تمرّ الذكرى الـ50 ليوم الأرض الفلسطيني، الذي يوافق 30 آذار/ مارس 1976، في ظل ظروف استثنائية، والحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران، حيث يعود إلى الواجهة ذلك الحدث المفصلي الذي ارتقى خلاله ستة شهداء وجُرح العشرات برصاص السلطات الإسرائيلية، ولا تزال تداعياته راسخة في الوعي الجمعي الفلسطيني في أراضي الـ48.
وتستحضر هذه الذكرى تضحيات الشهداء الذين شكّلوا بدمائهم نقطة تحوّل تاريخية، بعدما تصدّوا وأسهموا في إفشال مخططات السلطات الإسرائيلية بالسيطرة على نحو 21 ألف دونم من أراضي منطقة الملّ، التي تعود ملكيتها لأهالي بلدات مثلث يوم الأرض، وهي: دير حنا وعرابة وسخنين.
في الذكرى الـ50 ليوم الأرض، يتحدث المحامي محمود شاهين لـ"عرب 48"، مؤكدًا أن الذكرى تبقى محطة مفصلية في الوعي الجمعي، فيما لم تعد التحديات تقتصر على الأرض، بل تمتد إلى تصاعد الجريمة والعنف، كهاجس يومي يهدد الأمان ويعمّق القلق على المستقبل. pic.twitter.com/Pm6GHniTvw
— موقع عرب 48 (@arab48website) March 30, 2026
وتُستعاد في هذه المناسبة ذكرى شهداء يوم الأرض بأسمائهم وتفاصيلهم، الذين ارتقوا برصاص السلطات الإسرائيلية يومي 29 و30 آذار/ مارس 1976، وهم: خير ياسين (23 عامًا) من عرابة، رجا أبو ريا (23 عامًا) وخضر خلايلة (30 عامًا) من سخنين، محسن طه (15 عامًا) من كفر كنا، خديجة شواهنة (23 عامًا) من سخنين، ورأفت الزهيري (21 عامًا) من مخيم نور شمس في مدينة طولكرم بالضفة الغربية، الذي استشهد في مدينة الطيبة داخل الخط الأخضر؛ لتبقى سيرتهم حيّة في الوعي الجمعي، بوصفهم عنوانًا للتضحية والصمود في مواجهة سياسات الاقتلاع.
وفي ظل تحوّلات المرحلة للفلسطينيين في أراضي الـ48، لم يعد النضال مقتصرًا على حماية الأرض من المصادرة، بل امتدّ ليشمل معركة يومية من أجل صون الحياة ذاتها، في مواجهة استفحال آفة الجريمة والعنف داخل المجتمع، حيث بات الحفاظ على الأمان الشخصي والجماعي أولوية ملحّة، تتقاطع مع جوهر النضال التاريخي، باعتبار أن البقاء لا يكتمل دون بيئة آمنة تحفظ الإنسان كما تحفظ الأرض.

يقول شقيق الشهيد خضر خلايلة من سخنين، أحمد خلايلة، لـ"عرب 48"، إن "البلدات العربية، ومنها سخنين وعرابة ودير حنا، شهدت مرحلة مفصلية سبقت إعلان الإضراب، وذلك عقب اجتماع عُقد في مبنى بلدية شفاعمرو، حيث لم يكن قرار الإضراب سهلًا أو عابرًا، بل جاء بعد نقاشات حادة ومعارضة من عدد من رؤساء السلطات المحلية، الذين رفض بعضهم الانخراط في الإضراب، وقد بلغت الخلافات حد طرح فكرة إجراء انتخابات أو تصويت لتحديد من هو مع الإضراب ومن ضده، غير أن الراحل توفيق زياد رفض ذلك، وطالب بأن يكون القرار علنيًا وواضحًا أمام الجميع".
في الذكرى الـ50 ليوم الأرض: هكذا يروي أحمد خلايلة لـ"عرب ٤٨" لحظة استشهاد شقيقه خضر في سخنين بيوم الأرض عام 1976، حين أطلق الجيش الإسرائيلي عليه النار على بُعد أمتار، بينما احتجزهم في لمنع إسعافه ووصوله للمشفى حتى لفظه أنفاسه الأخيرة على بعد أمتر قليلة من المشفى. وتفاصيل أخرى… pic.twitter.com/fckBO4PlRn
— موقع عرب 48 (@arab48website) March 30, 2026
ويتابع خلايلة أن "الأجواء داخل الاجتماع كانت متوترة للغاية، وشهدت جدالات حادة بين المؤيدين والمعارضين، حتى كادت الأمور تصل إلى اشتباكات بالأيدي، إلا أنه جرى الالتزام بقرار الشعب بالإضراب. وقد عُقد الاجتماع حينها في ظل وجود مكثف للشرطة والجيش الإسرائيلي، الذين أحاطا بالمكان".
ويستعرض تفاصيل اندلاع أحداث يوم الأرض، موضحًا: "بدأت الشرارة الأولى من دير حنا، عندما دخل الجيش الإسرائيلي في محاولة لمنع الشباب من التواجد في الشوارع، في ظل مظاهرات وإغلاق للطرق. وأسفرت المواجهات عن إصابات في دير حنا، قبل أن تمتد إلى عرابة، حيث ارتقى أول شهيد ليلة الثلاثين من آذار، وهو خير ياسين من عرابة".
ويصف خلايلة تلك الليلة بأنها "كانت بمثابة حرب، واندلعت مواجهات عنيفة مع دخول الجيش الإسرائيلي إلى البلدة، واستمرت حتى ساعات الصباح، وأسفرت عن إصابات عديدة وصدامات مباشرة بين الجنود والشبان، حتى أعلن الجيش حظر التجوال، باستثناء معلمي المدارس".
ويستذكر أنه "أُصيبت إحدى المعلمات من البلدة خلال توجهها إلى المدرسة، حيث أُطلق النار عليها وأُصيبت في خاصرتها، ما دفع الأهالي إلى محاولة إسعافها، بعد صدامات مع الجنود".
وفي لحظة مفصلية، يروي خلايلة أنه "بعد إطلاق النار على المعلمة وإسعافها، خرج الجنود من الحي، وتبعناهم لبضعة أمتار، وكان أخي خضر يحمل حجرًا في يده، قبل أن يُطلق النار عليه بشكل مباشر ليسقط أرضًا، على بُعد مترين فقط مني".
ويتابع أنه "جرى نقل خضر بسيارة إلى المستشفى، غير أن الجيش أوقفنا عند أحد الحواجز ومنعنا من المرور لفترة طويلة، رغم وضوح حالته وخطورة النزيف، وبعد أن تمكّنا من المرور، لفظ خضر أنفاسه الأخيرة قبل الوصول إلى المستشفى، على بُعد نحو 500 متر فقط".
ويؤكد خلايلة أن "شقيقي كان إنسانًا بسيطًا وبريئًا، ضحّى بنفسه دفاعًا عن الأرض والهوية والانتماء ووحدة الناس، وكانت هذه التضحية وتضحيات الشهداء والجرحى والمعتقلين الأساس في استعادة الأرض".
ويضيف أن "خضر كان يحلم بشراء جرار ومعدات زراعية للعمل في الأرض، وقد بدأ بالفعل بتحقيق هذا الحلم قبل استشهاده بفترة قصيرة، حيث ترك العمل خارج البلدة ليعود إلى الأرض، وكان يطمح إلى بناء أسرة وحياة كريمة، إلا أن هذا الحلم لم يكتمل".
ويختتم خلايلة حديثه قائلًا: "هذا الحدث كسر حاجز الخوف، فالناس في تلك الفترة لم يعودوا يخشون الشرطة أو الجيش، بل وقفوا للدفاع عن أرضهم ووجودهم".
ومن جهته، قال رئيس اللجنة الشعبية في سخنين، المحامي محمود شاهين، لـ"عرب 48"، إن "ذكرى يوم الأرض ستبقى محطة خالدة في الوعي الجمعي لأبناء الشعب الفلسطيني في الداخل، وحاضرة في مختلف مسيرتهم النضالية، لا سيما أنها شكّلت نقطة تحوّل مفصلية في تاريخهم، بعد أن ارتقى شهداء ضحّوا بأغلى ما يملكون دفاعًا عن الأرض والبقاء والهوية".
وأوضح شاهين أن "فعاليات إحياء يوم الأرض هذا العام ستقتصر على زيارة عائلات الشهداء وأضرحة الشهداء، دون تنظيم مسيرة مركزية، وذلك في ظل الظروف الراهنة التي تمر بها البلاد بسبب الحرب".
وأشار إلى "الأوضاع الصعبة التي يعيشها المجتمع العربي في السنوات الأخيرة، حيث لم تعد التحديات تقتصر على الصراع على الأرض والبقاء، بل باتت تشمل أيضًا مواجهة آفة العنف والجريمة، التي تحوّلت إلى الهاجس اليومي لكل فرد، وأسهمت في خلق حالة من فقدان الأمان والأمل، بل ودفع بعضهم إلى التفكير في الهجرة".
اقرأ/ي أيضًا | إلغاء مسيرة الذكرى الـ50 ليوم الأرض والمتابعة والقطرية تدعوان إلى زيارة أهالي وأضرحة الشهداء
اقرأ/ي أيضًا | عرابة البطوف: المئات يشاركون في مسيرة ذكرى يوم الأرض الـ49