في خضمّ التصعيد العسكري المتسارع بين إسرائيل وإيران، تتفاوت القراءات حول الأهداف الحقيقية للحرب وتداعياتها الإقليمية المحتملة؛ فبين الخطاب الأمني الإسرائيلي والوقائع الجيوسياسية المعقّدة، تتكشف أبعاد تتجاوز الملف النووي لتطاول توازنات القوة في الشرق الأوسط بأسره.
لا تبدو الحرب الدائرة مجرد مواجهة عسكرية محدودة، بل صراعًا إستراتيجيًا مفتوحًا على احتمالات متعددة، تتداخل فيه الحسابات العسكرية مع رهانات النفوذ والهيمنة الإقليمية، وذلك في ظل مشهد متشابك قد يعيد رسم ملامح المنطقة سياسيًا وأمنيًا.
في هذا السياق، حاور "عرب 48" الباحث والمؤرخ الفلسطيني د. محمود محارب، صاحب عشرات الدراسات والكتب، من بينها كتاب "سياسة إسرائيل النووية وعملية صنع قرارات الأمن القومي فيها"، الصادر عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، وذلك للحديث عن أهداف الحرب وخلفيات الاستعدادات العسكرية الإسرائيلية، إضافة إلى انعكاسات الصراع على الخليج وأسواق الطاقة، والسيناريوهات المتوقعة لمسار المواجهة في المرحلة المقبلة.
"عرب 48": ما هي أهداف الحرب على إيران؟
د. محارب: لا تقتصر أهداف إسرائيل في الحرب على إيران على ضرب المنشآت النووية الإيرانية أو تدمير الصواريخ الباليستية، بل تتجاوز ذلك إلى السعي لإسقاط النظام الإيراني.
إن هدف إسرائيل الأساسي من هذه الحرب هو إسقاط النظام الإيراني، ويتضح هذا الأمر من متابعة تصريحات رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو، والسياسة الإسرائيلية تجاه إيران منذ بداية تسعينيات القرن الماضي. ففي سياق تصميمها على الاستمرار في احتكار السلاح النووي في منطقة الشرق الأوسط، أولت إسرائيل منذ أكثر من ثلاثة عقود المشروع النووي الإيراني أهمية قصوى، ووضعته في قمة أجندتها الأمنية والسياسية، وكذلك في قمة الأجندة الإقليمية والدولية، وسعت بكل طاقاتها إلى وضع حد له. فقد كانت إسرائيل المحرك الأساسي للجهد الدولي، ولا سيما جهد الولايات المتحدة الأميركية، لفرض أقصى العقوبات على إيران لإرغامها على إنهاء مشروعها النووي، أو إضعاف النظام وصولًا إلى إسقاطه، سواء من خلال استمرار فرض أقصى العقوبات الاقتصادية الدولية، أو عبر استعمال القوة العسكرية الإسرائيلية والأميركية.
"عرب 48": كيف استعدت إسرائيل عسكريًا لهذه الحرب؟
د. محارب: منذ أكثر من ثلاثة عقود، وإسرائيل تعدّ نفسها لشن هذه الحرب. وقد ترافق ذلك مع بدء إسرائيل في تغيير بناء القوة في الجيش الإسرائيلي عقب التطورات المهمة التي طرأت على طبيعة الحرب الحديثة.
وقد ركزت إسرائيل في إعادة بناء القوة في الجيش، بشكل أساسي، على تطوير سلاح الجو وتزويده بأحدث الطائرات والمسيرات العسكرية، وبطائرات التزويد بالوقود في الجو، إضافة إلى تطوير الأقمار الصناعية لأغراض عسكرية، وتطوير الاستخبارات العسكرية والأجهزة الأمنية المختلفة، ومنظومات السايبر والذكاء الاصطناعي؛ وخصصت لكل ذلك ميزانيات ضخمة وكوادر متخصصة.
إلى جانب ذلك، بنت إسرائيل في العقود الثلاثة الأخيرة أسطولًا بحريًا عسكريًا حديثًا، يشمل ست غواصات ألمانية الصنع من نوع "دولفين"، القادرة على حمل رؤوس نووية، والتي تمكن إسرائيل من القدرة على توجيه الضربة النووية الثانية. وقد مكّن بناء قوة الجيش الإسرائيلي بهذا الشكل من أن تصل قدرات قوته الضاربة إلى الدائرة الثانية من الدول التي تبعد عن إسرائيل أكثر من ألف كيلومتر، وخصوصًا إلى إيران.
"عرب 48": يدعي نتنياهو وقادة إسرائيل بأن المشروع النووي الإيراني يشكل خطرًا على وجود إسرائيل، فهل تشكل إيران فعلًا خطرًا على وجود إسرائيل في حال امتلاكها السلاح النووي؟
د. محارب: هذه أكبر كذبة إسرائيلية، وإسرائيل تتاجر بهذه الكذبة منذ عقود طويلة. حتى لو امتلكت إيران، أو أي دولة أخرى في الشرق الأوسط، السلاح النووي، فإنها لن تشكل خطرًا على وجود إسرائيل. فإسرائيل تمتلك المئات من القنابل النووية والهيدروجينية والنيوترونية، وتمتلك وسائل إيصال هذه الأسلحة إلى أهداف تبعد آلاف الكيلومترات عبر الطائرات والصواريخ. إضافة إلى ذلك، تمتلك إسرائيل قدرات على تنفيذ الضربة النووية الثانية، فضلًا عن امتلاكها مركز قيادة محصنًا في باطن أحد الجبال في القدس الغربية، يمكن من خلاله إدارة حرب نووية ضد أي دولة، ما يعني أن لديها قدرة ردع إستراتيجية كبيرة.
طرح فكرة الخطر الوجودي على إسرائيل يخدم أساسًا هدف تحريض المجتمع الإسرائيلي والرأي العام العالمي ضد إيران، باعتبار أن هذا الخطاب يسهل حشد الدعم السياسي والدولي.
"عرب 48": لماذا تصر إسرائيل على منع إيران من امتلاك السلاح النووي؟
د. محارب: السبب الحقيقي لا يتعلق بالخوف على وجود إسرائيل، بل برغبتها في الحفاظ على احتكار السلاح النووي في الشرق الأوسط، لبسط نفوذها في المنطقة وتعزيز مكانتها ودورها الإقليمي وتحقيق أهدافها الإستراتيجية في التوسع وفرض الهيمنة على المنطقة وإرهاب دولها وشعوبها ومنعها من مقاومتها.
إسرائيل تعتقد أن تفوقها في الأسلحة التقليدية واحتكارها السلاح النووي في المنطقة يمكنانها من استخدام القوة العسكرية لتحقيق أهداف سياسية من دون أن يكون للدول العربية ودول المنطقة القدرة على مقاومتها.
لدى إسرائيل إستراتيجية تُعرف باسم "عقيدة بيغن"، تقوم على منع أي دولة في المنطقة من امتلاك هذا النوع من السلاح، وقد تجلت هذه العقيدة في قصف المفاعل النووي العراقي عام 1981، وكذلك في استهداف المنشأة النووية السورية عام 2007.
احتكار إسرائيل للسلاح النووي يمنحها تفوقًا إستراتيجيًا كبيرًا في المنطقة، وله ارتدادات خطيرة للغاية على المجتمع الإسرائيلي نفسه. فنظرة المجتمع الإسرائيلي لتفوق إسرائيل في الأسلحة التقليدية واحتكارها السلاح النووي في المنطقة تعزز شعورًا بامتلاك فائض كبير من القوة، يمكّن إسرائيل من فرض سياساتها على المنطقة. وهذا يشجع المجتمع الإسرائيلي ونخبه المختلفة على المزيد من التطرف واتباع سياسات عدوانية، مثل استمرار الاحتلال وضم الضفة الغربية والبطش بالفلسطينيين والعمل على تهجيرهم وفرض الهيمنة على المنطقة.
"عرب 48": كيف أثّر اغتيال المرشد الإيراني على مسار الحرب؟
د. محارب: اغتيال المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي كان خطوة محورية في مسار الحرب، إذ كانت توقعات إسرائيل والولايات المتحدة أن يؤدي هذا الاغتيال، إلى جانب اغتيال العشرات من القادة الإيرانيين في الضربة الأولى من الحرب، إلى إضعاف النظام الإيراني أو حتى انهياره. لكن ما حدث قد يقود إلى نتائج معاكسة، إذ أدى الاغتيال إلى تعزيز مكانة الحرس الثوري داخل إيران، كما دفع القيادة الإيرانية إلى اعتبار أن الحرب تستهدف الدولة الإيرانية نفسها وليس النظام فقط، فضلًا عن تنصيب مجتبى خامنئي مرشدًا أعلى لإيران بعد أن قتلت إسرائيل والده، ووالدته، وزوجته، وابنته.
خامنئي الأب كان قد أصدر فتوى تحرّم تطوير السلاح النووي، وكانت إستراتيجية إيران تقوم على الوصول إلى وضع "دولة عتبة نووية" دون إنتاج سلاح نووي، والاستفادة من الطاقة النووية في المجالات المدنية السلمية. إلا أن اغتيال خامنئي قد يدفع القيادة الإيرانية الجديدة، وعلى رأسها خامنئي الابن، إلى إعادة النظر في هذه السياسة، خصوصًا في ظل تصاعد الضغوط العسكرية، والاندفاع بسرعة نحو إنتاج السلاح النووي، لأنه في حال امتلاك إيران السلاح النووي فلن تجرؤ إسرائيل على مهاجمتها.
إيران تمتلك اليوم أكثر من 400 كيلوغرام من اليورانيوم المخصب بنسبة 60%، ويمكن خلال فترة قصيرة رفع نسبة التخصيب إلى 90%، وهو المستوى المطلوب لإنتاج سلاح نووي، إذ تمتلك إيران العلماء والمنشآت والخبرة التقنية اللازمة، ما يعني أن تطوير السلاح النووي قد يصبح خيارًا مطروحًا إذا قررت القيادة الإيرانية ذلك.
"عرب 48": كيف تحاول إيران الضغط على الولايات المتحدة، وما دور الدول العربية في الخليج؟
د. محارب: تحاول إيران التأثير على الموقف الأميركي من خلال تهديد مصالح الطاقة العالمية، خاصة عبر التلويح بإغلاق مضيق هرمز أو استهداف منشآت النفط والغاز في الخليج. هذه الخطوات قد تؤدي إلى أزمة اقتصادية عالمية، ما قد يخلق ضغطًا دوليًا على الولايات المتحدة من أجل إنهاء الحرب.
إيران ترى نفسها وُضعت في موقع الدفاع، بعد أن ذهبت إسرائيل والولايات المتحدة نحو هذه الحرب. وبحسب رؤيتها، فإن استخدام وسائل ضغط متعددة، حتى لو كانت قاسية، يأتي في إطار الدفاع عن النظام الإيراني ومنع تدمير بنيته الأساسية.
الدول العربية في الخليج تدرك أن هذه الحرب هي حرب إسرائيل ضد إيران بمشاركة أميركية، وأن مصلحة هذه الدول عدم الانخراط فيها بأي شكل من الأشكال، حتى في ضوء الاعتداءات الإيرانية عليها. ويبدو أن العديد من دول الخليج بات يرى أن القواعد العسكرية الأميركية لا تحمي هذه الدول، بل أصبحت عبئًا عليها.
من الضروري التفكير في تطوير منظومة دفاع عربي مشترك، تتطور إلى إنشاء إطار شبيه بحلف دفاع عربي لحماية الدول العربية في المنطقة، بعيدًا عن الاعتماد الكامل على القوى الخارجية.
"عرب 48": ما هي السيناريوهات المتوقعة للفترة المقبلة؟
د. محارب: من الصعب التنبؤ بدقة بمسار الأحداث، إلا أن هناك مؤشرات إلى أن الحرب قد لا تطول كثيرًا، إذ قد تسعى الإدارة الأميركية إلى إنهائها بعد فترة قصيرة وتقديمها كإنجاز سياسي.
ويرتبط ذلك بمدى صمود إيران وتماسك المجتمع والنظام فيها، وكذلك بمدى تأثير الحرب على مصادر الطاقة واستمرار توقفها من الخليج، وتأثيرات ذلك على الداخل الأميركي وعلى الناخب الأميركي، خاصة مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية في الولايات المتحدة.