يسري خيزران: وقف النار يعكس فشل الإستراتيجية الأميركية في إيران

اعتبر د.يسري خيزران أن التحوّل في الموقف الأميركي يكشف حدود القوة العسكرية أمام واقع ميداني معقّد، ويعيد رسم ميزان التفاوض. في المقابل، اعتبر أن إيران تبرز كطرف استطاع امتصاص الضربات وإعادة تموضعه، بينما تجد إسرائيل نفسها على هامش المعادلة.

يسري خيزران: وقف النار يعكس فشل الإستراتيجية الأميركية في إيران

إيراني يتفقد منزله المتضرر في طهران بعد وقف إطلاق النار (Getty Images)

شهد موقف الرئيس الأميركي تحوّلًا لافتًا خلال ساعات قليلة، من التصعيد والدفع نحو ضرب المنشآت الحيوية في إيران، إلى إعلان وقف لإطلاق النار يمتد لأسبوعين، والدخول في مسار تفاوضي يستند إلى بنود تراعي ما تعتبره طهران "مكتسبات"، وفي مقدمتها السيطرة على مضيق هرمز.

تغطية متواصلة على قناة موقع "عرب 48" في "تليغرام"

وعلى الرغم من تصلّب الموقف الأميركي، المدعوم بضغوط إسرائيلية، على مدار 39 يومًا من الحرب، والذي تضمّن مطالب صريحة باستسلام إيران وتسليم السلاح واليورانيوم المخصّب وفتح مضيق هرمز، إلا أن التطورات الميدانية وتعقيدات الواقع العملياتي، إلى جانب عدم رضوخ طهران للتهديدات باستهداف منشآتها الحيوية، بل وتهديدها باستهداف منشآت الطاقة في الخليج بما قد يفاقم الأزمة الاقتصادية العالمية، دفعت واشنطن إلى الاستجابة للوساطة الباكستانية.

في المقابل، وجدت إسرائيل نفسها على هامش معادلة التفاهمات، دون مراعاة لموقفها، وفي ظل مخاوف من تقويض ما تعتبره مكاسب إقليمية، خصوصًا تلك المرتبطة بحرية العمل العسكري التي عززتها منذ السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023.

د. يسري خيزران

وحول اتفاق وقف إطلاق النار وتوقيته، قال المحاضر في كلية شاليم والباحث في معهد ترومان في الجامعة العبرية في القدس، د. يسري خيزران إن "الموافقة الأميركية على وقف إطلاق النار جاءت مفاجئة نسبيًا، لكن في الوقت ذاته لا ينبغي التعامل معها كأمر غير متوقع بالكامل، في ظل النهج السياسي الذي يتبعه الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، والذي يتجاوز العديد من الثوابت والأعراف السياسية، هذا القرار قد يشير إلى غياب إستراتيجية واضحة للعملية العسكرية ضد إيران، أو إلى فشل الإستراتيجية التي وُضعت مسبقًا، ما اضطر الولايات المتحدة إلى القبول بوقف مؤقت لإطلاق النار".

وفي ما يتعلق بقائمة البنود العشرة التي يُفترض أن تشكّل أساسًا للمفاوضات في باكستان، قال خيزران إن "الحديث عن الشروط الإيرانية المطروحة للمفاوضات يستوجب فهم ثلاثة عناصر أساسية، أولها أن الولايات المتحدة وإسرائيل دخلتا الحرب بناءً على تقديرات خاطئة، مرتبطة بالاحتجاجات الداخلية في إيران والأزمة الاقتصادية، حيث اعتُقد أن ضربة عسكرية مباغتة قد تؤدي إلى إسقاط النظام أو إضعافه بشكل كبير. إلا أن هذا السيناريو لم يتحقق، بل أظهر النظام الإيراني تماسكًا رغم خسارته قيادات بارزة".

ويضيف خيزران أن "العنصر الثاني يتعلق بأهداف الحرب المعلنة، والتي شملت القضاء على البرنامج النووي والصاروخي الإيراني، وفك ارتباط طهران بحلفائها في المنطقة. أيًا من هذه الأهداف لم يتحقق، بل على العكس، نجحت إيران في امتصاص الضربات العسكرية المكثفة، رغم سيطرة إسرائيل والولايات المتحدة على الأجواء الإيرانية لنحو أربعين يومًا، وما رافق ذلك من دمار واسع في البنى التحتية".

ويعتبر خيزران أن "إيران تمكنت من قلب موازين المعركة عبر خطوات إستراتيجية، أبرزها إغلاق مضيق هرمز، واستهداف دول خليجية حليفة لواشنطن، ما أدى إلى تداعيات اقتصادية عالمية. هذه التطورات لم تكن في الحسبان، أو تم التقليل من تأثيرها، وهو ما سمح لطهران بالانتقال من موقع المتلقي للشروط الأميركية إلى طرف يفرض شروطه على طاولة التفاوض".

وتابع خيزران أن "الإدارة الأميركية كانت تسعى إلى فرض اتفاق بشروط أحادية، على غرار النموذج الفنزويلي، إلا أن إيران رفضت تلك الشروط، وخاضت المواجهة، ونجحت في فرض معادلة جديدة تقوم على تفاوض متبادل، يتضمن مطالب من الطرفين، وهو ما يعد إنجازًا بحد ذاته من وجهة نظره".

وفي ما يتصل بتقديرات الاستخبارات الأميركية والإسرائيلية، يرى خيزران أن "هناك خللًا واضحًا، سواء في فهم طبيعة النظام الإيراني أو في تقدير قدرته على الصمود، ويصف الاستراتيجية التي بُنيت بأنها أقرب إلى الاعتماد على الأماني وليس على معطيات واقعية".

كما يلفت خيزران إلى أن "استهداف البنى التحتية المدنية في إيران ساهم في تعزيز الالتفاف الشعبي حول النظام، حتى بين بعض المعارضين، إذ بدا أن الحرب تستهدف الدولة ككل وليس النظام فقط. هذا إلى جانب قلق إقليمي، خصوصًا لدى دول مثل تركيا، من تداعيات انهيار دولة بحجم إيران، وما قد يترتب عليه من تغييرات جيوسياسية خطيرة، خصوصًا في ما يتعلق بقضية الأكراد".

وفي تقييمه لنتائج الحرب، يعتبر خيزران أن "مجرد التوصل إلى اتفاق محتمل يُعد إنجازًا لإيران، خاصة إذا تضمن رفع العقوبات أو تعويضات عن الأضرار، صمود إيران أمام الولايات المتحدة وإسرائيل لمدة أربعين يومًا سيُسوّق داخليًا كنجاح كبير، وهو تقييم لا ينفصل عن الواقع، في ظل قدرة طهران على استخدام أوراقها الإستراتيجية بفعالية".

ويشير خيزران إلى أن "استهداف الممالك العربية في الخليج، وعدم قدرة الولايات المتحدة على حمايتها بشكل كامل، سيطرح تساؤلات لدى هذه الدول حول جدوى التحالف مع واشنطن، وربما يدفعها لإعادة النظر في علاقاتها الإقليمية".

أما على صعيد الجبهة اللبنانية، فيرجّح خيزران أن "أي اتفاق شامل مع إيران سيشمل حزب الله ولن تتخلى طهران عنه، حيث أن الحزب، رغم الخسائر الكبيرة التي تكبدها في حرب إسناد غزة، أظهر قدرة على القتال فاجأت المؤسسة العسكرية الإسرائيلية، ونجح في شل مناطق في شمالي إسرائيل".

ويضيف خيزران أن "انخراط حزب الله في الحرب جاء إدراكًا منه بأن سقوط النظام الإيراني سيعني نهاية دوره الإقليمي، وهو ما يفسر أيضًا مشاركة فصائل عراقية في القتال؛ قد تستمر إسرائيل خلال الفترة المقبلة في تنفيذ عمليات وقصف محدود في لبنان لإظهار الحزم، لكنها لن تستطيع فصل هذه الجبهة عن المسار التفاوضي مع إيران".

كما يعتبر أن "تراجع الولايات المتحدة عن تهديداتها وقبولها بوقف إطلاق النار يمثل بحد ذاته إنجازًا لإيران، في ظل اختلال ميزان القوى، كما أن الفترة الحالية مخصصة للتفاوض بهدف التوصل إلى تسوية، وهو ما يثير قلق إسرائيل التي لا ترغب باتفاق مع إيران، بل تسعى إلى إسقاط النظام".

ويختم بالقول إن "إسرائيل، رغم تفوقها العسكري، لم تنجح في ترجمة هذا التفوق إلى إنجاز سياسي يعيد تشكيل المنطقة، سواء في إيران أو لبنان، معتبرًا أنها خرجت من الحرب منتصرة لكنها غير حاسمة، وهو ما يعكس حدود القوة العسكرية في تحقيق الأهداف الإستراتيجية".