انعدام الجهوزية في البلدات العربية لحالات الطوارئ.. من المسؤول؟

قال المهندس علي أبو صالح، المختص في مجال التخطيط والبناء إنه "في السلطات المحلية العربية لا تتوفر موارد لمواجهة الطوارئ، ولا طواقم مهنية مدربة للتعامل مع الحرائق مثلا، ولا ينتظر في حالات الطوارئ تدخل سريع من أجهزة الدولة".

انعدام الجهوزية في البلدات العربية لحالات الطوارئ.. من المسؤول؟

مبان تاريخية في وادي النسناس بحيفا (تصوير د. عروة سويطات)

في ظل ما كشف عنه تقرير مراقب الدولة الإسرائيلي من تقصير خطير في الاستعداد لأخطار الزلازل والحرائق، ووجود 810 آلاف شقة سكنية دون غرف آمنة، التقى "عرب 48" المهندس علي أبو صالح، المختص في مجال التخطيط والبناء في السلطات المحلية العربية، من مدينة سخنين في منطقة الجليل، شمالي البلاد، للوقوف على التحديات الميدانية التي تواجه المواطنين والسلطات المحلية العربية في هذا المجال.

تحدث أبو صالح عن العوائق القانونية والتنظيمية، غياب الدعم الحكومي، وضعف الوعي المجتمعي، وأكد أن انعدام الجهوزية في البلدات العربية يهدّد حياة السكان، ويستدعي تحركًا عاجلًا.

علي أبو صالح

"عرب 48": من واقع خبرتك، ما هي التحديات التقنية أو التنظيمية التي تعيق تدعيم المباني غير المقاومة للزلازل، خاصة في البلدات القديمة؟

أبو صالح: هناك العديد من المعيقات، أولها عدم رغبة المواطنين خاصة في البلدات القديمة تغيير الوضع القائم، بسبب التغييرات التي يحدثها السكان مع الوقت على البيوت، بما يخالف بشكل كبير مخططات البيوت الأصلية، وبالتالي يكون من الصعب تنفيذ تغيير في المنزل والحصول على ترخيص ملائم لبناء غرف آمنة. زد على ذلك أن الكثير من البيوت العربية حتى التي بنيت في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي لا تحوي غرفا آمنة أو ملاجئ، وكان فرض القانون حينها فيه نوع من التراخي الكبير، كانت الإجراءات تنتهي بمخالفة صغيرة في المحكمة، وعليه لم يكن أية اهتمام في بناء ملجأ، لذا كثير من المباني حصل على الموافقات بما لا يتوافق مع القوانين مع تراخ كبير في تطبيق القانون، واليوم حتى مع الوعي والحاجة إلى بناء ملجأ فإن المعيق هو التكاليف العالية للتراخيص أولا، ثم تكلفة إقامة المبنى، وأهم الأسباب هو صعوبة ترخيص تغيير في المبنى بسبب التغييرات على المبنى التي يحدثها المواطن مع مرور الأعوام، عدا عن تكاليف التراخيص الباهظة التي تجعل من البناء أمرا غير يسير.

"عرب 48": كان هناك قانون فيه تسهيلات كبيرة لبناء غرف آمنة، ألا يمكن استغلال هذا القانون لتجاوز صعوبات الترخيص؟

أبو صالح: هذا قانون صدر في فترة الحرب، وهو مسار سريع لبناء غرف آمنة، تتجاوز العقبات البيروقراطية والمطالبة بتراخيص أو تخطيط المبنى القائم، أو إن كان هناك أية تجاوز للتخطيط الأصلي للمبنى بمعني أضاف مواطن خلال السنوات غرفة أو شرفة أو أغلق موقف السيارة واستغله غرفة، هذا المسار يتجاوز هذه العقبة بحيث لا يسأل المواطن عن التجاوزات وإنما يتمحور الطلب فقط في الغرفة الآمنة المزمع إقامتها، والترخيص يكون فقط للغرفة الآمنة، وهناك استخدام واسع في المجتمع اليهودي في منطقة الشمال لهذا المسار الجديد، لكن في المجتمع العربي لم أسمع عن استغلال هذا المسار لغاية اليوم.

"عرب 48": لماذا يحجم المواطنون العرب عن استغلال هذا المسار الذي يتجاوز عقبات لجان التخطيط والبيروقراطية، ورسوم وتكاليف إضافية؟

أبو صالح: أعتقد أنه عامل ذاتي، أعني في مجتمعنا لا يستغلون هذه الفسحة المتاحة اليوم بفعل احتياجات الطوارئ، فالأمر يتطلب مسؤولية ذاتية وشهدنا فترة صعبة في الحرب وتعرض المجتمع العربي لضحايا أيضا، ومع ذلك لا نرى أية تحرك فعلي لمواجهة متطلبات الطوارئ.

"عرب 48": إلى أي مدى للسلطات المحلية مساعدة المواطنين والموازنة بين الحاجة لتدعيم الأبنية وبين محدودية الموارد المالية والبشرية المتاحة لها؟

أبو صالح: السلطة المحلية بصورة عامة لا توجد لديها صلاحيات واسعة في مجال فرض القوانين المتعلقة بالغرف الآمنة، فهذه الصلاحيات تملكها لجان التخطيط والبناء، وغالبية السلطات المحلية العربية لا توجد لديها لجان تنظيم وبناء محلية وإنما تتبع لجان تنظيم محلية تضم عدة بلدات، وهذه اللجان تملك الصلاحيات، بما في ذلك التسهيلات. السلطات المحلية يمكن أن تساعد هناك في ضرائب المسقفات (الأرنونا) أو غيرها من الإجراءات، ولكن في مجال التخطيط فإن اللجان هي من تملك الصلاحيات.

"عرب 48": ما مدى تعاون الوزارات المعنية مع السلطات المحلية في توفير الغرف الآمنة في المباني العامة مثل المدارس والمراكز الجماهيرية، وهل تُوفَّر إرشادات أو أدوات مهنية واضحة؟

أبو صالح: حتى هذه اللحظة ومن واقع تجربتي لا توجد أي مساعدات أو مبادرات وزارية، قد تكون بعد أحداث الحرب الأخيرة أن توفر بعض الوزارات ميزانية إضافية لتعزيز الحيز الآمن في المدارس على وجه الخصوص، خاصة المباني القديمة، ولكن حتى اليوم لا يوجد إجراء شامل من قبل الوزارات في هذا الشأن.

"عرب 48": ما أهمية وجود تعريف موحد لـ"المبنى الخطِر"، وكيف يمكن أن يسهم ذلك في تحسين الجهوزية والتخطيط على المستوى المحلي، وهل هناك قوانين مساعدة في هذا الشأن؟

أبو صالح: المسار في القانون موجود، من صلاحيات المهندس في السلطة المحلية أو لجنة التخطيط والبناء فحص المباني وتحديد وإعلان المبنى خطرا يوجب إخلاءه، فالصلاحيات موجودة في القانون، ولكن لا يمكن أو من الصعب تطبيق مثل هذه الإجراءات، أو استغلال هذه الصلاحيات، حتى وإن وفر القانون الإمكانية فالتنفيذ ليس أمرا سهلا، سواء أكان المبنى عامًا أم خاصًا، فالقانون يمكّن مهندس المجلس أو البلدية من الإعلان عن مبنى خطر بعد فحص المبنى من معهد المواصفات، ولكن إخلاء مبنى مأهول ليس إجراءً عاديًا يمكن تنفيذه بسهولة.

"عرب 48": بالنسبة لما يتعلق بالبلدات العربية القديمة، والتي بُنيت فيها البيوت حتى قبل قيام الدولة، ألا يتوجب على الدولة تخصيص ميزانيات بناء ملاجئ، ماذا يعيق مثلا بناء ملاجئ عامة للسكان؟

أبو صالح: التقصير الأساس هو تقصير حكومي، لا توجد خطة لمواجهة هذا الواقع بشكل مباشر، وهناك أيضا معيقات أخرى، وأهمها عدم توفر مساحات في البلدات القديمة التي عادة ما تكون مكتظة وفيها كثافة سكانية عالية ولا تتوفر فيها مساحات عامة، والتجربة في المجتمع اليهودي حول الملاجئ العامة غير مشجعة، سرعان ما تتحول هذه الملاجئ العامة إلى بؤر تستغل سلبا وتسبب مظاهر اجتماعية سلبية، إضافة للصيانة المكلفة جدا للحكم المحلي، وهذا شهدناه في البلدات اليهودية بأن قضية الصيانة لهذه المباني ليست سهلة.

"عرب 48": بالنسبة للحرائق، كيف تقيّم مستوى جاهزية السلطات المحلية العربية، خاصة في ظل تزايد الأخطار المرتبطة بالتغير المناخي والتوترات الأمنية، وكيف تقيّم مستوى التشبيك والتنسيق مع سلطة الإطفاء والإنقاذ؟

أبو صالح: للأسف، في الحكم المحلي العربي لا تتوفر أي موارد لمواجهة أخطار اندلاع حرائق، وكذلك لا تتوفر طواقم مهنية مدربة للتعامل مع الحرائق، ولا ينتظر في حالات الطوارئ تدخل سريع من أجهزة الدولة، وحتى عندما يكون تمرين طوارئ في المجالس المحلية العربية، دائما تكون كلمة واضحة من ممثلي الدولة والمؤسسات الرسمية، بأنه في حالة طوارئ عامة مثلا هزة أرضية عليكم الاستعداد للتدخل المباشر في الأيام الأولى وألا نتوقع تدخل من الخارج أعني سلطة إطفاء، شركة كهرباء وحتى إسعاف، قبل مرور الـ48 ساعة الأولى، خاصة إذا كان الضرر عام على مستوى الدولة، وهذا يتطلب جهوزية أكبر في الحكم المحلي العربي من خلال الطواقم الذاتية، وكذلك يتطلب موارد وطواقم جاهزة وهي غائبة عن الحكم المحلي العربي، ولا يوجد مجلس محلي عربي يملك سيارة إطفائية كجزء من جهوزيته للطوارئ ولا طاقم مهني ليتعامل مع هذه الحالة، لكن في مجال التخطيط هناك إجراءات وقائية تتخذ اليوم في كافة الأحياء الجديدة ما يعرف بالحزام الآمن من انتشار النار بين التوسع الحضري ومنطقة الأحراج الطبيعية، وذلك لمنع انتشار النار إلى الأحياء السكنية، وهي إجراءات احترازية وقائية، ولكن حلول للموارد أي الميزانيات غائبة عن البلدات العربية.