم الخروف.
شاهد | ارتفاع أسعار اللحوم في البلاد.. الأسباب والتوقعات @arab48website https://t.co/8Z55fj0Tr8 pic.twitter.com/FhxPfkg2GH
— موقع عرب 48 (@arab48website) May 25, 2025
في بلدة كفر كنا بمنطقة الجليل، شمالي البلاد، على سبيل المثال لا الحصر، لاحظنا خلال جولة ميدانية أجريناها، يوم أمس السبت، تفاوتا ملحوظا في أسعار لحم الخروف تراوح بين 120 - 170 شيكلًا للكيلو الواحد، وفي المقابل تجاوزت الأسعار هذا الحد في عدد من البلدات العربية، بينها شفاعمرو.
هذا الارتفاع الحاد في أسعار اللحوم لا يعود فقط إلى أسباب وعوامل محلية، بل يتأثر بسلسلة من التطورات الإقليمية والدولية، أبرزها توقف استيراد الأغنام من أستراليا، والتي تعد مصدرًا رئيسيًا لإسرائيل، وذلك على خلفية الحظر البحري الذي تفرضه القوات اليمينة على السفن المتجهة إلى الموانئ الإسرائيلية عبر باب المندب، ما أدى إلى تعطل سلاسل التوريد وارتفاع كلفة النقل بشكل كبير، إضافة إلى ارتفاع أسعار الأعلاف منذ اندلاع الحرب الروسية - الأوكرانية، والتي أسهمت بدورها في ارتفاع تكلفة تربية المواشي، إلى جانب ذلك، تفاقم الإجراءات التنظيمية الإسرائيلية من الضغوط على السوق، خصوصا الضرائب المفروضة على استيراد الضأن، ومتطلبات "الحجر البيطري" الإلزامي المعروف بـ"الكرنتينا"، الذي يطيل أمد وصول المواشي المستوردة إلى الأسواق ويزيد من أسعارها.
ولم يعد الغلاء في إسرائيل مسألة نسبية، بل بات يمكن قياسه بوضوح عند مقارنته بدول أخرى: في ألمانيا يتراوح سعر الكيلوغرام بين 29 و42 شيكلًا، وفي تركيا بين 21 و58 شيكلًا (وفقا لموقع متخصص في بيانات الزراعة والتجارة الدولية، بينما في السعودية لا يتجاوز 23 شيكلًا وفقا للمنصة العالمية للتجارة الزراعية والمواد الغذائية. وفي الدنمارك يصل في حده الأقصى إلى 31 شيكلًا فقط. في المقابل، يبلغ متوسط السعر في إسرائيل نحو 145 شيكلًا، أي ما يزيد بخمسة إلى ستة أضعاف عن الأسعار في بعض هذه الدول.
المستورد شادي موسى من دير الأسد، صاحب شركة "غود ميت"، قال لـ"عرب 48" إنه " قبل أن أوضح أسباب ارتفاع الأسعار في لحم الخروف بشكل خاص، أود التعبير عن استيائي الكبير من هذا الارتفاع وتعاطفي الكبير مع الناس في ظل هذا الغلاء الفاحش. في إسرائيل هناك قيود شديدة على استيراد المواشي، ولا يمكننا الاستيراد من أي دولة نريد، وهذا أول أسباب الارتفاع. هذه الأيام مزارعنا شبه خالية بسبب قلة الاستيراد، نظرا لكوننا مستهلك صغير جدا بالنسبة للعالم، ونكاد نقول نحن نقطة في بحر، ثم التضخم المالي في إسرائيل، الشيكل مقابل اليورو، وارتفاع أسعار العلف بسبب الحرب الروسية - الأوكرانية، وارتفاع أسعار النقل وأقصد البواخر التي تنقل الحيوانات".
وتابع موسى أنه "في إسرائيل هناك شروط استيراد صعبة، منها ما يمسى الحجر الصحي أو ما يعرف بلسان السوق الكرانتينا، وكذلك الجمارك التي تبلغ حوالي 7 شيكل على كل كغم خروف مستورد بصورة خاصة، وهذه الضريبة غير مفروضة على اللحوم الأخرى، ينضاف إليها أيضا ضريبة القيمة المضافة. هذا الواقع ينضاف إليه العامل الأكبر وهو وقف الاستيراد عن طريق مضيق باب المندب في اليمن بسبب الحرب، ما أدى إلى ارتفاع الطلب في السوق المحلي، وهذا الارتفاع في الطلب أدى إلى رفع الأسعار بصورة كبيرة".
وختم موسى حديثه بالقول إنه "نحن المستوردون أيضا نعي ونتعرض لصعوبات كبيرة، فمثلا قبل نحو عامين كان كل مستورد منا يستورد باخرة حيوانات بنفسه، ولكننا اليوم نجتمع مجموعة مستوردين من أجل استيراد باخرة معا كي نستطيع تدارك الخسائر، أما بالنسبة للأسعار في عيد الأضحى فأقولها واضحة إنه من جهة المستوردين بشكل قاطع لن يكون رفع أسعار لأننا استوردنا الكمية المطلوبة، ولا يوجد أي سبب لارتفاع إضافي لأسعار اللحوم".
وقال الطبيب البيطري الرسمي لمجلس يركا المحلي، د. نعيم كريّم من مجد الكروم في حديثه لـ"عرب 48" إن "سوق اللحوم العام في البلاد ينقسم إلى قسمين، الطازج والمُجمّد، 60% لحوم مُجمّدة، وحوالي الثلث لحوم طازجة. حديثنا أكثر هو حول غلاء اللحوم الطازجة لأنها المستخدمة والمستهلكة في المجتمع العربي، علما أن هناك ارتفاعا بسبب ارتفاع تكلفة النقل بصورة عامة".
وأضاف كريّم أن "سوق اللحوم الطازجة تستورد مواشي صغيرة وتسمن في البلاد من قبل المستوردين والتجار، وبعد ذلك تسوّق وتُباع، لدى دخول الحيوانات إلى البلاد هناك ما يعرف بالحجر الصحي (الكرنتينا) للتطعيم والفحص من قبل وزارة الزراعة، وبعد 8 أيام حجر يتم تحريرها للمستورد، وطبعا السلاسل كثيرة في هذا السوق، (مستورد، مربي، مسلخ، ملحمة) وكل واحد في هذه السلسلة له ربح نسبي، وفي إسرائيل هناك ضرائب على لحوم الغنم بصورة خاصة، وهذا أحد الأسباب في ارتفاع أسعارها وهي الحيوانات الوحيدة التي تفرض عليها ضريبة الجمارك. في إسرائيل تفرض الجمارك على كل كغم نحو 7 شيكل، وهذا أحد أسباب الارتفاع، إضافة إلى ضريبة القيمة المضافة بنسبة 18%، ثم الفحوصات البيطرية والتطعيم والتي تكلف نحو 3 شيكل على كل كغم".
وتابع أنه "للمقارنة، مثلا لا تفرض جمارك على لحوم العجول، كانت هذه الضريبة تفرض لحماية المربين في إسرائيل واليوم لا معنى لاستمرار هذه الضريبة الثقيلة، خاصة وأن المستهلك الأكبر للحم الخروف هو المجتمع العربي".
واستطرد أن "ازدياد الطلب في خارج البلاد بسبب إغلاق مضيق باب المندب، فقد أدى إلى ارتفاع الأسعار في أوروبا، وقانون العرض والطلب يؤثر كثيرا، وكذلك ارتفاع أسعار النقل، والتضخم المالي في إسرائيل مقابل اليورو، كل هذه العوامل مجتمعة أدت إلى ارتفاع الأسعار بشكل كبير".
وختم كريّم حديثه بالقول إنه "طالما بقيت العوامل التي أدت إلى ارتفاع الأسعار كما هي فلا يُتوقع حدوث انخفاض في أسعار لحم الخروف، إلا في حال تدخلت الدولة وقررت تخفيض الجمارك المفروضة على لحم الخروف".
وقال صاحب ملحمة "لحوم فندي" في كفر كنا، يزيد فندي، في حديثه لـ"عرب 48" إنه "نبيع هنا لحم الخروف بـ140 شيكلا للكيلوغرام الواحد. نعي أن هناك ارتفاعا كبيرا في أسعار اللحوم بالسوق المحلي، وهناك من يحاول أن يتذاكى ببيع اللحوم، ولكننا نتعامل مع عائلات وندرك حجم الضغوطات والصعوبات الاقتصادية التي يعيشها المواطن، لذا لا نريد رفع الأسعار لئلا نثقل كاهل الزبائن".
وقال صاحب ملحمة "الأمان" في كفر كنا، خالد خطيب، في حديثه لـ"عرب 48" إنه "أبيع هنا في ملحمتي لحم الخروف بـ120 شيكلا للكيلو الواحد، وأنا أقولها صادقا إن الربح ضئيل".
وأكد أن "هناك ارتفاع في أسعار اللحوم على مستوى العالم، بسبب مرض الحيوانات في البرتغال، وكذلك وقف الاستيراد عن طريق مضيق باب المندب، ما جعل الطلب بشكل كبير على السوق المحلي، وأدى إلى ارتفاع غير مسبوق في أسعار اللحوم".
وختم خطيب حديثه بالقول إن "هناك مبالغة كبيرة في الأسعار بالسوق المحلي، ولم يحدث هذا الارتفاع الكبير سابقا، ولكن مع كل ذلك يجب عدم استغلال ارتفاع الأسعار ورفعها بشكل لا يتناسب مع الارتفاع في السوق، فهذا حرام، لا أقبل به على الإطلاق".
اقرأ/ي أيضًا | لأوّل مرّة منذ 33 عامًا: الجزائر تستورد الأضاحي بسبب الجفاف
اقرأ/ي أيضًا | الأغذية العالميّ: أسواق غزة مزرية والأسعار بلغت مستويات قياسيّة
اقرأ/ي أيضًا | مخاوف من ارتفاع أسعار اللحوم في البلاد