مخول: تحالف بينيت - لبيد تكتيكي لا يملك مشروعا سياسيا واضحا

في ظل التحالف السياسي الجديد بين بينيت ولبيد، اعتبر الباحث في مركز "تقدّم" للسياسات، أمير مخول، أن هذا التقارب لا يعكس مشروعًا سياسيًا متكاملًا بقدر ما يمثل خطوة تكتيكية لإعادة هندسة المعارضة داخل المعسكر الصهيوني.

مخول: تحالف بينيت - لبيد تكتيكي لا يملك مشروعا سياسيا واضحا

لبيد وبينيت في المؤتمر الصحفي، أمس (مصدر الصورة: صفحة بينيت بالفيسبوك)

في خطوة قد تعيد تشكيل ملامح المشهد السياسي في إسرائيل، وقد تحمل تداعيات حاسمة على الانتخابات البرلمانية المقبلة، أعلن رئيس الحكومة الأسبق نفتالي بينيت، ورئيس المعارضة وزعيم حزب "ييش عتيد" يائير لبيد، توحيد جهودهما ضمن إطار حزبي واحد لخوض الانتخابات المقبلة بشكل مشترك.

وتأتي هذه التطورات في وقت تسوده حالة من الضبابية في الساحة السياسية العربية، في ظل تأخر غير مبرر في حسم موقف الأحزاب العربية بشأن إعادة تشكيل القائمة المشتركة، بالتوازي مع تحركات داخل معسكر اليمين لبحث إمكانية إنشاء إطار سياسي جديد ينافس حزب الليكود.

في موازاة ذلك، انتقل ثقل النقاش العام في إسرائيل خلال الساعات الماضية من الحرب على إيران ولبنان والمسارات التفاوضية، إلى تطورات المشهد السياسي الداخلي، مع اقتراب موعد الانتخابات المقررة في السابع والعشرين من تشرين الأول/ أكتوبر المقبل، وسط تقديرات بإمكانية تأجيلها، في حال سعى بنيامين نتنياهو إلى توظيف المعطيات الأمنية والسياسية بما يخدم إطالة عمر حكومته.

أمير مخول

وفي هذا الصدد، حاور "عرب 48" الباحث في مركز تقدّم للسياسات، أمير مخول، عن المناورات الحاصلة داخل المشهد السياسي الإسرائيلي وتداعياتها على الفترة المقبلة.

"عرب 48": كيف تقرأ المشهد السياسي الإسرائيلي في ظل التحالف الجديد بين نفتالي بينيت ويائير لبيد، ولأي مدى يمكن أن يكون هذا التحالف نداً منافساً لنتنياهو وحزب الليكود في الانتخابات المقبلة؟

مخول: في التقدير العام، هذا التحالف لا يعكس بالضرورة مشروعًا سياسيًا متكاملًا بقدر ما يعكس محاولة لإعادة هندسة المعارضة داخل المعسكر الصهيوني. نفتالي بينيت يمثل يمينًا إيديولوجيًا واضحًا، بل يمكن القول إنه في بعض جوانبه أكثر يمينية من نتنياهو، وقد عبّر عن ذلك بشكل صريح حين أكد رفضه تقديم أي تنازل سياسي أو جغرافي. في المقابل، يائير لبيد يمثل التيار الوسطي، لكنه لا يشكل الواجهة القيادية الفعلية لهذا التحالف، ما يشير إلى أن ترتيب الأدوار داخله يخدم هدفًا تكتيكيًا أكثر منه إستراتيجيًا.

الهدف المركزي، برأيي، هو استقطاب شخصيات وقوى من داخل معسكر اليمين، مثل غادي آيزنكوت، الذي بدأ يظهر كمنافس على نفس القاعدة الانتخابية، ليس فقط في الوسط بل أيضًا داخل اليمين. لكن رغم ذلك، تفتقر هذه المعارضة إلى مشروع سياسي واضح في القضايا الجوهرية، وعلى رأسها القضية الفلسطينية، وإنهاء الاحتلال، ومعالجة العنصرية البنيوية، أو حتى طرح حلول سياسية إقليمية. لذلك، فهي تلجأ إلى توحيد صفوفها وخلق انطباع بأنها قادرة على اقتطاع جزء من جمهور الليكود، وهو أمر قد يكون ممكنًا فعليًا في ظل تراجع مكانة نتنياهو، خاصة بعد التطورات الأخيرة إقليميًا ودوليًا.

"عرب 48": في ضوء هذه التطورات، هل تعتقد أن هذا التحالف قادر على إحداث تغيير فعلي في شكل الحكومة أو مضمونها السياسي؟

مخول: هناك احتمال لتغيير في شكل الحكومة، لكن ليس بالضرورة في مضمونها السياسي. الأزمة التي يمر بها نتنياهو متعددة الأبعاد؛ فهي تتعلق بأدائه السياسي بعد وقف إطلاق النار في لبنان بضغط أميركي، إضافة إلى وضعه الصحي، الذي يوحي بأنه يمر بمرحلة تراجع سياسي. هذا قد يؤدي إلى إعادة اصطفاف داخل المعارضة الصهيونية، وكذلك داخل معسكر اليمين نفسه، بما في ذلك الليكود، ما قد يضعف موقع نتنياهو داخليًا.

لكن في المقابل، يجب التعامل بحذر مع الحديث عن الانتخابات، إذ لا يوجد ضمان فعلي لإجرائها. من الممكن أن يلجأ نتنياهو وائتلافه إلى تأجيلها بذريعة الوضع الأمني، ومحاولة تمديد عمر الحكومة الحالية لفترة غير محددة. هذا السيناريو قائم، خاصة في ظل غياب أغلبية حاسمة داخل الكنيست، وكذلك في ظل واقع سياسي يُظهر أن اليمين، رغم حضوره القوي، قد لا يمثل أغلبية فعلية مستقرة.

"عرب 48": لأي مدى تعتقد أن التطورات الحالية قد تؤول إلى تكرار تجربة الاستعانة بالأحزاب العربية لتشكيل حكومة، وما تأثير الأحداث خلال السنوات الأخيرة ما بين الانتخابات والحروب على هذه الإمكانية؟

مخول: من حيث المبدأ، السياسة الإسرائيلية لا تقوم على ثوابت مبدئية، بل على حسابات براغماتية، ما يبقي هذا السيناريو ممكنًا نظريًا. فكل من بينيت ولبيد أثبتا سابقًا أنهما لا يلتزمان بمواقف ثابتة في هذا السياق، بل قد يلجآن إلى أي خيار إذا اقتضت الحاجة السياسية ذلك.

ورغم التصريحات العلنية الرافضة للاعتماد على الأحزاب العربية، إلا أن هذه المواقف قد تتغير في حال الضرورة؛ ففي انتخابات 2022، تم تحميل العرب مسؤولية استمرار حكومة نتنياهو، في حين لم تُوجَّه الاتهامات ذاتها لأحزاب صهيونية أخرى مثل ميرتس والعمل. واليوم، هناك حملة منظمة لمنع تشكيل قائمة عربية مشتركة، بحجة أنها قد تعيق حصول المعارضة على 61 مقعدًا، رغم أن هذه المعارضة نفسها لا تبدي استعدادًا فعليًا للشراكة مع العرب.

هذا النهج يعيدنا إلى مقاربة تاريخية تعاملت مع العرب كاحتياطي سياسي يُستخدم لضمان البقاء في السلطة، وليس كشريك في تغيير السياسات أو إنهاء الاحتلال أو مواجهة العنصرية.

"عرب 48": كيف تقيّم تداعيات مشاركة الأحزاب العربية في أي ائتلاف حكومي محتمل على المجتمع العربي؟

مخول: المجتمع العربي يعيش حالة مركّبة من التحديات، أبرزها تفشي الجريمة، وتصاعد السياسات العنصرية، وتداعيات الحرب، إضافة إلى سياسات الهدم والتهجير، خاصة في النقب. وهناك رغبة واضحة لدى قطاعات واسعة من الجمهور العربي في إسقاط هذه الحكومة، خاصة في ظل تحالف نتنياهو مع شخصيات مثل إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش، وما يحمله ذلك من تصعيد في السياسات اليمينية المتطرفة.

لكن بالمقابل، لا يوجد إجماع على دعم حكومة بديلة، خاصة إذا لم تقدّم التزامات واضحة تجاه القضايا الجوهرية. القائمة الموحدة تتبنى خيار التأثير من داخل الحكومة، بينما ترفض الجبهة والتجمع والعربية للتغيير هذا النهج لأسباب سياسية وأخلاقية تتعلق بالقضية الفلسطينية. بالتالي، قد يكون التركيز الأساسي للأحزاب العربية على إسقاط الحكومة الحالية، أكثر من الانخراط في تشكيل بديل لا يختلف عنها جوهريًا.

"عرب 48": في ظل التطورات السياسية والائتلافات الحاصلة، كيف تنظر إلى عدم حسم الأحزاب العربية ملف القائمة المشتركة حتى الآن؟

مخول: هذا التأخير مقلق، لأن المرحلة الحالية تتطلب مستوى أعلى من المسؤولية السياسية. ما نراه هو أن التحولات الكبرى التي شهدتها الساحة منذ 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023 لم تنعكس بشكل كافٍ على الممارسة السياسية، التي لا تزال محكومة بحسابات تقليدية. القائمة المشتركة ليست مجرد تحالف انتخابي، بل يمكن أن تشكّل أداة حماية سياسية ووجودية للمجتمع العربي. نحن بحاجة إلى إطار سياسي قوي لا يمكن تجاوزه، يعزز من قدرة المجتمع على التأثير في تركيبة الكنيست، سواء في الائتلاف أو المعارضة.

وجود تمثيل يتراوح بين 12 و17 عضو كنيست يمنح وزنًا سياسيًا حقيقيًا، مقارنة بالوضع الحالي الذي يفتقر إلى هذا التأثير. لذلك، فإن الوحدة السياسية ليست خيارًا ثانويًا، بل ضرورة إستراتيجية في مواجهة محاولات نزع الشرعية عن الجماهير العربية.

"عرب 48": إلى أي مدى ترى احتمال تأجيل الانتخابات في ظل التطورات السياسية والقضائية والأمنية المحيطة بنتنياهو؟

مخول: هذا الاحتمال ليس مستبعدًا، بل تدعمه عدة مؤشرات، من بينها محاكمة نتنياهو، والخشية من تشكيل لجنة تحقيق رسمية في أحداث 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023، إضافة إلى التغيرات في الموقف داخل الولايات المتحدة. هناك تحولات حتى في أوساط داعميه التقليديين، مثل مريم أديلسون، التي دعمت سابقًا نتنياهو لكنها تميل اليوم إلى دعم بينيت وتحالفه. كما أن العلاقة مع الإدارة الأميركية لم تعد تشكل رصيدًا سياسيًا كما في السابق.

إلى جانب ذلك، فإن وقف إطلاق النار في لبنان بضغط أميركي أحدث تصدعات داخل معسكر اليمين، خاصة في قاعدته الانتخابية في الشمال. كل هذه المعطيات تشير إلى أن نتنياهو في مأزق سياسي حقيقي، وقد يلجأ إلى تأجيل الانتخابات كخيار للبقاء في السلطة. في المقابل، قد يؤدي هذا إلى تصعيد داخلي واحتجاجات من المعارضة، لكن حسم هذا المسار سيبقى مرتبطًا بمدى قدرتها على تحويل هذا الرفض إلى ضغط شعبي واسع وفعّال.