سعيد زيداني… وريث النكبة الذي ينتظر العودة إلى الدامون

يحمل البروفيسور سعيد زيداني (76 عامًا) سيرة تُجسّد الذاكرة الفلسطينية بوصفه “وريث النكبة”، إذ وُلد في طمرة بعد تهجير عائلته من قرية الدامون عام 1948. ورغم أنه لم يعش في الدامون، بقيت حاضرة في وعيه وهويته كرمز للانتماء والعودة المؤجلة.

سعيد زيداني… وريث النكبة الذي ينتظر العودة إلى الدامون

إحياء الذكرى الـ78 للنكبة في الدامون، الأربعاء (عرب 48)

يحمل البروفيسور سعيد زيداني (76 عامًا) حكاية تمتد على عقود، تختصر سيرة جيل كامل وُلد بعد النكبة، لكنه عاشها بكل تفاصيلها.

لم يكن زيداني شاهدًا مباشرًا على النكبة والتهجير عام 1948، لكنه يعرّف نفسه ببساطة مكثفة: "أنا وريث النكبة". عبارة تختزل ذاكرة موروثة، وتجربة حياة تشكّلت من روايات العائلة، ومن واقع لم يغادره أثر اللجوء يومًا.

كان زيداني، المولود بعد عامين من النكبة في بلدة طمرة في الجليل، يستعد لواحد من أكثر المشاهد التي انتظرها طويلًا: العودة، ولو رمزيًا، إلى قرية الدامون المهجّرة في قضاء عكا، مسقط رأس عائلته التي اقتُلعت منها عام 1948، لتتحول إلى عائلة لاجئة داخل الوطن.

الدامون في الذاكرة: حكاية سعيد زيداني مع النكبة والعودة المؤجلة

على مدار نحو ثلاثة عقود، شكّلت "مسيرة العودة"، التي تنظمها لجنة الدفاع عن حقوق المهجّرين في الداخل الفلسطيني، مساحة سنوية لاستعادة الحكاية وملامسة الحلم.

هذا العام، كان زيداني يترقب المشاركة فيها بوصفها لحظة شخصية وجماعية معًا، مشهدًا يستعيد فيه، مع عشرات آلاف المشاركين، معنى العودة إلى الدامون.

لكن الحلم تعثر؛ فالشروط التعجيزية التي فرضتها الشرطة الإسرائيلية حالت دون تنظيم المسيرة، وأجهضت هذا الموعد المنتظر. هكذا، وجد زيداني نفسه خارج المشهد الذي لطالما تخيّله، مفضّلًا البقاء في منزله بمدينة رام الله، حيث استقر منذ أكثر من ثلاثة عقود.

لكن، بين انتظار طال وعودة مؤجلة، بقيت الدامون، بحسب رواية سعيد زيداني لـ"عرب 48"، حاضرة في ذاكرته، كأنها لم تغب يومًا.

سيرة ذاكرة لا تغيب

يحمل زيداني ذاكرة مثقلة بالمشاعر، ليست له وحده، بل هي جزء من ذاكرة جماعية تعود إلى أهالي قرية الدامون المهجّرة.

لذلك لم يتردد يومًا في أن يختار لنفسه لقب "وريث النكبة"، وكأنه يختصر به سيرة حياة كاملة امتدت عبر محطات من التهجير والتشريد داخل الوطن، وما رافقها من تحديات قاسية ومحاولات مستمرة للتأقلم مع واقع النزوح.

من فعاليات مسيرات العودة إلى القرى المهجرة (أرشيف "عرب 48")

في تلك الذاكرة، تتداخل صور الحياة قبل النكبة وبعدها، لتبقى الدامون، كما يصفها، "كل العالم" بالنسبة لأهلها.

وُلد سعيد بعد عامين من النكبة، في عائلة مكوّنة من تسعة أفراد: والداه، شقيق، وخمس شقيقات، وكان هو الثاني بين إخوته. لكن حكاية العائلة بدأت قبل ذلك، يوم اقتُلعت من الدامون مع بدايات النكبة.

تفرّق أفراد عائلة زيداني كما تفرّق أهل القرية؛ بعضهم احتمى في الجبال والأحراش لأشهر، متمسكًا بأمل العودة القريبة، وآخرون دفعتهم طرق التهجير القاسية نحو لبنان، في رحلة لم تكن لها ملامح واضحة.

من الدامون إلى طمرة… بداية الحكاية

بعد عام واحد فقط، كانت القرية قد تغيّرت بالكامل. شرعت القوات الإسرائيلية في هدم المنازل وطمس المعالم، فيما بدأت العائلات المهجّرة بالتوافد إلى البلدات المجاورة.

استقرت عائلة زيداني في طمرة، لكن الاستقرار كان هشًا؛ إذ أمضت سنواتها الأولى في خيام نصبتها منظمات الإغاثة، بينها الصليب الأحمر، واعتمدت، كغيرها من العائلات النازحة، على بطاقات التموين لتأمين الحد الأدنى من الغذاء. وما زال زيداني يحتفظ ببعض هذه البطاقات حتى اليوم، كشاهد على تلك المرحلة.

"فقدنا كل شيء"، يقولها كخلاصة لتلك السنوات: الأرض، العمل، البيوت، وحتى الإحساس بالأمان. لم يكن الفقدان ماديًا فقط، بل كان اقتلاعًا كاملًا من حياة بأكملها.

ولم تتوقف المعاناة عند هذا الحد؛ فقد لاحقت القوات الإسرائيلية العائلات المهجّرة، ومنها عائلات زيداني وبقاعي وعثمان، وشنت حملات اعتقال واسعة طالت الشبان.

حتى بعد وصول عائلته إلى طمرة وسكنها في بيت من الزينك والصفيح، لم تكن بمنأى عن القمع. فقد اعتُقل والده لأكثر من عام، وكان كل شاب تجاوز السادسة عشرة عرضة للاعتقال، في سياسة هدفت إلى كسر أي محاولة للعودة، وإبقاء القرى المهجّرة خارج متناول أصحابها.

وهكذا، لم تكن طفولة زيداني مجرد سنوات عادية، بل امتدادًا حيًا لفصول النكبة، التي لم تنتهِ عند حدود التهجير، بل استمرت كواقع يومي يعيشه الناس في تفاصيل حياتهم.

بين السجن والذاكرة… طريق مؤجل إلى الدامون

هكذا كان حال مئات العائلات النازحة من القرى والبلدات الفلسطينية المدمّرة؛ حياة تبدأ من الخسارة ولا تنتهي عندها. في قلب هذه الحكاية، وُلد سعيد، بينما كان والده خلف القضبان.

والدته، المنحدرة من عائلة كيّال من قرية البروة المهجّرة، كانت حاملاً به حين اعتُقل والده، ليبصر النور في ظل غياب الأب، وفي واقع لم يعرف الاستقرار.

لم تتشكّل ذاكرته الأولى من مشاهد الطفولة المعتادة، بل من التنقّلات القسرية. كان في الثانية من عمره حين أُفرج عن والده من السجن، لتنتقل العائلة إلى كفر مندا وتقيم هناك لعدة سنوات.

ومع بلوغه سن الدراسة، عادت العائلة إلى طمرة، إلى بيت من الصفيح، حيث بدأ أولى خطواته التعليمية. يتذكر تلك العودة جيدًا، في عام 1956، لكنها كانت عودة ناقصة؛ فإلى الدامون، كما إلى البروة، لم تكن هناك طريق.

كانت القريتان، رغم قربهما الجغرافي، خارج المتناول، محاطتين بقيود الحكم العسكري ومصنّفتين كمناطق مغلقة. ومن بيت الصفيح الذي تقاسمته العائلة مع أقاربها، كانت الدامون على مرمى حجر، لكنها أبعد من أي وقت مضى.

قبل النكبة، كانت الدامون قرية نابضة بالحياة، يسكنها نحو 1300 نسمة، وتمتد أراضيها على ما يقارب 20 ألف دونم، وصولًا إلى سواحل عكا ومشارف حيفا. اعتمد أهلها على الزراعة، مستفيدين من خصوبة الأرض وموقعها الإستراتيجي. اليوم، لم يبق منها سوى ذاكرة ممتدة في وجدان أكثر من 30 ألف نازح.

يقول زيداني: "نحن ورثة النكبة… أنا لست المنكوب المباشر، لكنني ورثت النكبة عن عائلتي".

كبر وهو يرى قريته من بعيد، من نافذة الطريق المؤدي إلى عكا، كأنها صورة معلّقة بين الحضور والغياب.

وعندما بلغ السابعة عشرة، وبعد انتهاء الحكم العسكري، وطئت قدماه أرض الدامون للمرة الأولى. لم يجد ما سمع عنه في الحكايات: لا بيوت ولا معالم، بل ركام متناثر وبقايا شواهد صامتة. وحدهما بئر الماء وعينها ظلتا قائمتين، كأنهما آخر ما تبقّى من ذاكرة المكان.

كانت تلك الزيارة الأولى، لكنها لم تكن عودة.

خيام الأمل… ونكبة الفقد

في الحي الغربي من طمرة، حيث نشأ سعيد زيداني، لم تكن البيوت تُبنى بالحجارة، بل بالخيام وألواح الزينك. هناك تشكّل المشهد الأول لطفولته، في مخيم غير معلن للاجئين، ضم عائلات اقتُلعت من الدامون وميعار والرويس والحدثة، لتبدأ حياة جديدة من العدم.

كانت الخسارة كاملة: بيوت هُدمت، أراضٍ سُلبت، وأعمال اختفت بين ليلة وضحاها. لم يبق للعائلات سوى ما يؤويها؛ خيمة أو غرفة من صفيح، في واقع يفتقر إلى أبسط مقومات الحياة: لا ماء، لا كهرباء، ولا استقرار. ومع ذلك، لم تكن الصورة قاتمة بالكامل.

يستعيد زيداني تلك المرحلة بمفارقة لافتة؛ فوسط ذلك الفقر القاسي، كانت العائلات، ومنها عائلته، تتباهى بما تملك من خيام ومنازل صفيح. لم يكن ذلك إنكارًا للواقع، بل تعبيرًا عن قدرة على التكيّف، وعن أمل ظل حيًا رغم كل شيء. كانت السعادة تُصنع من القليل، وتُبث في تفاصيل الحياة اليومية، كأنها مقاومة صامتة لليأس الذي لم يجد طريقه إلى تلك الخيام.

لكن النكبة لم تتوقف عند حدود الفقد المادي. بعد أكثر من عقد على التهجير، جاءت ضربة أخرى، أكثر قسوة على المستوى الشخصي. رحل والده مبكرًا، لتجد والدته نفسها أرملة في منتصف الثلاثينيات، مسؤولة عن سبعة أطفال. "كانت تلك نكبة عائلية"، يقول، مستحضرًا تلك اللحظة التي فقد فيها السند وهو في الحادية عشرة من عمره.

لم تكن الحياة سهلة بعدها. حملت الأم عبء الأسرة كاملة؛ عملت، وصبرت، وناضلت لتؤمّن لأبنائها حياة ممكنة وسط واقع معقّد. في تلك التجربة، لم تكن النكبة حدثًا بعيدًا في الزمن، بل واقعًا يتجدد في تفاصيل الحياة، من الفقد إلى الصمود.

هكذا، بين خيام الأمل ووجع الرحيل، تشكّلت ذاكرة لا تُنسى.

الدامون… وطن يسكن الذاكرة

لم تغب الدامون يومًا عن ذهن سعيد زيداني. لم تكن مجرد قرية مهجّرة في كتب التاريخ، بل حضور دائم يسكن مخيلته، يرافقه في تفاصيل حياته اليومية، كأنها مكان عاش فيه فعلًا، لا مجرد حكاية سمعها.

يقول زيداني إن صورها ومعالمها لم يرثها من تجربة شخصية، بل من ذاكرة والده وجيل النكبة الأول، ومن قصص متوارثة رسمت ملامح قرية "بحجم وطن".

تقع الدامون إلى الغرب من الشارع الرئيسي المؤدي إلى عكا، وعلى امتداد 15 عامًا، لم يكن يراها سعيد إلا من بعيد، عابرة من نافذة الطريق. كانت قريبة بما يكفي للرؤية، بعيدة بما يكفي للاستحالة. حتى جاء عام 1967، حين انتهت حقبة الحكم العسكري، فكانت تلك اللحظة الأولى التي وطئت فيها قدماه أرضها.

لكن المفارقة لم تغب عن زيداني؛ فلا ذاكرة شخصية له في الدامون، ولا تفاصيل عاشها هناك، ومع ذلك يشعر بانتماء كامل إليها. يفسّر ذلك بأن الانتماء لم يُبنَ على التجربة المباشرة، بل على "السردية" التي تشكّلت عبر الأجيال: روايات الأب والأم، الجد والجدة، الأعمام والعمات، والخالات والأخوال. جميعهم نقلوا تفاصيل الحياة قبل النكبة عن الأرض والزراعة والعادات والعلاقات الاجتماعية، حتى أصبحت هذه الرواية الجماعية جزءًا من وعيه وهويته.

يقول: "لم أعش في القرية، لكن عندما يسألني أحد: من أين أنت؟ أجيب فورًا: من الدامون". يقولها بثقة، كأن الجغرافيا لم تُمحَ، بل انتقلت إلى الداخل. فبالنسبة له ولجيله، كان النزوح داخل الوطن حالة مؤقتة، والعودة مسألة وقت، لذلك ظلت الدامون حاضرة في القلب، لا تغيب.

إلغاء مسيرة العودة هذا العام أعاد طرح أسئلة ثقيلة. فالشروط التي فرضتها السلطات الإسرائيلية حالت دون تنظيمها، لكن الأعمق من ذلك، كما يرى زيداني، هو تغيّر السياق كله. في ظل الحرب على غزة، وما يصفه بحرب إبادة، تبدو فكرة العودة، ولو الرمزية، مؤجلة أمام واقع أكثر إلحاحًا.

"عن أي عودة نتحدث اليوم؟" يتساءل.

ربما، كما يقول، باتت الأولويات بحاجة إلى إعادة ترتيب في زمن تتجدد فيه النكبة بأشكال مختلفة.

ومع ذلك، تبقى الدامون… حاضرة، كذاكرة لا تنكسر.

بين المدن… والدامون التي لا تغيب

تنقّل زيداني بين مدن عدة، كأن حياته خريطة مفتوحة على محطات متباعدة، لكنها متصلة بخيط واحد لا ينقطع. من طمرة، حيث وُلد وترعرع وقضى طفولته وبدايات شبابه، إلى حيفا التي احتضنت سنوات دراسته الثانوية والجامعية، حيث درس اللغة الإنجليزية والفلسفة، وصولًا إلى الولايات المتحدة، حيث نال الدكتوراه من جامعة ويسكونسن -ماديسون. ثم عاد عام 1982 إلى رام الله، ليستقر فيها ويعمل محاضرًا في جامعة بيرزيت، متنقّلًا بين القدس ورام الله، في حياة توزعت جغرافيًا لكنها بقيت متماسكة وجدانياً.

ورغم هذا الامتداد، ظل شعور واحد ثابت: الحنين إلى الدامون، القرية التي لم يعش فيها يومًا، لكنها لم تغادره.

عدد من مهجّري الدامون يحيّون الذكرى الـ78 للنكبة في القرية، الأربعاء (عرب 48)

يقول إن قلبه بقي في طمرة، حيث تشكّلت ذاكرته الأولى، لكن وعيه تشكّل على حقيقة أخرى: أنه "وريث النكبة"، لا لاجئًا بالمعنى المباشر.

فالنكبة، بالنسبة له، لم تكن مجرد حكاية تُروى، بل تجربة عايشها بشكل آخر. فقد عاش، وهو طفل، فصول النزوح القاسية: سنوات في الخيام، وأخرى في بيوت من الزينك والصفيح، بلا ماء ولا كهرباء، بلا طرق معبّدة، وبلا مصدر رزق ثابت. كانت حياة على الهامش، لكنها حفرت تفاصيلها عميقًا في ذاكرته.

تلك التجربة، كما يقول، ليست ماضيًا منتهيًا، بل فصل من فصول النكبة المستمرة التي تتبدل أشكالها عبر الزمن. واليوم، يرى أن هذه النكبة تتجلى بصورة أشد قسوة فيما يجري في غزة والضفة.

وهكذا، تبدو حياة زيداني، بكل تنقلاتها، رحلة بين أمكنة عديدة… لكن بذاكرة واحدة تعود دائمًا إلى الدامون.

بين الغربة والعودة… حياة تُكتب على أكثر من أرض

قبل سفره إلى الولايات المتحدة بأشهر قليلة، خطب سعيد زيداني لمدة عام، ثم عاد إلى البلاد ليتزوج من رجاء الحاج. اصطحب زوجته معه، وبدأ مرحلة جديدة من حياته في الغربة، بينما واصل دراسة الدكتوراه في الفلسفة، في مسار أكاديمي امتد بين القارات، لكنه ظل مشدودًا إلى جذور واحدة.

عام 1982، عاد من الولايات المتحدة إلى رام الله وهو في الثانية والثلاثين من عمره، في ما يسميه "مرحلة الشباب الثانية". ومع عودته، تعاقد مع جامعة بيرزيت محاضرًا. كانت لحظة فرح بالنسبة له أعمق من مجرد فرصة عمل؛ إذ شعر أنه عاد إلى المكان الذي ينتمي إليه حقًا، حيث يدرّس أبناء شعبه، وباللغة التي يحملها في وجدانه، ويعيش وسط مجتمعه رغم كل ظروف الاحتلال.

من قرية ياقوق المهجّرة في قضاء طبرية، الأربعاء

في تلك السنوات، تشكّلت عائلته على مسافة من المكان: ابنته الكبرى ملك وُلدت في أميركا، فيما وُلدت ابنته الثانية ميساء في الوطن. كانت الحياة تتوزع بين عالمين، لكن الرابط بينهما بقي واحدًا.

غير أن الحياة، كما يقول، لم تخلُ من محطات الفقد. فقد رحلت زوجته رجاء في سن مبكرة، في بداية الخمسينيات من عمرها، تاركة فراغًا عميقًا في حياته. "رحيلها كان نكبة شخصية"، يصفها، كأنها انقطاع مفاجئ في مسار كان ممتلئًا بالشراكة والحياة اليومية. فجأة، وجد نفسه يعيش وحيدًا، بلا رفيق درب، في لحظة قلبت موازين حياته.

ومع ذلك، لم ينكفئ على الألم، بل حاول أن يواصل النظر إلى الحياة بعين التفاؤل، مؤمنًا بأن تجاوز النكبات، سواء كانت عائلية أو وطنية، جزء من الاستمرار ذاته.