تنتهج السلطات الإسرائيلية في منطقة النقب، الممثلة بـ"سلطة توطين البدو" و"سلطة أراضي إسرائيل" و"الصندوق القومي اليهودي" ("كيرن كييمت ليسرائيل" - "كاكال") ، سياسة ممنهجة تهدف إلى تقويض صلاحيات السلطات المحلية العربية في منطقة النقب وعددها سبع، إذ تهدف هذه السياسة إلى تجريدها من أدوارها السيادية في المنطقة.
ويشمل ذلك منطقة "الخط الأزرق" داخل هذه القرى، حيث يحوّل هذا النهج السلطات المحلية إلى مؤسسات صورية، بينما تنتقل سلطة اتخاذ القرارات الفعلية إلى موظفي الجهات الإسرائيلية الثلاث، بعد تغيير دستور الأنظمة في المؤسسات الإسرائيلية في منطقة النقب، الأمر الذي يبقي هذه السياسات قائمة حتى في حال تغير الحكومات.
وفي هذا الصدد، تحذر القيادات العربية في النقب من أن هذه الممارسات لا تقف عند حدود سلب ومصادرة الأراضي، بل تستهدف الترابط الاجتماعي، حيث تسعى السلطات الإسرائيلية إلى زعزعة الاستقرار وتأجيج الصراعات الداخلية عبر سياسة استبدال السكان، وهذا يتمثل بإجبار المواطنين العرب على هدم منازلهم بأيديهم، ومن ثم محاولة نقلهم قسرًا إلى مناطق كانت ملكًا لمواطنين آخرين، إذ يرى الأهالي أن هذا الإجراء المتعمد يهدف إلى خلق الفتنة بين أفراد المجتمع الواحد، وتحويل أصابع الاتهام إلى أبناء المجتمع بدلاً من الجهات الرسمية.
سلب الصلاحيات
وفي حديثه لـ"عرب 48"، قال رئيس اللجنة الشعبية في رهط، د. عواد أبو فريح، إن ما يحدث في النقب يختلف عن باقي المناطق في البلاد، حيث تتحكم السلطات المسؤولة في النقب وهي: "سلطة توطين البدو"، و"سلطة أراضي إسرائيل"، و"الصندوق القومي اليهودي". وقد عملت هذه الجهات على انتزاع السيادة من السلطات المحلية العربية، لدرجة أن المصادقة على أي مشروع داخل نفوذ البلدات العربية وحتى داخل الخط الأزرق للقرى، تبقى رهينة لهذه الأذرع، الأمر الذي يحوّل السلطات المحلية إلى هيئات شكلية مسلوبة الصلاحيات.
وأوضح أن مخطط وزير "الشتات" الإسرائيلي عميحاي شيكلي، والمكلف بملف "سلطة توطين البدو"، يهدف إلى اقتلاع المواطنين العرب من منطقة النقب وتجميعهم على أقل مساحة أرض.
وأضاف أبو فريح أنه يتم تطبيق هذا المخطط في النقب بشكل واسع، من خلال منح صلاحيات لموظفي المؤسسات المختلفة، ومنها سلطة توطين البدو ودائرة أراضي إسرائيل، لاتخاذ قرارات بدلاً من السلطات المحلية العربية داخل الخط الأزرق، أي تجاوز هذه السلطات، مشيرًا إلى أن خطورة المخطط تكمن في أنه في حال تغيرت الحكومة تبقى السياسات قائمة داخل المؤسسات بسبب تغيير أنظمتها الداخلية.
تهجير بالدستور وفتنة داخل البلدات
وفي ما يتعلق بالمخاطر الاجتماعية، قال رئيس اللجنة الشعبية في رهط إن هذا المخطط يزرع الفتنة والتفرقة بين العائلات العربية في النقب، إذ يجبر بعض العائلات في القرى غير المعترف بها على هدم منازلها وإخراجها من أراضيها التي توارثتها عبر الأجيال، ونقلها إلى قرى قائمة (معترف بها) على أراضٍ تعود لمواطنين آخرين تم تهجيرهم سابقًا، ما يسبب توترات كبيرة بين سكان القرى السبع المعترف بها.
وأشار أبو فريح إلى أن المخطط يفاقم الأزمات داخل البلدات العربية في النقب، إذ تعمل الجهات الإسرائيلية على ترحيل أكبر عدد ممكن من المواطنين العرب من قراهم إلى البلدات القائمة، بهدف زيادة الكثافة السكانية في مناطق محدودة، بما يؤدي إلى تقليص الوجود العربي على الأرض.
زيادة أزمات السلطات المحلية العربية
وأشار أبو فريح إلى أن نقل أعداد كبيرة من السكان إلى مساحات ضيقة دون توفير الموارد اللازمة في مجالات الصحة والتعليم والخدمات، يفاقم الأزمة في السلطات المحلية، التي تعاني أساسًا من نقص حاد في الخدمات نتيجة السياسات المتبعة تجاهها.
وعن آلية تنفيذ المخطط، أوضح أن حالة أم الحيران تمثل نموذجًا لذلك، إذ يتم إجبار المواطنين على هدم منازلهم والتوقيع على مستندات تتضمن التنازل عن أراضيهم لصالح الدولة، ومن ثم نقل عائلات أخرى إلى الأراضي ذاتها، ما يؤدي إلى صراعات داخلية بين السكان.
ولفت إلى وجود تفاهمات غير مكتوبة بين أهالي النقب تمنع نقل أي مواطن من أرضه إلى أرض أخرى دون موافقة الطرفين، باعتبار أن ذلك جزء من سياسة تهدف إلى تفكيك المجتمع المحلي.
ضرورة تجديد النضال الشعبي
وشدد أبو فريح على أهمية تجديد النضال الشعبي الرافض للمخطط، من خلال تنظيم أصحاب الأراضي والتأكيد على رفض التهجير، إلى جانب تفعيل المسار القانوني عبر تقديم الاعتراضات، وتعزيز دور اللجان الشعبية والتوعية بخطورة المخطط.
وأكد ضرورة عدم الانجرار إلى صراعات داخلية بين المواطنين، مشيرًا إلى أن السلطات تحاول استغلال الأوضاع القائمة لدفع السكان إلى القبول بالترحيل، داعيًا إلى توجيه المسؤولية نحو "سلطة أراضي إسرائيل" و"سلطة توطين البدو".
نزع سيادة السلطات العربية
وفي ما يتعلق بموضوع "اتفاقية السقف"، أوضح رئيس اللجنة الشعبية في رهط أنه لا يوجد تواصل فعلي بين سلطة توطين البدو والبلدات العربية، مشيرًا إلى الحاجة لاتفاقات تضمن حقوق السكان المحليين في توزيع الأراضي، على أن تكون الأولوية لأصحاب الأرض الأصليين.
وشدد على أن السلطات الإسرائيلية ترفض منح أي صلاحيات حقيقية للسلطات المحلية العربية، رغم وجود نماذج سابقة طبقت في بلدات مثل أم الفحم، حيث أُعطيت الأولوية للسكان المحليين في تخصيص الأراضي.
تطبيق سياسات التهجير
وحذّر أبو فريح من أن ما يجري في النقب يمثل سياسة تمييز ممنهجة، تشمل إقامة مستوطنات على أراضي المواطنين العرب ونقلهم إلى مساحات محدودة، ما يؤدي إلى تفاقم الأزمة السكانية.
خطاب سياسي وتحريض
وبخصوص الخطاب السياسي الإسرائيلي، قال أبو فريح إن قضايا النقب تُستخدم كأداة دعائية انتخابية من قبل اليمين الإسرائيلي، من خلال التحريض المستمر على السكان العرب في الجنوب، مشيرًا إلى حملات يقودها سياسيون مثل نفتالي بينيت، إيتمار بن غفير، وعميحاي شيكلي.
بتر التواصل الجغرافي
واختتم رئيس اللجنة الشعبية في رهط حديثه بالقول إن النقب يشكل امتدادًا جغرافيًا وسكانيًا يربط بين غزة والخليل، محذرًا من محاولات لعزل المنطقة عبر المستوطنات.
وأكد في ختام حديثه أن الوجود العربي في النقب متجذر تاريخيًا ولا يمكن اقتلاعه، مشددًا على أن السكان متمسكون بأرضهم رغم كل الضغوط، وأن محاولات تصويرهم كـ"رُحل" لا تعكس واقعهم التاريخي والإنساني.
اقرأ/ي أيضًا | بدو النقب بين المواطنة الشكلية والهندسة القانونية للإقصاء: من لجنة غولدبرغ إلى مخطط شيكلي