حوار مع د. أيمن يوسف | حالة "اللا حرب واللا سلم" قد تطول والتصعيد رهن بالداخل الأميركي والإسرائيلي

بعد نحو 40 يومًا من الحرب وتمدّد الهدنة بين الولايات المتحدة وإيران، تبرز حالة "اللا حرب واللا سلم" مع تراجع المواجهة المباشرة وتصاعد الضغوط غير التقليدية. وفي هذا السياق، يقدّم د. أيمن يوسف قراءة لاحتمالات التهدئة أو التصعيد.

حوار مع د. أيمن يوسف | حالة

مظاهرة مناهضة لأميركا وإسرائيل في ساحة الثورة بطهران، 12 نيسان 2026 (Getty Images)

بعد نحو 40 يومًا من الحرب، ومع الحديث عن تمديد الهدنة بين الولايات المتحدة وإيران لأسبوع إضافي، لا يزال التوتر المحدود سيد الموقف، في ظل مشهد إقليمي يتّسم بالحذر والترقّب، وتطورات متسارعة تعيد رسم ملامح الصراع والنفوذ في المنطقة. فبينما تراجعت حدّة العمليات العسكرية المباشرة، برزت أشكال جديدة من الضغط والتصعيد غير التقليدي، تعكس انتقال الأطراف إلى مرحلة مختلفة من إدارة المواجهة، وذلك بعد استنفاد أبرز الأوراق والضغوط السياسية والعسكرية.

وسط هذه المعادلة المفتوحة، تتزايد التساؤلات حول طبيعة المرحلة المقبلة. وفي هذا الإطار، أجرى "عرب 48" الحوار التالي مع أستاذ حلّ النزاعات والعلاقات الدولية في الجامعة العربية الأميركية في جنين، د. أيمن يوسف، الذي قدّم قراءة تحليلية لمجريات المواجهة واحتمالات تطورها، وما إذا كانت المنطقة تتجه نحو تثبيت هدنة طويلة الأمد، أم أنها مقبلة على جولة جديدة من التصعيد.

"عرب 48": هل نشهد تحولات جديدة في شكل المواجهة بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى؟

يوسف: أعتقد أننا نشهد تحولات تكتيكية وإستراتيجية واضحة في هذه المواجهة، ويمكن القول إننا دخلنا مرحلة جديدة أو نمطًا مختلفًا من إدارة الصراع، يقوم على أساس الحصار والحصار المضاد. بمعنى أن الولايات المتحدة تحاول استخدام أدوات ضغط غير تقليدية، مثل فرض حصار على الموانئ الإيرانية، ليس فقط بهدف إضعاف الاقتصاد الإيراني، وإنما أيضًا لخلق أزمة مركّبة تدفع الإيرانيين إلى العودة إلى طاولة المفاوضات بشروط جديدة.

د. أيمن يوسف

هذه الخطوة تعكس توجهًا أميركيًا واضحًا بعدم الرغبة في العودة إلى الحرب التقليدية أو شن هجمات جوية واسعة على البنية التحتية الإيرانية، سواء المدنية أو العسكرية. وبدلًا من ذلك، تحاول واشنطن استخدام أدوات ضغط تدريجية تمهيدًا للوصول إلى جولة جديدة من التفاوض. لكن هذا لا يعني أن خيار الحرب قد انتهى، بل نحن أمام مرحلة يمكن توصيفها بـ"اللا حرب واللا سلم"، أو حتى هدنة ممتدة، وهي مرحلة تخدم في هذه اللحظة المصالح الأميركية، خاصة في ظل رغبة إدارة الرئيس دونالد ترامب في تمديد هذه الهدنة والتفاوض مع الإيرانيين في ضوء المتغيرات الجديدة.

"عرب 48": إلى أي مدى يمكن أن تعود الحرب والتصعيد العسكري بالشكل الذي كانت عليه قبل الهدنة؟

يوسف: أعتقد أن خيار العودة إلى الحرب لا يزال قائمًا، لكنه أقل احتمالية في هذه المرحلة تحديدًا. يجب أن ننتبه إلى أن قرار الحرب والسلم فيما يتعلق بإيران هو بالأساس قرار أميركي، وإسرائيل غالبًا ما تتحرك ضمن هذا الإطار أو تلتزم به. في الوقت الحالي، يبدو أن المصلحة الأميركية تميل إلى التهدئة وإطالة أمد الهدنة، وليس الذهاب إلى مواجهة مفتوحة.

في المقابل، نرى أن حكومة اليمين الإسرائيلية بقيادة بنيامين نتنياهو، وبمشاركة شخصيات مثل إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش، تميل إلى استمرار المعركة وإبقائها مفتوحة مع إيران. ولا تزال إسرائيل تعتبر أن التهديد الإيراني قائم، وأنها لم تنجح حتى الآن في القضاء على البرنامج النووي أو الصواريخ الباليستية، ولا في تغيير النظام الإيراني، لذلك تميل أجندة هذه الحكومة إلى خيار الحرب.

بالإضافة إلى ذلك، فإن العامل الداخلي الإسرائيلي مهم، خاصة مع اقتراب الانتخابات بعد ستة أشهر، ما قد يدفع القيادة الإسرائيلية إلى تبنّي مواقف أكثر تشددًا. لكن رغم ذلك، أعتقد أن الموقف الأميركي هو الحاسم، خاصة في ظل وجود حالة امتعاض داخل الولايات المتحدة من استمرار الحرب، وتراجع في شعبية الرئيس الأميركي وفق استطلاعات الرأي، ما يوضح اختلافًا في المقاربة بين واشنطن وتل أبيب، رغم أن الأهداف العامة قد تكون متشابهة.

"عرب 48": بعد تجربة الخيار العسكري لنحو 40 يومًا، وفرض حصار بحري على إيران، ما هي أبرز أوراق الضغط التي لا تزال بيد الولايات المتحدة في هذه المرحلة؟

يوسف: أعتقد أن الولايات المتحدة استنفدت جزءًا كبيرًا من أوراقها في بداية المواجهة. كان هناك اعتقاد لدى صُنّاع القرار في واشنطن بأن استهداف القيادة الإيرانية، بما في ذلك المرشد الأعلى، وتوجيه ضربات للصفين الأول والثاني من القيادات العسكرية والسياسية، إضافة إلى استهداف آلاف المواقع، سيؤدي إلى انهيار النظام الإيراني، لكن هذه الفرضية لم تتحقق.

الخيارات الأميركية أصبحت محدودة نسبيًا، وحتى خيار الحصار ليس سهل التطبيق بشكل كامل. أعتقد أن الولايات المتحدة بدأت تنتقل تدريجيًا إلى إستراتيجية "الاحتواء طويل الأمد"، عبر استخدام العقوبات الاقتصادية والضغوط الدبلوماسية، وربما بعض العمليات التكتيكية المحدودة داخل العمق الإيراني، دون الانزلاق إلى حرب شاملة.

كما أن وجود قيادات مثل ترامب ونتنياهو، اللذين يؤمنان بأدوات القوة، لا يلغي حقيقة أن هامش المناورة بدأ يضيق، وأن هناك ضغوطًا داخلية في الولايات المتحدة تدفع باتجاه إنهاء هذا التصعيد أو على الأقل ضبطه.

"عرب 48": هل يمكن أن يؤدي التصعيد في مضيق هرمز إلى مواجهة بين الولايات المتحدة والصين، وكيف تنظر الصين وروسيا إلى هذه الحرب؟

يوسف: لا أعتقد أن الأمور ستتجه نحو مواجهة عسكرية مباشرة بين الولايات المتحدة والصين في مضيق هرمز. الدليل على ذلك أن حركة الملاحة، بما فيها ناقلات النفط المرتبطة بالصين، لا تزال مستمرة. الولايات المتحدة تدرك أن فتح جبهة مع الصين في هذا التوقيت ليس في مصلحتها، لذلك فإن الهدف الأميركي هو استخدام مضيق هرمز كأداة ضغط غير مباشر على الصين، باعتبارها أحد أكبر المستوردين للنفط الإيراني إلى جانب الهند. هناك محاولة لدفع هذه الدول، إضافة إلى اليابان وكوريا الجنوبية ودول جنوب شرق آسيا، لممارسة ضغوط على إيران من أجل التوصل إلى تسوية، خاصة أن استقرار هذا المضيق مسألة حيوية للاقتصاد العالمي.

تتبنى الصين موقفًا واضحًا برفض الحرب، وتدعو إلى الحلول السياسية والتفاوضية، نظرًا لاعتمادها الكبير على مصادر الطاقة القادمة من هذه المنطقة. كما أنها تتبع نهجًا يقوم على الصبر الإستراتيجي وتفضّل استنفاد كل البدائل قبل الدخول في أي مواجهة.

أما بالنسبة لروسيا، فهي حليف إستراتيجي لإيران، لكنها في الوقت ذاته استفادت من هذه المواجهة؛ إذ انعكس ارتفاع أسعار النفط والغاز إيجابًا على الاقتصاد الروسي، كما أن بعض الدول خففت القيود على استيراد الطاقة الروسية. إضافة إلى ذلك، قد تحاول موسكو استخدام هذا الملف كورقة تفاوض مع واشنطن، خاصة فيما يتعلق بالحرب في أوكرانيا. ومع ذلك، هناك رغبة روسية وصينية في إنهاء هذه المواجهة في أقرب وقت ممكن، مع الحفاظ على علاقاتهما الإستراتيجية مع إيران.

"عرب 48": إلى أي مدى تستطيع إسرائيل وأميركا فصل جبهة لبنان عن إيران؟

يوسف: هناك رغبة أميركية وإسرائيلية واضحة لفصل المسار اللبناني عن المسار الإيراني، بهدف تقليل أوراق الضغط بيد طهران. ويبدو أن هناك استعدادًا لبنانيًا نسبيًا للتعامل مع هذا الطرح، خاصة مع التصريحات الرسمية التي تشير إلى أن بعض الملفات تُعد شأنًا لبنانيًا داخليًا. وما نشهده اليوم هو تطور لافت يتمثل في بدء مفاوضات مباشرة بين مسؤولين لبنانيين وإسرائيليين، وهي خطوة لم تحدث منذ عقود، إذ كانت كل الاتصالات السابقة تتم بشكل غير مباشر عبر وسطاء، سواء أميركيين أو فرنسيين، وهو ما يشكّل تحولًا مهمًا.

ستحاول إسرائيل الدفع نحو نوع من التطبيع الجزئي مع لبنان دون حل شامل لكل الملفات السياسية، مع التركيز على ملف سلاح حزب الله وفرض ضغوط على الدولة اللبنانية في هذا السياق. ويمكن القول إن هناك نجاحًا جزئيًا للمسعى الأميركي والإسرائيلي، لكن من غير المتوقع أن تُحل هذه القضايا بسرعة، بل نحن أمام مسار تفاوضي طويل وممتد.

"عرب 48": مع إعلان جميع الأطراف تحقيق النصر، كيف يمكن تقييم نتائج هذه الحرب حتى الآن؟

يوسف: نحن أمام ما يمكن وصفه بـ"حرب غير منتهية". صحيح أن الولايات المتحدة وإسرائيل تمكنتا من تحقيق بعض الإنجازات، مثل الوصول إلى العمق الإيراني واستهداف قيادات مؤثرة والتأثير في بعض القدرات العسكرية، لكن في المقابل، لم يسقط النظام الإيراني، بل أظهر قدرة على التماسك وإعادة ترتيب صفوفه، بما في ذلك انتقال السلطة بشكل سلس داخل القيادة. كما أن إيران لا تزال تمتلك أوراق قوة مهمة، أبرزها موقعها الجيوسياسي ودورها في مضيق هرمز.

في المقابل، تعتبر إسرائيل أنها حققت إنجازًا من خلال توسيع نطاق عملياتها والوصول إلى الداخل الإيراني لأول مرة بهذا الشكل.

في المحصلة، ما يجري حاليًا هو "حرب روايات"، حيث يسعى كل طرف إلى إقناع جمهوره الداخلي بأنه انتصر. أما على المستوى الفعلي، فلا يمكن الحديث عن حسم نهائي. هذه الحرب لم تنتهِ، وقد تتجدد في الأشهر المقبلة، خاصة إذا فشلت الجهود الأميركية في التوصل إلى اتفاق أو هدنة طويلة الأمد. وفي حال عودة اليمين الإسرائيلي بقوة بعد الانتخابات، قد نشهد تصعيدًا جديدًا مع نهاية العام أو بداية العام المقبل، لكن ذلك سيبقى مرتبطًا بالموقف والدعم الأميركي بالدرجة الأولى.