خلال العقد الأخير، ترسّخ قطاع التقنيات الفائقة "هايتك" بوصفه محرّك النموّ المركزي للاقتصاد الإسرائيلي. وقد أبرز تقرير سلطة الابتكار لعام 2025، الذي لخّص معطيات عام 2024، المكانة المحورية لقطاع التقنيات الفائقة في بنية الاقتصاد الإسرائيلي. ففي عام 2024 شغّل هذا القطاع نحو 11% من القوى العاملة في إسرائيل، وكان مسؤولًا عن قرابة 18% من الناتج المحلي الإجمالي، أي ما يعادل نحو 317 مليار شيكل. كما شكّل "الهايتك" نحو 60% من إجمالي الصادرات، حيث بلغت قيمة صادراته في عام 2024 حوالي 78 مليار دولار، جاء 72% منها من صادرات خدمات البرمجيات.
ووفقًا لتقرير سلطة الابتكار، بلغ عدد العاملين في قطاع "الهايتك" خلال النصف الأول من عام 2025 نحو 403 آلاف موظف، ما يعكس استمرار الاعتماد البنيوي للاقتصاد الإسرائيلي على هذا القطاع بوصفه قاطرة النموّ الأساسية.
المواطنون العرب خارج قطاع "الهايتك"
على الرغم من الارتفاع الكبير في حجم قطاع "الهايتك" وحصّته في الاقتصاد الإسرائيلي، لا يزال تمثيل المواطنين العرب في هذا القطاع هامشيًا. فقد نشرت وحدة الأبحاث في بنك إسرائيل في نهاية شهر كانون الأول المنصرم تقريرًا خاصًا تناول اندماج المواطنين العرب واليهود الحريديم في قطاع التقنيات الفائقة في إسرائيل خلال الفترة الممتدّة بين 2009 و2023، مع تتبّع مسارهم من التعليم الثانوي وصولًا إلى سوق العمل.
يوضح التقرير أن تمثيل المواطنين العرب واليهود الحريديم في قطاع "الهايتك" لا يزال منخفضًا، وذلك على الرغم من الارتفاع الملحوظ في نسب الحصول على شهادات البجروت، وتزايد نسبة الطلاب العرب في الجامعات عمومًا، ولا سيّما في التخصّصات المرتبطة بالتقنيات الحديثة. وتأتي هذه المعطيات على الرغم من الخطط والبرامج الحكومية التي أُقِرّت منذ عام 2015 بهدف رفع تمثيل المواطنين العرب في هذا القطاع، ضمن سياسات حكومية كان هدفها المعلن - على الأقل - تقليص الفجوات الاقتصادية بين المجتمعين اليهودي والعربي.
بحسب معطيات بنك إسرائيل، شهد العقد الماضي ارتفاعًا ملحوظًا في نسبة الطلاب العرب في تخصّصات الهايتك في الجامعات، من 7% عام 2012 إلى 16% عام 2023. فيما تتراجع نسبة العرب بين خرّيجي تخصّصات الهايتك، بحيث بلغت نسبتهم 4% عام 2012 و10% عام 2023، نتيجة لمستويات التسرب المرتفعة لدى الطلاب العرب في هذه المواضيع.
غير أنّ هذا التطوّر لم ينعكس على سوق العمل؛ إذ بقيت نسبة العرب بين العاملين في قطاع "الهايتك" منخفضة، على نحوٍ مشابه لما كانت عليه قبل نحو عقد.
فقد أظهر التحليل أن نسبة العرب العاملين في القطاع بلغت عام 2023 نحو 3.7% فقط، وهي نسبة قريبة من تلك المسجّلة عام 2014. ويشير ذلك، وفق التقرير، إلى وجود عوائق إضافية تتجاوز عامل التعليم، وتحدّ من انتقال الشباب العرب من مرحلة الدراسة الجامعية إلى الاندماج الفعلي في سوق العمل.
النساء العربيات يقتربن من إغلاق الفجوة مع النساء اليهوديات
اللافت في معطيات بنك إسرائيل هو الارتفاع الملحوظ في حصّة الطالبات العربيات في المجالات التعليمية التي تندرج ضمن فروع "الهايتك"، إلى جانب تحسّن نسب نجاحهن في شهادات البجروت، وذلك في مقابل حالة من الجمود النسبي في نسب الطلاب العرب. ويُفسّر هذا التطوّر ارتفاع حصّة النساء العربيات من مجمل العاملين في قطاع "الهاي-تك" من 0.7% عام 2014 إلى 1.3% عام 2023، في حين استقرّت حصّة الرجال العرب عند نحو 2.5%.
وفي عام 2023 شكّلت النساء العربيات نحو 32% من مجمل العرب العاملين في قطاع "الهايتك"، مقارنةً بـ 23% عام 2014. وتُعدّ هذه النسبة قريبة جدًا من نسبة النساء اليهوديات من إجمالي العاملين اليهود في القطاع، والتي بلغت نحو 34%، ما يشير إلى تقدّم جدي في تقليص الفجوة الجندرية داخل قطاع "الهايتك"، وإن بقي التمثيل العربي الإجمالي محدودًا.
أسباب الحالة وفقًا لبنك إسرائيل
يخلص تحليل بنك إسرائيل إلى أن الفجوات القائمة في دمج المواطنين العرب في قطاع "الهايتك" لا تعكس نقصًا في القدرات أو في مستويات التعليم ورأس المال البشري، بل تُجسِّد إخفاقًا في السياسات العامة التي يفترض أن تربط بين التعليم، والتأهيل المهني، وسوق العمل. ويحذّر التقرير من أن استمرار هذه الفجوات يعني تفويت إمكانات اقتصادية وبشرية واسعة في أحد أكثر القطاعات حيوية في الاقتصاد الإسرائيلي.
وبعبارة أخرى، يمكن القول إن هذا الواقع يعكس فشل الخطط والبرامج الحكومية المتعدّدة التي نُفِّذت منذ عام 2015 بهدف رفع نسبة العاملين العرب في قطاع التقنيات الفائقة (الهايتك)، رغم تخصيص عشرات ملايين الشواقل لهذه البرامج، من دون تحقيق اختراق ملموس في مستويات التمثيل والاندماج الفعلي.
ليس بالميزانيات وحدها
يُبيّن تقرير "سلطة التطوير الاقتصادي للأقليات – تطبيق القرار 550 الصادر بتاريخ 24/10/2021"، والذي نُشر في 1 كانون الأول/ ديسمبر 2023، كيفية توزيع الميزانيات الحكومية وفق بنود القرار ومحاور العمل في الخطة الاقتصادية الحكومية لتطوير الاقتصاد العربي.
ووفقًا للتقرير، بلغ حجم الميزانيات المُصادَق عليها التي وردت من الوزارات المختلفة في إطار القرار، حتى موعد نشر التقرير، نحو 5,988 مليون شيكل (أي قرابة 6 مليارات شيكل). من هذا المبلغ، خُصِّص نحو 6% لبنود التطوير الاقتصادي وتشجيع التشغيل، أي ما يعادل قرابة 360 مليون شيكل.
وقد توزّعت هذه الميزانيات على النحو التالي: 290 مليون شيكل لتحسين الموارد البشرية، وتعزيز التنويع التشغيلي، ودعم فئات الشباب، والهايتك والابتكار؛ 18 مليون شيكل لتعزيز الصناعة ورفع الإنتاجية؛ و26 مليون شيكل لتطوير المصالح التجارية العربية.
وبذلك، تبيّن أن حصة الأسد من الميزانيات المخصّصة للتشغيل وُجّهت إلى برامج تهدف إلى زيادة تشغيل المواطنين العرب في قطاع "الهايتك"، وتمّ تحويلها بالأساس إلى سلطة الابتكار وإلى عشرات الجمعيات والمنظمات العاملة في هذا المجال.
وقد خصّصت سلطة التطوير الاقتصادي ميزانية قدرها 85 مليون شيكل - أي نحو 30% من الميزانية المخصّصة لبنود تحسين الموارد البشرية - لبرامج تهدف إلى رفع تمثيل المواطنين العرب في قطاع "الهايتك". ووفقًا لما ورد في التقرير (ص. 59)، شملت هذه البرامج ما يلي:
- الابتكار التكنولوجي والهايتك: تمّ تقديم دعم مالي لـ 286 صفًا تدريبيًا لتعزيز مهارات "الهايتك"، إضافة إلى دعم 12 مركز علوم، من بينها خمسة مراكز جديدة.
- مناقصات لمراكز الابتكار والمسرِّعات: جرى اختيار 13 جهة فائزة لتأهيل الموارد البشرية للعمل في مجال "الهايتك".
غير أن هذه المعطيات تُظهر بوضوح أن الاعتماد على الميزانيات وحدها - من دون معالجة العوائق البنيوية في سوق العمل وسياسات التوظيف - لا يكفي لإحداث تغيير جوهري في مستويات تمثيل المواطنين العرب في قطاع "الهايتك"
وبناءً على النتائج على أرض الواقع، تبدو هذه المعطيات مخيّبة للآمال، بل أشبه بصفعة مدوّية للخطط الاقتصادية الحكومية التي أُقِرّت منذ عام 2015. غير أنّ تتبّع مسار تمثيل المواطنين العرب في قطاع التقنيات المتقدّمة منذ بدء تنفيذ هذه الخطط والبرامج الحكومية المعلنة لرفع نسبة اندماجهم في القطاع، يُظهر أن هذه النتائج لم تكن مفاجئة.
فقد جرى تخصيص الغالبية العظمى من الميزانيات في هذا السياق لمشاريع نُفِّذت أساسًا عبر جمعيات يهودية - عربية، ولا سيّما خلال السنوات الأولى لتطبيق الخطط الحكومية. ومن بين هذه الجهات، على سبيل المثال لا الحصر، جمعية "كاف مشفيه"، وجمعية "تسوفن"، ومؤسسة "كو إمباكت"، ومؤسسة "عتيدنا"، إضافة إلى برنامج "فرصتك" التابع لوزارة العمل. وقد ركّزت هذه البرامج على أنشطة تثقيفية وتوعوية في أوساط الطلاب الجامعيين العرب، ورفع مستوى الانكشاف على سوق العمل في قطاع "الهايتك"، إلى جانب برامج لبناء القدرات البشرية، والعمل أمام كبرى الشركات الإسرائيلية لتحفيزها على تشغيل الطلاب والخريجين العرب.
وخلال الأعوام الأخيرة، شهدنا قفزة ملحوظة في عدد الجمعيات العربية العاملة في هذا المجال، والتي تعتمد في نشاطها بدرجة كبيرة على الميزانيات المخصّصة ضمن الخطط الحكومية، إضافة إلى دعم من صناديق محلية ودولية تسعى إلى تعزيز التنوّع في أماكن العمل ودمج الفئات المهمّشة.
ومع ذلك، فإن محدودية الأثر على مستوى الاندماج الفعلي في سوق العمل تطرح تساؤلات جدّية حول نجاعة هذا النموذج وقدرته على إحداث تغيير بنيوي مستدام.
يبدو أن هذه الأدوات لم توفّر الحلول المطلوبة، وعجزت عن تفكيك المعيقات البنيوية التي تحول دون تشغيل الشباب العرب في قطاع التقنيات الفائقة. ويبرز ذلك على نحوٍ خاص في ما يتعلّق بالشابّات العربيات، اللواتي يُشكّلن اليوم المخزون الكامن الأبرز لرفع نسبة العرب في قطاع "الهايتك".
وقد أشارت دراسات عديدة وتقارير حكومية إلى وجود معيقات متعدّدة أمام زيادة تشغيل المواطنين العرب في قطاع "الهايتك". من بينها الفجوات في نسب الاستحقاق لشهادة البجروت وفي امتحان البسيخومتري، وغياب الخبرة السابقة، إضافة إلى الفجوات في إتقان اللغتين الإنجليزية والعبرية. كما تُعزى هذه الفجوة أيضًا إلى الأحكام المسبقة والتمييز من جانب أصحاب العمل، فضلًا عن الاعتماد على شبكات العلاقات والمعرفة المسبقة السائدة في هذا القطاع. ويمكن لهذه العوامل مجتمعة أن تفسّر جزءًا من الفجوة في اندماج الأُجراء من المجتمع العربي في مجال "الهاي-تك". غير أنّ الغياب شبه التام لشركات ومراكز "الهاي-تك" في البلدات والمدن العربية يظلّ عائقًا مركزيًا، إذ كان من شأن حضور هذا القطاع محليًا أن يُسهِم في توسيع فرص تشغيل خرّيجي الجامعات العرب، ولا سيّما الطالبات العربيات، وأن يُخفّف من الحواجز الجغرافية والاجتماعية التي تعيق اندماجهم في سوق العمل.
غير أنّ الغالبية الساحقة من هذه التقارير والدراسات تتجاهل بُعدًا مركزيًا، يتمثّل في الارتباط العضوي بين قطاع "الهايتك" والصناعات الأمنية والعسكرية الإسرائيلية. فهذا الارتباط البنيوي يؤدّي عمليًا إلى استبعاد خرّيجي الجامعات العرب من عدد كبير من فروع "الهايتك"، التي لا تزال تُعامَل بوصفها جزءًا من المنظومة الأمنية، ما يضيف عائقًا سياسيًا–مؤسسيًا يتجاوز الاعتبارات المهنية والتعليمية وحدها.
الحاجة لمراجعة نقدية للخطط الحكومية
بالمجمل، وبعد مرور عشر سنوات على بدء تنفيذ الخطة 922، وأربع سنوات على إقرار الخطة 550، يتّضح أن الميزانيات الضخمة التي صُرِفت تحت عنوان رفع دمج المواطنين العرب في قطاع "الهايتك" لم تُفضِ إلى تغيير حقيقي في حصّتهم من مجمل العاملين في هذا القطاع. فما تزال نسبة العاملين العرب في "الهايتك" قريبة من مستواها عام 2014، على الرغم من الخطاب الحكومي المتفائل وحجم الاستثمارات المعلَنة.
ويفرض هذا الواقع ضرورة مراجعة جديّة ونقدية للخطط الحكومية، ليس فقط من حيث أدواتها التنفيذية، بل أيضًا من حيث أهدافها الحقيقية، وتفكيك الوهم القائل إن ضخّ الميزانيات وحده قادر على إحداث تحوّل جوهري في الوضع الاقتصادي للمواطنين العرب، من دون تغيير بنيوي في السياسات المُنتِجة للفجوات، ومن دون إعادة النظر في المكانة السياسية والاقتصادية للمواطنين العرب داخل الاقتصاد الإسرائيلي.
التعليقات