تُسلّط تجربةُ التعليم عن بُعد في ظلّ الحرب الضوء على واقعٍ معقّد يعيشه الطلبة وأهاليهم، حيث تتحوّل البيوت إلى غرفٍ صفّية مؤقتة، وتُلقى أعباء إضافية على العائلات، خصوصًا مع تداخل المسؤوليات المهنية والتعليمية في آنٍ واحد. ويطال هذا الواقع مئات آلاف الطلاب العرب، في ظلّ نقص الوسائل الرقمية واتّساع الفجوات في الإمكانيات.
وفيما يُفترض أن يُشكّل التعليم عن بُعد حلًا لاستمرارية التعلّم في حالات الطوارئ، تكشف التجربة الميدانية محدودية جدواه، لا سيما لدى طلاب المراحل الدنيا، حيث يغيب التفاعل الحقيقي وتضعف الفائدة التعليمية، ما يرفع احتمالات تسرّب الطلبة، خصوصًا في البيئات الأكثر هشاشةً اجتماعيًا واقتصاديًا.
ويعكس هذا النمط التعليمي فجواتٍ عميقة في جهاز التعليم العربي، ليس فقط في البنى التحتية التكنولوجية، بل أيضًا في حجم الميزانيات المخصّصة مقارنةً بجهاز التعليم اليهودي، ما يفاقم انعدام تكافؤ الفرص، ويُضعف قدرة المدارس العربية على الصمود في حالات الطوارئ وضمان تعليم عادل وشامل.
أم لطفلتين من الطيرة: "لا توجد استفادة واضحة من التعليم عن بُعد"
وقالت شذى ياسين، وهي أم لطفلتين في الصف الأول من مدينة الطيرة، لـ"عرب 48"، إن "هناك عدة عقبات خلال هذه الفترة بسبب التعليم عن بُعد، حيث إن عملي انتقل ليكون عن بُعد، وأنا مُجبرة على متابعة طفلتي، تحديدًا في الجانب التقني".
وتابعت ياسين: "هذا الأمر يدفعني إلى تأجيل عملي إلى ما بعد حصص المدرسة عن بُعد، وإنهائه في ساعات متأخرة من الليل، ما ينعكس على البيت بأكمله".
وعن مدى استفادة طفلتيها، أشارت ياسين إلى أنه "في الحقيقة لا توجد استفادة واضحة من التعليم عن بُعد، خصوصًا في الصف الأول، إذ يقتصر الأمر على الحفاظ على الروتين والانضباط بساعات التعليم".
د. سماح خطيب - أيوب: "التعلّم عن بُعد خيار اضطراري تفرضه الظروف القاهرة"
وفي هذا الصدد، وللوقوف على تأثير التعلّم عن بُعد على جهاز التعليم العربي، وما يرافقه من نواقص في البنى التكنولوجية ونقص في الأماكن المحمية، إضافةً إلى مدى اهتمام وزارة التربية والتعليم بسدّ هذه الفجوات، أجرى "عرب 48" حوارًا خاصًا مع المديرة العامة للجنة متابعة قضايا التعليم العربي، د. سماح خطيب - أيوب.
"عرب 48": كيف تنظر لجنة متابعة قضايا التعليم، وما موقفها من استمرار التعلّم عن بُعد في هذه المرحلة؟
خطيب - أيوب: تنظر اللجنة إلى التعلّم عن بُعد كخيارٍ اضطراري تفرضه الظروف القاهرة، مع تأكيد تفهّمها للحاجة المُلحّة إلى حماية حياة الطلاب والطواقم التربوية وضمان استمرارية العملية التعليمية، إلا أن هذا التفهّم لا يعني القبول بالواقع القائم كما هو.
العودة إلى التعلّم عن بُعد، في ظلّ المعطيات الحالية، تكشف بشكل صارخ الفجوات البنيوية العميقة في جهاز التعليم في المجتمع العربي، وهي فجوات لم تُعالج بجدية منذ سنوات. فعندما يُحرم نحو ربع الطلاب من الوسائل الأساسية للتعلّم، فإن هذا النمط لا يوفّر استمرارية تعليمية حقيقية، بل يخلق استمرارية شكلية تُقصي فعليًا عشرات آلاف الطلاب من العملية التعليمية.
الصمود التعليمي في حالات الطوارئ لا يقتصر على توفير منصات رقمية، بل يشمل أيضًا الدعم النفسي والاجتماعي للطلاب، إلى جانب دعم الطواقم التربوية التي تعيش حالة استنزاف مستمر نتيجة تكرار حالات الطوارئ على مدار سنوات طويلة، دون تطوير أو تذويت خطة استراتيجية ممنهجة تضمن حقوقهم وحقوق طلابهم.
تقارير مراقب الدولة الصادرة في كانون الثاني/ يناير 2026، استنادًا إلى فحص التعلّم عن بُعد خلال فترة الحرب على غزة ولبنان، أظهرت أن وزارة التربية والتعليم لم تمتلك صورة محدثة عن نقص الوسائل الرقمية قبل اندلاع الحرب، ولم تُنفّذ تمارين كافية للتعلّم عن بُعد، كما لم تستكمل معالجة الفجوات في البنية التحتية التكنولوجية، ما أدى إلى تضرّر مئات آلاف الطلاب، خصوصًا من لا يمتلكون حواسيب أو اتصالًا ثابتًا بالإنترنت، أو من يضطرون لاستخدام جهاز واحد داخل الأسرة.
هذه الإشكاليات تتركّز بشكل خاص في صفوف الطلاب العرب، لا سيما في القرى مسلوبة الاعتراف في النقب، وشرقي القدس، وبين العائلات ذات الوضع الاجتماعي-الاقتصادي المتدني. وتشير المعطيات إلى أن 72% من المدارس الرسمية العربية تفتقر إلى الوسائل الرقمية، و48% منها لا توفّر للمعلمين أدوات كافية للتعليم عن بُعد، فيما لا يستطيع نحو ثلث الطلاب المشاركة في تعلّم رقمي فعّال.
التقرير يُظهر فجوة واضحة بين التعليم العربي واليهودي، حيث أفاد 74% من أولياء الأمور في التعليم اليهودي بتوفّر الوسائل الكاملة لأطفالهم، مقابل 44% فقط في التعليم العربي، في حين أن 92% من المدارس العربية غير مجهّزة بالوسائل الرقمية الكافية. ويتركّز النقص لدى الطلبة العرب في منطقتي الشمال والجنوب، حيث يعاني 85% من طلاب الشمال و83% من طلاب الجنوب من نقص في الوسائل أو البنية التحتية.
استمرار التعلّم عن بُعد دون معالجة جذرية للفجوات الرقمية والبنيوية يمسّ بجوهر الحق في التعليم، ويهدّد صمود الطلاب والطواقم التربوية. فآلاف الطلاب العرب مهددون بالانقطاع عن الدراسة، ما يفاقم المخاطر في ظل حالة الطوارئ المزدوجة المتمثلة بالحرب وتصاعد الجريمة والعنف.
اللجنة تعمل حاليًا، بصفتها هيئة تمثيلية، على بلورة عمل مهني ميداني مع مختصين لتوفير أدوات عملية تساعد المدارس والطواقم على التعامل مع التحديات. ويهدف هذا المشروع، وهو حاليًا قيد الإنجاز، إلى تعزيز الحماية التعليمية والنفسية للطلاب والمعلمين".
"عرب 48": إلى أي مدى يسهم التعلّم عن بُعد في ارتفاع احتمالات تسرّب الطلبة، خاصة في أعقاب الحرب؟
خطيب - أيوب: يسهم غياب العدالة في توزيع الموارد في التعلّم عن بُعد بشكل مباشر في رفع احتمالات تسرّب الطلبة، إذ إن حرمان نحو 140 ألف طالب من الوسائل الرقمية يعني فعليًا إخراجهم من العملية التعليمية منذ اللحظة الأولى. ويتراكم هذا الإقصاء مع الوقت، ويؤدي إلى فجوات تعليمية عميقة تدفع الطلاب نحو الانقطاع النهائي، خاصة في ظل غياب التفاعل المباشر وضعف الأطر الداعمة.
خطورة هذا المسار تتفاقم في أعقاب الحرب، مع تدهور الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والنفسية، خصوصًا لدى الفئات الأكثر تضررًا، مثل طلاب النقب والقرى مسلوبة الاعتراف، والطلاب من العائلات ذات الوضع المتدني، والبلدات الواقعة في أسفل السلم الاجتماعي-الاقتصادي. كما أن غياب برامج التدخل المبكر والدعم التعليمي التعويضي يعمّق هذه الفجوات ويجعلها دائمة.
مواجهة خطر التسرب تتطلب برنامجًا مهنيًا شاملًا، ممولًا ومحددًا زمنيًا، يقوم على أهداف شفافة ويعالج التحديات بشكل منهجي، بما يضمن حماية حق الطلاب في التعليم وتقليص الفجوات. وتتضاعف أهمية ذلك في ظل تقليص الميزانيات التي طالت جهاز التعليم، بما في ذلك الخطة الخمسية.
رغم تسجيل تحسن عام في مؤشر التسرب في البلدات العربية ضمن الخطة الخمسية، حيث انخفض من 1% عام 2021 إلى 0.6% عام 2023، فإن هذا التحسن غير متكافئ؛ إذ إن 33% من البلدات لم تشهد تحسنًا، بينما حققت 14% فقط تحسنًا يفوق الأهداف، إضافة إلى غياب معطيات عن بعض البلدات، ما يثير إشكاليات تتعلق بالشفافية.
الأهداف المعلنة حتى العام الدراسي 2026 تشمل تقليص فجوة التسرب العلني بنسبة 50%، إلى جانب تطوير مؤشر 'التسرّب الخفي'، إلا أن اللجنة تطرح تساؤلات حول مدى بلورة هذا المؤشر والمعايير المعتمدة لقياسه، مؤكدة ضرورة أن تكون شريكًا مهنيًا في صياغته وتقييمه.
"عرب 48": في حال استمرار الحرب لفترة طويلة، هل تتمتع المدارس العربية بالجاهزية الكافية للعودة إلى التعليم الوجاهي، خصوصًا من حيث توفر الملاجئ والكوادر التعليمية؟
خطيب - أيوب: تشير الصورة العامة إلى محدودية جاهزية المدارس للتعامل مع حالات الطوارئ، سواء في التعليم عن بُعد أو الوجاهي، نتيجة فجوات بنيوية متراكمة. وهناك نقص حاد في الملاجئ والغرف الآمنة، إلى جانب الاكتظاظ ونقص الموارد الأساسية.
نتائج ميدانية أولية أظهرت أن نحو 89% من المدارس في السلطات المحلية العربية التي شملها الفحص ليست جاهزة بشكل كامل لحالات الطوارئ، مقابل 11% فقط تتمتع بجاهزية ملائمة. كما يوجد عجز يُقدّر بنحو 85 ألف متر مربع من المساحات المحمية داخل المدارس ورياض الأطفال، ما يعني أن عشرات آلاف الطلاب يفتقرون إلى حماية فعلية.
هذا الواقع يعكس غياب بيئة تعليمية آمنة، ويجعل العودة إلى التعليم الوجاهي محفوفة بالمخاطر وغير متكافئة، في ظل احتمال تكرار حالات الطوارئ دون خطة استراتيجية مستدامة، ما أدى إلى استنزاف مستمر للطواقم التعليمية.
وضرورة وجود رؤية شمولية تدمج بين الجوانب الأمنية والتربوية والنفسية، لضمان بيئة تعليمية مستقرة وآمنة. كما أن استمرار الحرب يفاقم التحديات ويستدعي تدخلًا فوريًا قائمًا على استثمار حقيقي في البنى التحتية وتعزيز جاهزية المدارس.
"عرب 48": إلى أي مدى يوجد تعاون فعلي وكافٍ من قبل وزارة التربية والتعليم في التعامل مع واقع التعليم في البلدات العربية؟
خطيب - أيوب: تقوم العلاقة مع وزارة التربية والتعليم على المطالبة والمساءلة المهنية، ونشدد على ضرورة إشراك الهيئات التمثيلية العربية في التخطيط والتنفيذ، ونشر معطيات محدثة، وتخصيص ميزانيات عاجلة للبنى التحتية والوسائل الرقمية، واعتماد معايير عادلة وشفافة.
يجب التحرك بشكل فوري لتوفير أجهزة رقمية وبنية تحتية للإنترنت لجميع الطلاب، خاصة في المناطق المهمشة، إلى جانب إطلاق برامج لسد الفجوات التعليمية، والإعلان المبكر عن مواعيد امتحانات البجروت 2026، مع تقديم تسهيلات للطلاب المتضررين. الحاجة إلى خطة طوارئ إستراتيجية شاملة أصبحت أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى.