560 اعتقالًا إداريًا منذ 2020: تصاعد غير مسبوق في استخدام "المواد السرية" ضد الشباب العرب

يشهد الاعتقال الإداري تصاعدًا ملحوظًا في أراضي الـ48، ما يثير تساؤلات حول معايير تطبيقه وغياب الشفافية في إدارته. وتتهم جهات حقوقية الأجهزة الأمنية والقضاء بالاعتماد على "مواد سرية" في الاعتقال، وسط جدل حول ازدواجية تطبيق القانون.

560 اعتقالًا إداريًا منذ 2020: تصاعد غير مسبوق في استخدام

الشرطة لا تكتفي بالاعتقالات التعسفية وتعتمد على "مواد سرية" (Getty Images)

تشهد سياسة الاعتقال الإداري بحق الفلسطينيين في أراضي الـ48 تصاعدًا لافتًا منذ عام 2020، وسط تحذيرات قانونية وحقوقية من تحولها من "إجراء استثنائي" إلى أداة شبه دائمة للاحتجاز دون لوائح اتهام.

غير أن نقطة التحول الأبرز، بحسب معطيات جمعها "عرب 48"، بدأت بعد الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة عقب عملية "طوفان الأقصى" في 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023، حيث سجلت الأجهزة القضائية والأمنية ارتفاعًا حادًا في عدد أوامر الاعتقال الإداري بحق شباب من المجتمع العربي داخل إسرائيل.

تكشف البيانات أن المحاكم الإسرائيلية تداولت نحو 560 ملف اعتقال إداري بين عامي 2020 و2025، شكلت الغالبية العظمى منها بعد اندلاع الحرب على غزة، دون توجيه تهم جنائية أو شبهات أمنية محددة في كثير من الحالات.

وخلال عام 2026، سُجل اعتقال أكثر من 35 شابًا عربيًا إداريًا من مختلف البلدات، في استمرار للمنحى التصاعدي الذي يميز السنوات الأخيرة.

وتُظهر الإحصاءات أن المحكمة المركزية في حيفا تتصدر قائمة المحاكم من حيث عدد الملفات الإدارية التي فُتحت منذ 2020، مع ارتفاع ملحوظ في وتيرة هذه الملفات بعد الحرب الأخيرة على غزة.

مئات المعتقلين دون لوائح اتهام

تشير المعطيات إلى أن عام 2024 شكّل ذروة في استخدام الاعتقال الإداري داخل المجتمع العربي، إذ تجاوز عدد المعتقلين الإداريين 130 شخصًا في السجون الإسرائيلية، بينهم من أُفرج عنه لاحقًا، فيما لا يزال آخرون رهن الاعتقال مع تمديد أوامرهم بشكل متكرر.

وفي عام 2025، اعتُقل نحو 100 شاب عربي إداريًا، ليواصل هذا الرقم التصاعد خلال العام الجاري 2026، حيث لا يزال أكثر من 35 معتقلًا قيد الاحتجاز الإداري.

300 قضية بعد الحرب… وتصدر لمحكمة حيفا

وتكشف البيانات أيضًا أنه منذ اندلاع الحرب على غزة في تشرين الأول/ أكتوبر 2023 وحتى 21 أيار/ مايو 2025، جرى تداول نحو 300 قضية اعتقال إداري في المحاكم المركزية الإسرائيلية.

وتتصدر محكمة حيفا هذه القضايا بـ71 ملفًا، معظمها فُتح بعد الحرب، تليها المحكمة المركزية في منطقة المركز بـ56 ملفًا، ثم محكمة الناصرة بـ33 ملفًا، فيما سجلت محكمة بئر السبع 24 ملفًا، بينها 20 ملفًا فُتحت بعد الحرب على غزة.

"مواد سرية" وجلسات محاكم مغلقة

تعتمد سياسة الاعتقال الإداري على ما يُعرف بـ"المواد السرية"، التي تُمنع من العرض على المعتقل أو محاميه، وتُناقش داخل جلسات محكمة مغلقة، ما يحدّ بشكل كبير من قدرة الدفاع على تفنيد الادعاءات.

وتصل مدة الاعتقال الإداري إلى ستة أشهر قابلة للتجديد بشكل غير محدود، ما يجعل الاحتجاز مفتوحًا فعليًا دون سقف زمني واضح، ويمنع المعتقلين من معرفة التهم الموجهة إليهم أو مواجهتها بشكل مباشر أمام القضاء.

ويحذّر حقوقيون من أن هذا الإجراء يحوّل الاستثناء القانوني إلى أداة احتجاز واسعة النطاق، تُستخدم خارج سياقها الأصلي، بما يثير تساؤلات جدية حول معايير العدالة وحق الدفاع في أروقة المحاكم.

خمايسي: الشاباك يسيطر على المشهد والقضاء يفتقر إلى الشفافية

يقول مدير عام مؤسسة "ميزان لحقوق الإنسان"، المحامي عمر خمايسي لـ"عرب 48" إن "الهاجس الأمني وحالة الحرب باتا يهيمنان على المشهد العام، بما في ذلك البعدان القانوني والقضائي"، مشيرًا بشكل خاص إلى دور جهاز الأمن العام (الشاباك) في التعامل مع ملفات الشبان العرب.

ويوضح خمايسي أن "أعداد الاعتقالات الإدارية التعسفية غير المعهودة وصلت إلى مستويات غير مسبوقة لم يشهدها المجتمع من قبل"، مضيفًا أن هذا النوع من الإجراءات "لا يتيح أي شفافية في المسار القضائي"، كونه يعتمد على ما يُعرف بـ"المواد السرية"، إضافة إلى عقد جلسات محاكم مغلقة، ما يجعل من حق الدفاع مهمة بالغة الصعوبة، مقارنة بملفات جنائية أخرى.

عمر خمايسي

ويضيف أن "أوامر الاعتقال الإداري تُصدر مباشرة عن وزير الأمن يسرائيل كاتس، بصفته الجهة المخولة قانونيًا بإصدار أوامر اعتقال لمدة ستة أشهر قابلة للتجديد دون سقف زمني محدد".

ويشير إلى أنه عند مقارنة الوضع بما قبل الحرب على غزة في تشرين الأول 2023، يتبين أن الاعتقال الإداري كان محدودًا نسبيًا، إلا أنه شهد، بحسب تعبيره، "تصاعدًا حادًا وصل إلى مستويات غير مسبوقة" بعد الحرب، ليشمل مناطق المثلث والشمال والجليل والنقب.

ويخلص خمايسي إلى أن هذا التحول في استخدام الاعتقال الإداري يعكس، وفق تقديره، اتساع نطاق الأدوات الأمنية على حساب المسارات القضائية التقليدية، في ظل غياب إمكانية فحص الأدلة أو مناقشتها بشكل علني أمام المحكمة.

ازدواجية تطبيق الاعتقال الإداري

تتسع الاتهامات بوجود تمييز بنيوي في إنفاذ القانون بين المواطنين اليهود والعرب، في ظل ما يصفه حقوقيون ومحامون بأنه استخدام انتقائي للاعتقال الإداري، يطال الفلسطينيين في الداخل بشكل شبه حصري، مقابل غياب تطبيق مماثل على مواطنين يهود متهمين بارتكاب اعتداءات بحق فلسطينيين.

وفي هذا السياق، أشار خمايسي إلى أن هذا التمييز يتجلى بوضوح في طريقة تطبيق أو عدم تطبيق أوامر الاعتقال الإداري، مؤكدًا أن قرارات سياسية وأمنية ساهمت في تكريس هذا الواقع.

وبحسب خمايسي، فإن وزير الأمن الإسرائيلي يسرائيل كاتس أصدر في 17 كانون الثاني/ يناير 2025 قرارًا يقضي بإلغاء الاعتقال الإداري بحق مواطنين يهود متورطين في اعتداءات ضد فلسطينيين. ويضيف أن هذا القرار جاء في ظل تصاعد اعتداءات وُصفت بـ"اليومية" من قبل مستوطنين في الضفة الغربية، شملت حرق ممتلكات وسيارات والاعتداء على عائلات فلسطينية، دون أن ينعكس ذلك على سياسة الاعتقال الإداري تجاههم.

ويقول خمايسي إن "السلطات لا تُفعّل أدوات الاعتقال الإداري ضد اليهود، بينما يتم توسيع استخدامها ضد الفلسطينيين"، معتبرًا أن ذلك "يعكس خللًا جوهريًا في المساواة أمام القانون".

المحاكم بين التماهي مع الأجهزة الأمنية وتمديد الاعتقال

وفي ما يتعلق بدور القضاء، يوضح مدير "ميزان لحقوق الإنسان" أن المحاكم الإسرائيلية غالبًا ما تتماهى مع توصيات الأجهزة الأمنية، وتوافق على تمديد أوامر الاعتقال الإداري لفترات متكررة.

ويشير إلى أن هناك حالات لمعتقلين أمضوا نحو عامين أو أكثر دون توجيه لوائح اتهام، في ظل استمرار تجديد أوامر الاعتقال، مضيفًا أن "الملفات التي تفتقر إلى أدلة كافية غالبًا ما تُحسم لصالح الاعتقال الإداري بدل الإفراج".

شبهات متكررة و"ملفات أمنية" قائمة على المراقبة الرقمية

وتُظهر المعطيات، بحسب خمايسي، أن الادعاءات في ملفات الاعتقال الإداري تتكرر في قوالب شبه ثابتة، أبرزها: "العضوية في منظمة محظورة"، و"التواصل مع عميل أجنبي"، و"التخطيط لتنفيذ عمل يمس بأمن الدولة".

ويلفت إلى أن هذه الشبهات تُبنى في كثير من الأحيان على مراقبة نشاط الشبان عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وهو ما يؤدي، بحسب تعبيره، إلى "تضخم شبهات أمنية في ظل نقص الأدلة المباشرة"، وينتهي بفرض الاعتقال الإداري.

تحذيرات من الفضاء الرقمي والذكاء الاصطناعي

وفي ظل هذا السياق، يحذّر خمايسي من أخطار الاستخدام غير المنضبط للفضاء الرقمي، داعيًا إلى توخي الحذر في التعامل مع مواقع التواصل الاجتماعي وتجنب أي تواصل قد يُفسَّر أمنيًا.

كما يشير إلى ضرورة التعامل بحذر مع أدوات الذكاء الاصطناعي، معتبرًا أن "بعض الاستخدامات قد تُستغل لإثارة شبهات أو وضع علامات استفهام حول المستخدمين"، في ظل ما وصفه بـ"تقلص هامش الحريات خلال فترات الحرب".

أبو صالح: الاعتقال الإداري تحوّل من إجراء استثنائي إلى أداة دائمة

من جهتها، ترى المحامية هديل أبو صالح من مركز "عدالة" الحقوقي أن ما بعد الحرب على غزة في تشرين الأول 2023 مثّل نقطة تحول جوهرية في طبيعة استخدام الاعتقال الإداري.

وتقول أبو صالح لـ"عرب 48" إن "ما نشهده ليس مجرد ارتفاع في الأعداد، بل تحول في وظيفة الاعتقال الإداري نفسه"، موضحة أنه تحوّل من إجراء استثنائي إلى أداة مركزية تُستخدم بشكل واسع، عبر أوامر اعتقال جماعية وتجديدات متكررة دون لوائح اتهام أو سقف زمني واضح.

وتضيف أن هذا النمط "حوّل الاعتقال الإداري إلى احتجاز مفتوح قائم على الشبهة الدائمة بدل الإثبات"، مشيرة إلى حالات سابقة، بينها قضايا رجا إغبارية وتامر خليفة، حيث صدرت أوامر اعتقال إداري بعد تحقيقات شرطية لم تُفضِ إلى لوائح اتهام.

هديل أبو صالح

القضاء ودور "المواد السرية"

وفي ما يتعلق بدور المحاكم، تشير أبو صالح إلى أن المؤسسة القضائية، بما فيها المحكمة العليا، لا تؤدي دور الرقابة الفعلية، بل تندرج ضمن البنية التي تتيح استمرار هذه السياسة.

وتوضح المحامية من "عدالة" أن الاعتماد شبه الكامل على "مواد سرية" لا يُسمح للمعتقل أو لمحاميه الاطلاع عليها "يفرغ الحق في الدفاع من مضمونه"، ويحوّل الإجراءات القضائية إلى مسار شكلي، إذ يُطلب من المعتقل الرد على ادعاءات غير معلنة، بينما تُعتمد رواية الأجهزة الأمنية دون فحص فعلي.

وتخلص أبو صالح إلى أن النتيجة ليست توازنًا بين الأمن وحقوق الإنسان، بل "ترجيح واضح لصالح السلطة التنفيذية مع غطاء قضائي".

ازدواجية المعايير

وتشدد أبو صالح على أن الاعتقال الإداري لا يمكن فصله عن "ازدواجية المعايير البنيوية" في تطبيق القانون، إذ يُستخدم بشكل شبه حصري ضد الفلسطينيين، في حين لا يُطبّق بنفس الآلية على اليهود، حتى في قضايا ذات طابع أمني.

وتقول إن هذا التفاوت لا يعكس اختلافًا في الحالات فقط، بل يكشف عن "منظومة قانونية تنتج تمييزًا قائمًا على الهوية القومية".

مخاوف حقوقية من انتهاك المحاكمة العادلة

وترى أبو صالح أن تبرير "الخطر الأمني" يُترجم قانونيًا بطرق مختلفة، ما ينتج نظام إنفاذ غير متساوٍ في جوهره.

وتشير إلى أن المحكمة العليا رفضت في إحدى القضايا التي رفعها مركز "عدالة" قبول هذا الادعاء، رغم تصريحات علنية صادرة عن مسؤولين سياسيين حول الطابع التمييزي لبعض السياسات.

وتعتبر أن هذا الموقف القضائي يعكس، بحسب تعبيرها، "تجنبًا لمواجهة سياسات تمييزية واضحة بدل ضبطها".

وتلفت إلى أن سياسة الاعتقال الإداري، رغم كونها جزءًا من القانون الداخلي، تتعارض مع مبادئ القانون الدولي، لا سيما حظر الاحتجاز التعسفي وضمان الحق في محاكمة عادلة، خصوصًا في ظل الاعتماد على أدلة سرية وغياب الشفافية.

وترى أن هذا النمط لم يعد مجرد حالات فردية، بل "مؤشر على ممارسة ممنهجة قابلة للتوثيق في المحافل الدولية".

"إعادة تعريف للقاعدة القانونية"

وتختم أبو صالح بالقول إن ما يجري لا يمكن اعتباره انحرافًا عن النظام القانوني، بل "إعادة تعريف له"، حيث تتحول الإجراءات الاستثنائية إلى ممارسة يومية، وتصبح الرقابة القضائية شكلية، ويُطبق القانون بمعايير مختلفة على فئات مختلفة.

وتضيف أن الإشكالية لم تعد في كيفية استخدام الاعتقال الإداري، بل في كونه أصبح جزءًا من بنية دائمة تُدار وفق هذا النمط بشكل منهجي.