الفريكة في سهل البطوف: حكاية أرضٍ تقاوم الزمن ونكهةٍ تُولد من النار

مع انبلاج الفجر في سهل البطوف، يبدأ موسم الفريكة حيث تتلاقى حكاية الأرض مع تعب المزارعين في مشهد تراثي متجدد. ورغم قسوة العمل وتراجع المهنة، ما زالت هذه الأكلة الشعبية تحافظ على مكانتها كنَفَسٍ حيّ من ذاكرة الجليل وبلاد الشام.

الفريكة في سهل البطوف: حكاية أرضٍ تقاوم الزمن ونكهةٍ تُولد من النار

عائلة من عرابة تجهّز الفريكة في سهل البطوف (عرب 48)

بين سنابل القمح الخضراء الممتدة في سهل البطوف، تتجدد كل عام حكاية الفريكة، تلك الأكلة الشعبية التي ارتبطت بذاكرة سهول فلسطين والجليل وموائد بلاد الشام منذ عشرات السنين.

وينطلق المزارعون مع ساعات الفجر الأولى إلى الحقول لحصاد السنابل الطرية قبل أن يتحول لونها إلى الأصفر، في مشهد تراثي ما زال يقاوم تغيّر الزمن ويحافظ على تفاصيله القديمة، من قصّ السنابل بالمنجل وحتى حرقها على الحطب لمنحها نكهتها المدخنة المميزة.

وعلى الرغم من قسوة العمل وارتفاع درجات الحرارة وتراجع أعداد العاملين في هذه المهنة، يتمسك مزارعو البطوف بإنتاج الفريكة باعتبارها أكثر من مجرد محصول زراعي؛ فهي إرث متوارث عن الآباء والأجداد، وعلاقة عميقة بالأرض التي شكّلت مصدر رزق وهوية لأهالي المنطقة.

ويقول المزارع أحمد عاصلة، في حديثه لـ"عرب 48"، إن "موسم الفريكة يبدأ من منتصف شهر نيسان حتى الأسبوع الأول من شهر أيار، إذ ترتبط جودة الفريكة ببقاء سنابل القمح خضراء وطريّة، لأن ذلك يمنحها مذاقها المميز وجودتها العالية، بالإضافة إلى عملية قصّ السنابل التي تتم بالطريقة التقليدية باستخدام المنجل، حيث تُجمع السنابل باليد ثم تُقص بعناية، وهي طريقة ما زال المزارعون يحافظون عليها حتى اليوم".

المزارع أحمد عاصلة

ويشير عاصلة إلى أن "مرحلة حرق الفريكة تُعد من أهم مراحل إعدادها، إذ يتم الحرق حصراً على الحطب للحفاظ على النكهة الأصلية والرائحة المدخنة المميزة، إلا أن النار والظروف الجوية تؤثران بشكل مباشر على العمل؛ فارتفاع درجات الحرارة يصعّب الحركة والعمل في الحقول، فيما يساعد الطقس المعتدل على تسهيل العمل وإنجازه".

ويشرح عاصلة أن "القمح الأخضر هو المناسب لصناعة الفريكة، بينما يتحول القمح الأصفر لاحقاً إلى البرغل. ونشهد مع كل عام تزايداً في عدد مزارعي الفريكة في سهل البطوف المعروف بوفرة خيره ومحاصيله الزراعية. وهذه الزراعة وصناعتها مهنة متوارثة منذ عشرات السنين عن الآباء والأجداد، وما زالت تشكل جزءاً من الهوية الزراعية والتراثية لأهالي المنطقة".

ويصف عاصلة العمل في صناعة الفريكة بأنه "شاق ومتعب، لكنه يحقق مردوداً جيداً بسبب الإقبال الكبير على شرائها، إذ تتراوح الأسعار بحيث يبلغ سعر 3 كيلوغرامات نحو 100 شيكل، ويقصد المزارعين زبائن من مناطق مختلفة لشراء الفريكة مباشرة".

ويقول المربي والمزارع زكريا عاصلة لـ"عرب 48" إن "الفريكة تُعد من الأكلات الشعبية المشهورة في منطقة الجليل وبلاد الشام عموماً، وخلال هذه الفترة يكون المزارعون على دراية بأن حبة القمح قد اكتمل نموها، لكنها تبقى خضراء وطريّة، وهو الوقت المثالي لإعداد الفريكة".

المربي والمزارع زكريا عاصلة

ويتحدث عاصلة عن العلاقة التاريخية بين أهالي عرابة وسهل البطوف، مؤكداً أن هذه المهنة متوارثة منذ مئات السنين، وأن المزارعين اعتادوا في كل عام، مع حلول شهر نيسان، التوجه إلى السهل لحصاد السنابل وتحضير الفريكة.

ويشير عاصلة إلى أن "التطورات الاجتماعية وتوسع مجالات العمل المختلفة أدّيا، مع مرور الوقت، إلى تراجع عدد العاملين في هذه المهنة، حيث اتجه كثير من أبناء البلدة إلى مجالات أخرى، ما تسبب بعزوف نسبي عن العمل في حصاد الفريكة مقارنة بالماضي".

ورغم ذلك، يؤكد عاصلة أن هناك مجموعة من الأهالي ما زالوا متمسكين بهذه المهنة التراثية وبهذه الأكلة الشعبية التي تحظى بإقبال واسع، ليس فقط في المنطقة، وإنما في مختلف أنحاء بلاد الشام.

ويقول المحامي والمزارع توفيق ياسين لـ"عرب 48" إن "سهل البطوف يمتد على مساحة تُقدّر بنحو 65 ألف دونم، ويعاني من قيود تتعلق بالمياه والكهرباء والبناء، رغم مرور خطوط المياه القطرية في محيطه، الأمر الذي يحدّ من قدرة المزارعين على الاستفادة منها في الزراعة".

المحامي والمزارع توفيق ياسين وعائلته

ويضيف ياسين أن "الهدف الأساسي من الاستمرار في هذه الزراعة هو التمسك بالأرض والحفاظ عليها، أكثر من تحقيق الأرباح المادية. أنا من الذين شاركوا في أحداث يوم الأرض عام 1976، والحفاظ على الأرض والتمسك بها يشكلان قضية أساسية بالنسبة لي، وأدعو كافة الناس وأهالي حوض البطوف إلى التمسك بالأرض بكل الطرق".