شلحت: نحن في مرحلة انتقالية نحو شرق أوسط جديد والتفاوت بين واشنطن وتل أبيب قد يتعمّق

تعصف بالمنطقة مواجهة غير مسبوقة بين إيران وإسرائيل، مع انخراط أميركي مباشر واتساع رقعة التصعيد. وفي ظل مخاوف من حرب مفتوحة، يحاور "عرب 48" المحلل السياسي أنطوان شلحت لبحث أهداف الأطراف وتداعيات المواجهة على المنطقة.

شلحت: نحن في مرحلة انتقالية نحو شرق أوسط جديد والتفاوت بين واشنطن وتل أبيب قد يتعمّق

أعمدة الدخان تتصاعد في سماء العاصمة طهران (Getty Images)

تعصف الحرب الإقليمية المتصاعدة بمنطقة الشرق الأوسط بشكل غير مسبوق؛ إذ لم تعد المواجهة محصورة في حدود جغرافية ضيقة، بل امتدت إلى أجواء وبحار ودول عدة، في مشهد يعكس تحوّل الصراع إلى معادلة إقليمية مفتوحة على احتمالات خطيرة، تُنذر بإعادة رسم موازين القوى في المنطقة.

وحددت الولايات المتحدة وإسرائيل جملة أهداف معلنة لهذه الحرب، في مقدمتها ضرب القدرات العسكرية الإيرانية، وعلى رأسها البرنامج الصاروخي الباليستي، وتقويض المشروع النووي؛ رغم أن أهدافًا مشابهة لم تنجح إسرائيل في تحقيقها خلال الحرب مع حزب الله، ما يطرح تساؤلات حول مدى القدرة على حسم مواجهة بهذا الحجم.

وتنفيذًا للتهديدات التي سبقت اندلاع الحرب، وسّعت إيران نطاق ردّها منذ الساعات الأولى؛ فبعد أن وجّهت ضربتها الأولى إلى إسرائيل، استهدفت قواعد عسكرية أميركية في الخليج ودول عربية، فضلًا عن أصول اقتصادية خليجية وأميركية، وفي مقدمتها مصافي النفط وأهداف مدنية، في كل من السعودية وقطر والإمارات وعُمان والكويت والبحرين والعراق والأردن وقبرص.

وفي هذا السياق، حاور "عرب 48" المحلل السياسي المتخصص في الشأن الإسرائيلي، أنطوان شلحت، حول تطورات المشهد وتداعيات الحرب المختلفة على المنطقة:

أنطوان شلحت

"عرب 48": ما هي الأهداف الحقيقية لكلٍّ من الولايات المتحدة وإسرائيل في هذه الحرب، وهل تتقاطع فعلًا أم أن هناك تفاوتًا في سقف التوقعات؟

شلحت: هناك تقاطع واسع على المستوى الإستراتيجي، لكنه لا يصل إلى حدّ التطابق الكامل. ويندرج ضمن هذا التقاطع هدف منع إيران من امتلاك سلاح نووي، وهو هدف مشترك وثابت تقريبًا لدى إسرائيل وجميع الإدارات الأميركية المتعاقبة، سواء كانت ديمقراطية أم جمهورية. والحرب الإيرانية الثانية الحالية تثبت أن الولايات المتحدة اقتنعت بالمقاربة الإسرائيلية التي ترى أن الرد على "التهديد الإيراني" لا يكون عبر ضربة موضعية ومحدودة، ولا حتى عبر توقيع اتفاق يحيّد جزءًا من قدراتها، بل من خلال توجيه ضربات عسكرية موجعة.

إسرائيل، من جهتها، تشدّد على أن الردّ يتمثل في إسقاط النظام الإيراني؛ إذ ما دام نظام آيات الله قائمًا، سيبقى التهديد الذي يشكّله لإسرائيل حاضرًا، بل مرشحًا للتصاعد.

في المقابل، تمزج الولايات المتحدة بين استخدام القوة والدبلوماسية، في ظل مسارح التزام أخرى وأولويات مثل الصين والحرب في أوكرانيا. وقد لا ترغب في استنزاف عسكري جديد وطويل في الشرق الأوسط. وربما يحسب دونالد ترامب كلفة الحرب انتخابيًا، كما أن الرأي العام الأميركي ما يزال يستحضر تداعيات الحروب الطويلة التي انخرطت فيها الولايات المتحدة، مثل الحربين في أفغانستان والعراق. كذلك يشغل الولايات المتحدة ملفّ الاستقرار الإقليمي، وأسعار النفط، والتحالفات مع دول الخليج.

أما في إسرائيل، فترى حكومة بنيامين نتنياهو في إيران محور التهديد المركزي، والمواجهة المتصاعدة معها تعزّز سياسة نتنياهو، وتعيد توحيد الساحة السياسية الداخلية خلف القيادة في أوقات الأزمات. كما ترى الحكومة أن تفكيك محور المقاومة يستوجب المعركة مع إيران. وبحسب كثير من التحليلات في إسرائيل، يمكن أن يتعمّق التفاوت بين الحليفين في حالتين:

الأولى: إذا بادرت إسرائيل إلى توجيه ضربات من دون تنسيق كامل مع واشنطن.

والثانية: إذا قررت الولايات المتحدة المضيّ في تسوية دبلوماسية تعتبرها إسرائيل تنازلًا خطِرًا.

"عرب 48": كيف نجحت إسرائيل في تهيئة الظروف وجرّ الولايات المتحدة إلى الانخراط المباشر في الحرب؟

شلحت: أكثر ما سعت إليه إسرائيل بعد حرب إيران الأولى التي استمرت 12 يومًا (في حزيران/ يونيو 2025)، كما عكسته لازمات كرّرتها الأبواق الإعلامية لرئيس الحكومة بنيامين نتنياهو منذ انتهاء تلك الحرب، مرورًا بزيارتيه إلى الولايات المتحدة واجتماعه بالرئيس الأميركي دونالد ترامب، هو التأكيد أنها ألحقت أذًى بالغًا بالنظام الإيراني وبقدراته العسكرية. وبذلك، أرادت إثبات مسألتين ذواتي صلة وتنطويان على دلالات بعيدة المدى:

الأولى، أنها تمتلك القدرة على إلحاق الأذى بدولة مثل إيران، وهو ما قد يُترجم مستقبلًا إلى عامل ردع ذي تأثير مستدام؛ إذ لم يقتصر هذا الأذى على استهداف مواقع ومنشآت أمنية داخل الأراضي الإيرانية، بل امتدّ إلى ضرب قدرات من يُوصَفون بأنهم أذرع إقليمية لطهران، بدءًا من حزب الله في لبنان، وصولًا إلى فصائل المقاومة الإسلامية في قطاع غزة، مرورًا بالميليشيات في العراق.

والثانية، أن إسرائيل لا تزال الحليف الإستراتيجي الأقوى للولايات المتحدة في منطقة الشرق الأوسط، وهو ما انعكس في مشاركة الدولة الأعظم في هذه الحرب على نحو جليّ ومباشر.

عند الانتقال إلى الاستنتاجات التي تحدّد وجهة المرحلة المقبلة (بعد حرب إيران الأولى)، والغايات الإستراتيجية التي ينبغي لإسرائيل التطلّع إلى تحقيقها، يبرز استنتاجان رئيسيان:

الأول، أن إسرائيل هي القوة الإقليمية الأولى القادرة على مواجهة إيران و"محور الشرّ" الذي أنشأته وتعهدته بالرعاية والتسليح، ما يؤهلها لأن تكون عنوانًا لكل من يشعرون بأنهم عرضة للتهديد من جرّاء ذلك.

والاستنتاج الثاني، أنها ما تزال الطريق الأضمن إلى قلب الولايات المتحدة، باعتبارها محميتها الأهم. ويُراد من هذا الاستنتاج الترويج لتطبيع العلاقات مع إسرائيل عبر توسيع نطاق "اتفاقيات أبراهام". وكما ورد حرفيًا في أحد تعليقات المصادر المقرّبة من نتنياهو: "إننا نشهد نشوء شرق أوسط جديد يتّسم، أكثر من أي شيء آخر، بأن الطريق إلى واشنطن تمرّ عبر تل أبيب، كما كانت الحال في الماضي. وبناءً على ذلك، فإن الدول التي تنتهج سياسة استقرار وسلام، بما في ذلك سلام وتطبيع مع إسرائيل، هي وحدها القادرة على الحفاظ على أمنها واستقرار مكانتها الإقليمية والدولية".

"عرب 48": إلى أي مدى تُشكّل المواجهة الحالية تحوّلًا في قواعد الاشتباك بين إيران وخصومها، وهل نحن أمام حرب مفتوحة أم جولة؟

شلحت: بالنسبة إلى قواعد الاشتباك، لا يجوز التقليل من دلالة المشاركة المباشرة للولايات المتحدة إلى جانب إسرائيل في هذه المواجهة. كما ستبقى الأنظار موجّهة إلى لبنان، حيث أُشير في أكثر من تقرير، نقلًا عن مسؤولين أمنيين، إلى أن الجيش الإسرائيلي أعدّ خلال الأشهر الأخيرة خططًا عملياتية للقتال في لبنان، عُرضت على المؤسسة السياسية.

وبحسب ما نوّه هؤلاء المسؤولون، فإن هدف إسرائيل في أي مواجهة مع حزب الله سيكون تحقيق حسم عسكري كامل، بحيث يتحوّل الحزب إلى حركة سياسية فقط. ووفق قراءتهم، تُقدّر المؤسسة العسكرية أنه في حال اندلاع مواجهة، فإن المعلومات الاستخباراتية التي جُمعت عن حزب الله ستتيح إمكانية توجيه ضربات أشدّ إليه مقارنةً بما كانت عليه الحال خلال الحرب الأخيرة، وما آلت إليه الأمور في أعقابها.

أعتقد أنها جولة، لكن ينبغي انتظار نتائجها للوصول إلى إجابة عمّا إذا كانت مؤشرًا إلى مخرج، أم تمهيدًا لجولة أخرى. ولا ننسى أننا في خضمّ حالة حرب مفتوحة على جبهات أخرى، في غزة ولبنان.

"عرب 48": إلى أي مدى تُعدّ خطوة ضرب إيران لدول المنطقة، ولا سيما الخليج، مغامرة، أم أنها ما زالت ضمن نطاق محسوب؟

شلحت: أعتقد أن اعتداءات إيران على دول الخليج العربي غير مبرّرة. ومن الطبيعي أن تُدين الدول الخليجية التي تعرّضت للاعتداء هذا العدوان على سيادتها. ومنذ الآن، ثمة مطالبات داخل دول مجلس التعاون الخليجي بإعادة النظر جماعيًا في طبيعة علاقاتها مع بعض الدول، ومنها إيران والولايات المتحدة الأميركية. كما يتعيّن على الدول الخليجية التي تقيم علاقات مع إسرائيل إعادة تقييم تلك العلاقة.

بحسب ما شدّد عليه محللون في قطر مثلًا، فإن القيادة السياسية في طهران سوّغت اعتداءها على دول الخليج العربية بأنها تستهدف القواعد الأميركية في المنطقة، علمًا بأن هذه القواعد لم ينطلق منها أي عدوان على إيران؛ إذ جاء الهجوم من حاملات الطائرات الأميركية في البحار والمحيط الهندي، وليس من أبراج سكنية في البحرين، التي كانت من بين أهداف الهجوم الإيراني، ولا من محطة رادار في شمال قطر، أو من القاعدة الأميركية في أقصى جنوب غرب قطر. كما لا توجد قاعدة عسكرية أميركية في مطار دبي المدني.

وبحسب هذه التحليلات أيضًا، فإن الدول الخليجية قادرة، بما تملكه من وسائل قوة متقدمة، على إلحاق الضرر بإيران سياسيًا وعسكريًا واقتصاديًا، انطلاقًا من مبدأ الدفاع عن النفس، لكنها تتّسم بعقلانية أكبر في التعامل مع جوارها الإيراني.

وقد كانت سلطنة عُمان من بين آخر الأهداف للاعتداء الإيراني، علمًا بأنها تؤدي دور الوسيط بين طهران وواشنطن في مساعي التوصل إلى تفاهم بعيدًا عن الحرب، ولم تشفع لها هذه الجهود. كما أن قطر كانت تُعدّ مدافعًا صادقًا عن إيران في المحافل الدولية، ووسيطًا في قضايا إيرانية - أميركية، وحقّقت إنجازات لصالح طهران، ومع ذلك لم تشفع لها هذه الأدوار، علمًا أن هذا يُعدّ الاعتداء الثاني على قطر من جانب السلطات الإيرانية من دون أسباب جوهرية.

"عرب 48": في حال الوصول إلى تسوية، ما الشروط الواقعية، وهل نشهد ترتيبات أمنية جديدة؟

شلحت: تبقى التسوية مرهونة بما ستُفضي إليه الحرب من نتائج، ولا يمكن توقّع ملامحها من اللحظة الراهنة. ومن شبه المؤكد أن تشهد المنطقة ترتيبات أمنية جديدة ستتكشّف تفاصيلها تباعًا. أعتقد أننا نعيش حاليًا مرحلة انتقالية نحو مستقبل مختلف للمنطقة.