تتواصل الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران، وقد بلغت مرحلة تبدو أقرب إلى نقطة اللاعودة، في ظل عوامل وأوراق إستراتيجية تستخدمها طهران لخلق حالة من الإرباك والعقبات التي تعرقل اندفاعة واشنطن وتل أبيب، وتحدّ من قدرتهما على التقدّم بالوتيرة ذاتها نحو الأهداف المعلنة للحرب.
وخلافًا لتوقعات الولايات المتحدة وإسرائيل، لم تؤدِّ الضربة الافتتاحية واغتيال المرشد علي خامنئي إلى تأجيج الشارع الإيراني ضد النظام؛ بل على العكس، دفع اغتياله الإيرانيين إلى النزول إلى الشوارع دعمًا لنظام الجمهورية الإسلامية. كما أفضى ذلك إلى صعود شخصية توصف بأنها أقل تروّيًا وأكثر اندفاعًا نحو امتلاك السلاح النووي، وهو مجتبى خامنئي، في تحدٍ واضح لتصريحات ورغبات الرئيس الأميركي دونالد ترامب.
وعلى الرغم من آلاف الأهداف العسكرية والأمنية والمدنية التي قصفتها الولايات المتحدة وإسرائيل داخل إيران، فإن ذلك لم يكن كفيلًا بتخفيف وطأة الأزمة الاقتصادية التي شرعت طهران في تصديرها إلى العالم، عبر التهديد بإغلاق مضيق هرمز، أحد أهم شرايين الطاقة العالمية.
حول هذه التطورات، والتحولات السريعة والدراماتيكية في المشهد مع مرور أيام الحرب، حاور "عرب 48" المديرة العامة للمركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية "مدار"، د. هنيدة غانم.
"عرب 48": ما هي الأهداف الحقيقية للحرب على إيران، وهل تغيّرت هذه الأهداف مع تطورات الحرب؟
د. غانم: الحديث منذ البداية كان يدور عمليًا حول إسقاط النظام الإيراني، على الأقل من الجانب الإسرائيلي. هذا الهدف ربما لم يُطرح بشكل رسمي، لكنه كان حاضرًا بوضوح في الخطاب السياسي والعسكري. استهداف رأس الهرم السياسي، والحديث عن اغتيال الرئيس أو القيادة العليا، كان يعكس هذا التوجه، إذ كانت هناك مراهنة على أن يؤدي ذلك إلى تحرك داخلي داخل إيران يقود إلى إسقاط النظام. لكن عندما اتضح أن هذا الهدف غير قابل للتحقق بالشكل الذي خُطط له، بدأت عملية إعادة ترتيب للأهداف.
هذه الحرب ليست إسرائيلية فقط ولا أميركية فقط، بل هي حرب إسرائيلية - أميركية مشتركة. وعلى الرغم من ترويج الولايات المتحدة وإسرائيل تدمير القدرات النووية الإيرانية خلال حرب الـ12 يومًا، فإننا اليوم أمام حرب لذات الأهداف. هذا الواقع يسمح بإنتاج أهداف جديدة للحرب، والترويج لانتصارات لا تعكس الواقع بشكل كامل.
"عرب 48": تشير عدة تقارير إلى أن المرشد الجديد مجتبى خامنئي أكثر تشددًا من والده، تحديدًا في الملف النووي. إلى أي مدى كان اغتيال خامنئي في الضربة الافتتاحية قرارًا خاطئًا؟
د. غانم: هذه المسألة تعكس حجم الجهل أو الغطرسة في التعامل مع إيران، بل ومع المنطقة بشكل عام. إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وكذلك الحكومة الإسرائيلية بقيادة بنيامين نتنياهو، تعاملتا مع الملف بنوع من الغطرسة والتعجرف والشعور بالقوة، باعتبار أنهما قادرتان على تغيير خريطة المنطقة بفضل التفوق العسكري.
لذلك، لا أعتقد أن هناك قراءة إستراتيجية عميقة لما يمكن أن يحدث؛ بل إن القراءة كانت مبنية على نظرة رغبوية وعلى قدر كبير من الغطرسة، أكثر من كونها تحليلًا واقعيًا للسيناريوهات المحتملة.
احتمال وصول قيادة أكثر تشددًا من خامنئي لم يُؤخذ بجدية كافية، وربما لم يُحسب أصلًا ضمن السيناريوهات. الرهان كان يقوم على أن الضربة العسكرية، سواء أدت إلى إسقاط النظام أم لم تؤدِّ إلى ذلك، ستضع إيران في موقع دولي ضعيف جدًا. وبحسب هذا الرهان، حتى لو جاء قائد أكثر تشددًا، فلن تكون لديه القدرة على ترجمة مواقفه سياسيًا أو عسكريًا، لأن إيران ستكون قد تعرضت لضربات قاسية تجعلها في وضع ضعيف للغاية. بعض التقديرات كانت ترى أن إيران قد تتحول إلى وضع يشبه العراق بعد الحرب الأميركية عليه، أي دولة ضعيفة ومفككة، وطُرحت سيناريوهات مثل سقوط النظام، أو إضعافه بشدة، أو اندلاع حرب أهلية، أو حتى تفكك الدولة.
"عرب 48": كيف يمكن أن تؤثر هذه الحرب على علاقات دول الخليج العربية مع الولايات المتحدة الأميركية؟
د. غانم: لا أعتقد أن الحرب ستؤدي إلى تغيير إستراتيجي جذري في علاقات الخليج مع الولايات المتحدة. قد تحدث إعادة حسابات أو تعديل في الاتفاقيات، لكن من الصعب تصور حدوث تحول كبير أو ما يمكن وصفه بمنعطف إستراتيجي حقيقي. تشابك المصالح الاقتصادية والسياسية والعسكرية بين دول الخليج والولايات المتحدة كبير جدًا، إلى جانب حالة التبعية الموجودة، ما يجعل تغيير الإستراتيجية أمرًا صعبًا.
بل أتوقع أن يحدث العكس، أي أن تتجه بعض دول الخليج إلى تعميق العلاقة مع الولايات المتحدة، انطلاقًا من فكرة أن ما جرى قد يُفسَّر بأن التعاون السابق لم يكن كافيًا.
البنية الاقتصادية والسياسية القائمة في دول الخليج، المبنية على المصالح الاقتصادية والنموذج النيوليبرالي، تجعل من الصعب بلورة تصور إستراتيجي مختلف، ولذلك أشكك في حدوث تغيير إستراتيجي حقيقي في سياسات هذه الدول.
"عرب 48": هل هناك رغبة إسرائيلية أو أميركية في توريط دول الخليج بالحرب بشكل مباشر؟
د. غانم: أعتقد أن هناك رغبة في توسيع دائرة الحرب لتشمل أكبر عدد ممكن من الأطراف، وليس فقط دول الخليج، بما يشمل حتى الدول الأوروبية، حيث يجري الحديث عن دور لها في حماية مضيق هرمز، بل وحتى إشراك قوى دولية أخرى.
يقوم هذا التصوّر على وضع إيران في مواجهة مع أكبر عدد ممكن من الدول، بحيث تصبح معزولة أمام تحالف واسع، وكلما اتسع التحالف العسكري والسياسي ضد إيران ازدادت قدرة هذا التحالف على احتوائها. لكن يبقى السؤال حول ما الذي سيضيفه انخراط دول الخليج عسكريًا في الحرب، خاصة أن الولايات المتحدة تمتلك أصلًا قواعد عسكرية عديدة في الخليج.
"عرب 48": إلى أين تتجه الأزمة في مضيق هرمز، وهل يمكن أن نشهد تصعيدًا أكبر؟
د. غانم: من الصعب الجزم بمآلات الأمور، لكن المؤشرات الحالية لا توحي بتهدئة، بل تشير إلى احتمال تصعيد أكبر في المرحلة المقبلة. الرئيس الأميركي دونالد ترامب يحاول حشد تحالف دولي لتأمين المضيق، وربما السيطرة على بعض المواقع الإستراتيجية فيه، ونجاح مثل هذه الخطوات غير مضمون حتى الآن.
العامل الأكثر أهمية في المرحلة المقبلة سيكون ما سيحدث في مضيق هرمز، لأن ذلك سيحدد اتجاه الحرب ومستوى التصعيد. كما أن تطورات المضيق خلال الأيام المقبلة قد تحدد مسار الأزمة الاقتصادية العالمية، خاصة فيما يتعلق بأسعار النفط والغاز.
هذه التطورات الخطرة تمر وسط خطابات ترامب التي تتسم بالتناقض، إذ يمكن أن يقدّم مواقف مختلفة ومتعارضة في اليوم نفسه، بل وحتى في الخطاب ذاته.
يوجد تقاطع بين ترامب ونتنياهو في الاعتماد على ما يمكن تسميته بسياسة الصدمة والمشهدية، أي استخدام القوة بشكل كبير ومفاجئ لإحداث تأثير نفسي وسياسي واسع. وتضع هذه السياسة جميع السيناريوهات على الطاولة، لأن هذه العقيدة تقوم أساسًا على إنتاج الصدمة كجزء من الحرب نفسها.