في ظل تصاعد حملات الملاحقة السياسية التي تستهدف الكوادر الحقوقية والطلابية والعمالية العربية الفلسطينية في البلاد منذ السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023، لم تكن نقابة المحامين في إسرائيل جزءًا من الدفاع عن أعضائها، بل تحوّلت إلى أداة لملاحقتهم عبر المحاكم التابعة لها، كما حصل مع المحامية مها إغبارية التي تمت ملاحقتها بسبب منشورين على مواقع التواصل الاجتماعي.
وشكّلت فترة ما بعد 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023 مرحلةً من تقييد حرية التعبير عن الرأي؛ إذ لم تكتفِ بملاحقة الناشطين السياسيين والاجتماعيين، بل منذ بداية الحرب، تم عرض أكثر من 10 محامين من أبناء المجتمع العربي على المحاكم التأديبية في نقابة المحامين في البلاد.
"عقوبتي لا تُذكر أمام ما دفعته غزة.” بهذا التصريح، قالت إغبارية لـ"عرب 48" إنها رفضت التسوية وتمسّكت بموقفها، رغم قرار حرمانها من مزاولة مهنتها لعام كامل.
— موقع عرب 48 (@arab48website) March 18, 2026
وأكدت أن ما دفعته شخصيًا لا يُقارن بدمار غزة وتضحيات أكثر من 70 ألف شهيد، معتبرة أن ملاحقة الأصوات في الداخل تعكس واقعًا من… pic.twitter.com/n3yrZiTTAp
وعقدت المحكمة التأديبية جلسات استماع ومحاكمة عديدة للمحامية مها إغبارية في تل أبيب، الأمر الذي فرض عليها تجميد مزاولتها لمهنة المحاماة لمدة عام، وذلك بقرار صدر عن النقابة بسبب مواقف تندرج ضمن حرية التعبير عن الرأي. وقد لاحقت النقابة المحامين العرب، بينما تجاهلت المحامين اليهود الذين دعوا إلى "مسح غزة"، الأمر الذي يعكس عمق التمييز داخل هذه المؤسسة النقابية، وفقا لمحامين عرب.
وقالت المحامية مها إغبارية لـ"عرب 48": "أعتبر ملفي في النقابة وأمام المحاكم ملفًا سياسيًا بامتياز وليس شخصيًا؛ فقد بدأت القضية في تشرين الأول/ أكتوبر 2023 بشكوى قُدّمت ضدي في نقابة المحامين تتعلق بمنشورين على مواقع التواصل الاجتماعي، وتطوّرت هذه الشكوى إلى ملف قضائي كامل ضدي".
وأضافت: "بناءً على هذه الشكوى، فُرضت عليّ عقوبة تمنعني من مزاولة مهنة المحاماة لمدة عام كامل. وقد كنا قد قدّمنا استئنافًا بواسطة مركز عدالة الحقوقي، وعندما وصلنا إلى المحكمة كان الجو سامًا جدًا، وكانت الجلسة طويلة، على خلاف المعتاد في جلسات الاستئناف التي تكون قصيرة عادة".
وحول جلسات الاستماع في المحكمة التأديبية التابعة للنقابة، أوضحت إغبارية: "خلال العامين والنصف الماضيين، كانت الجلسات سيئة إلى حد كبير، وكل جلسة كانت أسوأ من التي سبقتها؛ حيث انعدم الاحترام لي كمحامية ومواطنة عربية، وكانت الأمور تزداد سوءًا كلما لمست المحكمة تمسّكي بهويتي وكياني كمحامية عربية فلسطينية".
وتطرّقت إلى الأجواء في محاكم النقابة منذ السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023، قائلة: "كانت الأجواء مشحونة وسامة، وكان القضاة (المحامون) ينظرون إليّ وكأنني ارتكبت جريمة قتل، لا كمحامية تمارس حقها في التعبير عن الرأي. ورغم ذلك، بقيت متمسكة بموقفي في ممارسة حريتي الكاملة في التعبير كإنسانة وحقوقية فلسطينية. لكن المفارقة تكمن في ملاحقة المحامين العرب، في حين لم يتم التعرض للمحامين اليهود الذين دعوا إلى مسح غزة".
وانتقدت إغبارية دور نقابة المحامين، قائلة: "الوظيفة الأساسية لكل النقابات في العالم، سواء كانت صحية أو عمالية أو حقوقية، هي حماية أعضائها والدفاع عنهم. لكن ما نشهده اليوم في نقابة المحامين في إسرائيل هو أنها باتت مخصّصة لخدمة فئة واحدة فقط، وهم المحامون اليهود، بدلًا من رعاية جميع الأعضاء دون تمييز".
وعن قرارها مع مركز عدالة، أوضحت: "وصلنا إلى طريق مسدود مع النقابة، التي رفضت إزالة عقوبة السنة من الملف، وعُرضت علينا تسوية أخيرة تنص على سحب الاستئناف والاعتراف بالذنب مقابل إعادة النظر في مدة العقوبة فقط، وهو ما يعني إجباري على الاعتراف بارتكاب مخالفة".
وأوضحت: "بعد دراسة هذه التسوية بعمق مع مركز عدالة ومجموعة من الزملاء المحامين، قررنا رفضها والقبول بالعقوبة، وذلك خدمةً للمصلحة العامة والمبدأ الذي أؤمن به. لذلك فضّلت البقاء على موقفي بأنني لست مذنبة، وأن ما قمت به يندرج تمامًا ضمن حق ممارسة حرية التعبير عن الرأي".
ولفتت إغبارية إلى أن "العقوبة بحرماني من مزاولة مهنتي لعام كامل لا تكاد تُذكر أمام ما دفعته غزة من دمار وإبادة، وأمام تضحيات أكثر من 70 ألف شهيد. فالأثمان الشخصية التي يدفعها أبناء شعبنا في الداخل هي نتاج مواجهة مع منظومة عنصرية، وواقع نعيشه بفعل تمييز يتفاقم يومًا بعد يوم".
وفيما يتعلق بملاحقة طلبة الجامعات والمهنيين، قالت: "من المؤسف أن نرى رؤساء جامعات، التي من المفترض أن تكون مستقلة، يلاحقون كوادر طلابية لمجرد التعبير عن الرأي. لقد انعدمت حرية التعبير في مختلف المؤسسات، من الجامعات إلى النقابات وأماكن العمل، وباتت ادعاءات إسرائيل بأنها 'أوروبا الشرق الأوسط' وهمًا تُخفيه السياسات القمعية".
واختتمت إغبارية حديثها برسالة إلى المجتمع العربي في الداخل الفلسطيني، قائلة: "الحاجة الملحّة اليوم لشعبنا في الداخل هي الوحدة الحقيقية، بعدما استطاعت إسرائيل أن تشرذمه عبر أدوات عدة، على رأسها الجريمة المنظمة التي تفتك بنا. لكننا نملك فرصة أن نكون أقوياء من خلال استعادة دورنا السياسي، وتحديدًا عبر دعم إقامة قائمة مشتركة. فنحن نملك قوة التأثير، وبوحدتنا نكون أقوياء، ويصعب التغلب علينا".