بحث: 37% من الشباب العرب خارج الأطر عام 2025... "الظروف تسرع الانزلاق نحو الجريمة"

تشير معطيات بحث لمؤسسة "الفنار" للتشغيل والاقتصاد المجتمعي، إلى أن 37% من الشباب العرب كانوا بغير أطر تحتويهم عام 2025، مقارنة بـ26.2% عام 2024 و25.2% عام 2023، ويشير البحث إلى وجود علاقة مباشرة بين ضعف الاندماج وارتفاع الجريمة.

بحث: 37% من الشباب العرب خارج الأطر عام 2025...

من مظاهرة قطرية في تل أبيب ضد الجريمة المستفحلة في المجتمع العربي، كانون الثاني/ يناير 2026 (Gettyimages)

ترتفع نسبة الشباب والشابات العرب وتحديدًا فئة "الشباب غير المؤطر" بشكل كبير، وتحديدا بعد الحرب الإسرائيلية على غزة في 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023، وأزمة فيروس "كورونا" في عامي 2020 و2021، إذ وصلت نسبة الشباب الذين لا يعملون أو يدرسون أو يشاركون في تدريبات مهنية، إلى 37% في المجتمع العربي ما بين الأجيال 18-24 عامًا، حتى عام 2025.

تغطية متواصلة على قناة موقع "عرب 48" في "تليغرام"

وفي العام 2024، كانت نسبة الشباب العرب الذين لا يعملون أو يدرسون 26.2%، وفي العام 2023 كانت النسبة 25.2%، وفي المقابل كانت النسبة عام 2015 لدى المجتمع العربي والفئة المحددة 19.5%، وكانت الذروة خلال أزمة فيروس "كورونا" التي كانت بين عامي 2020 و2021، إذ وصلت إلى 36.6%، فيما تخطى معطى عام 2025 هذه النسبة في المجتمع العربي في هذه الشريحة.

وانخفضت نسبة تشغيل الرجال العرب إلى 75.8% بعد أن كانت 78.2% بعد مرحلة التعافي من أزمة فيروس "كورونا" بين عامي 2022 و2023، قبل أن تعود إلى الانخفاض بعد الحرب على غزة، وفقًا لمعطيات مؤشر التشغيل الصادر عن مؤسسة "الفنار" للتشغيل والاقتصاد المجتمعي.

التغييرات في العقد الأخير

وبهذا الصدد، تطرق الباحث أمير عودة من مؤسسة الفنار في حديث لـ"عرب 48"، إلى المعطيات بالقول إن "البحث تركز بشكل أساسي على فئة الشباب والشابات العرب، وخاصة فئة ’الشباب غير المؤطر’ أي الذين لا يعملون أو يدرسون أو يشاركون في أي تدريب مهني، وهذه الظاهرة تبرز بشكل خاص بين الشباب العرب الذكور، وأصبحت من القضايا المركزية التي تشغل الباحثين وصناع القرار بسبب ارتباطها بالأوضاع الاجتماعية والجريمة والعنف".

وعن التغييرات في العقد الأخير، أوضح أن "العقد الأخير شهد اتجاهين متعاكسين وفقًا للبحث الذي قمنا بإجرائه، إذ أنه لدى الشابات العربيات سُجل ارتفاع متواصل في نسب التشغيل والالتحاق بالتعليم العالي، أما الشباب العرب الذكور فسُجل لديهم انخفاض حاد في نسب التشغيل حتى فترة كورونا، ثم تعافٍ جزئي فقط بعدها، كما يشير البحث إلى أن نسبة تشغيل الرجال العرب انخفضت من 78.2% في مرحلة التعافي بعد كورونا إلى 75.8% خلال عام 2024، بينما بلغت نسبة تشغيل النساء العربيات فقط 46.9% رغم التحسن التدريجي في اندماجهن في سوق العمل، ويؤكد البحث أن التغيرات البنيوية في سوق العمل، مثل انخفاض الطلب على المهن التقليدية وصعوبة اكتساب المهارات الجديدة، ساهمت في اتساع ظاهرة الشباب غير المؤطر".

وعن الفئة التي ركز عليها البحث، قال عودة إن "البحث ركز بشكل خاص على فئة الشباب والشابات العرب، الذين لا يعملون أو يدرسون أو يشاركون في أي تدريب مهني، والتي وصلت إلى 37% عام 2025 في الفئة بين (18-24 عامًا)، وهذه الظاهرة وفقا لما توصلنا اليه بالبحث، تبرز بشكل خاص لدى الشباب العرب الذكور، إذ شهد العقد الأخير انخفاضًا حادًا في نسب التشغيل قبل أزمة كورونا، ثم كان تعافيًا جزئيًا فقط بعدها".

وأضاف، أن "البحث يبيّن أن التغيرات البنيوية في سوق العمل، وتراجع الطلب على المهن التقليدية، وصعوبة اكتساب المهارات الجديدة، جميعها ساهمت في تعميق ظاهرة عدم العمل والتعلم لدى قسم من الشباب العرب، ومن المعطيات اللافتة أيضًا أن الفئة الأكثر تضررًا من الخروج من سوق العمل خلال عام 2025 كانت الرجال العرب بعمر 55 عامًا وما فوق، مع شكوك كبيرة بإمكانية عودتهم مجددًا إلى سوق العمل".

علاقة مباشرة بارتفاع الجريمة

وفي سياق مدى ارتباط ارتفاع الجريمة في المجتمع العربي ونسبة ضعف الاندماج في التعليم والعمل، قال عودة، إن "البحث يشير بشكل واضح إلى وجود علاقة مباشرة بين ضعف الاندماج في التعليم والعمل وبين ارتفاع الجريمة والعنف في المجتمع العربي، ويبيّن أن ظاهرة ’الشباب غير المؤطر’، خصوصا بين الرجال العرب، والعلاقة الوثيقة بين غياب الاندماج والجريمة والعنف، أصبحت في صلب النقاش لدى الباحثين وصناع السياسات. كما يظهر أن هشاشة التشغيل، وانخفاض الأجور، وضعف الأفق المهني لدى الشباب العرب، كلها عوامل تزيد من حالة عدم الاستقرار الاجتماعي".

وعن الجانب الاقتصادي، أوضح "توصلنا من خلال البحث أن انتشار الجريمة بات يؤثر بشكل مباشر على المصالح التجارية العربية، من فرض الخاوة والابتزاز المالي، والخوف من الاعتداء على الممتلكات والأشخاص، وتراجع الزبائن، وصعوبة تجنيد العمال، وإضعاف المبادرات الاقتصادية، وعامي 2023 و2024 شهدا ارتفاعًا حادًا في إغلاق المصالح التجارية العربية، بالتوازي مع الحرب وتصاعد الجريمة وتقليص البرامج الحكومية الداعمة".

فجوات عميقة في المجتمع العربي

وعن النتائج من البحث، قال عودة "يتضح منه أن المجتمع العربي لا يزال يواجه فجوات عميقة في التشغيل والتعليم والأجور وتطوير الأعمال، رغم بعض التحسن الذي طرأ خلال السنوات الأخيرة، خصوصا لدى النساء العربيات، ومن أبرز المعطيات، النساء العربيات وصل معدل تشغيلهن إلى 46.9% فقط عام 2024، وهو معدل لا يزال منخفضًا جدًا مقارنة بباقي المجتمع، مقابل تراجع تشغيل الرجال العرب إلى 75.8% بعد أن وصل إلى 78.2% في فترة التعافي بعد كورونا، بالإضافة إلى فجوات الأجور التي تصل إلى عشرات النسب المئوية بين العمال العرب واليهود، حتى لدى أصحاب نفس المستوى التعليمي، وغالبية المصالح التجارية العربية هي مصالح صغيرة جدًا أو صغيرة، مع تمثيل ضعيف جدًا في القطاعات ذات الإنتاجية العالية".

وتحدث عن التوصيات من البحث، بالقول "هناك حاجة إلى إعداد برنامج شامل لدمج الشباب العرب في سوق العمل، وإدخال منظومات توجيه مهني وتعليمي داخل المدارس العربية، وتوفير مرافقة طويلة الأمد للشباب من مرحلة الثانوية وحتى الاندماج المهني، وتحسين المهارات ومستوى اللغة العبرية لدى الشباب العرب، وإعادة دعم برامج التشغيل ذات الأجور المرتفعة، وتوسيع الدعم الحكومي للمصالح التجارية العربية وتحسين الوصول إلى التمويل، إلى جانب تعزيز الثقافة المالية لأصحاب المصالح وتطوير برامج لمواجهة تأثير الجريمة والعنف على الاقتصاد العربي".

"السياسات الإسرائيلية أوصلت الشباب إلى هذا الحال"

وقالت الناشطة المجتمعية خلود أبو أحمد من الناصرة، لـ"عرب 48"، إنه "في ظل الضعف المجتمعي في البلاد، ورداءة منظومة التعليم في المجتمع العربي، وعدم سد الفجوات، أوصلت الشباب في المجتمع العربي إلى هذا الحال من خلال السياسات الإسرائيلية المتبعة تجاه مجتمعنا، إذ بات هؤلاء الشبان ضحايا هذه السياسات المتبعة، إلى جانب تراجع تشغيل الرجال العرب".

الناشطة خلود أبو أحمد

وأضافت أن "شريحة الشباب هذه باتت طُعمًا لعالم الجريمة المنظمة في المجتمع العربي، وباتوا لقمة سهلة لهذه الجهات، والحكومات الإسرائيلية تضع الميزانيات على الجيش والحرب، بدلا من صب هذه الميزانيات على التربية والتعليم لترميم المجتمع من الحال الذي وصل إليه بسبب السياسات ضده".

وعن الارتفاع في تراجع دمج الشباب في سوق العمل والتعليم، أشارت أبو أحمد إلى أن "علاقة العربي في البلاد بهذه الدولة، يجعل الواقع السياسي يفرض علينا حالة ذهنية مختلفة، إذ أننا نعيش في دولة بها صراع قومي على هويتنا العربية الفلسطينية، لا سيما وأنها تعيش دائمًا حروبات متواصلة والحالة الأمنية بها مستمرة وتكميم الأفواه، وهذا الأمر يؤدي الى شعور شبابنا بعدم الإحساس بالقدرة".

وأضافت أن "السلطات الإسرائيلية تبذل طاقات هائلة من أجل جعلنا عديمي القدرة من خلال العمل والتضييق النفسي، وتجعل أبناء شعبنا يخافون من هويتهم وتحديدًا ما بعد السابع من تشرين الأول/ أكتوبر عام 2023، من خلال ملاحقة طلبة الجامعات والموظفين والعمال، الأمر الذي أوصل حال الشباب إلى ما نحن عليه اليوم، وهناك قسم كبير يحاول البحث عن الحياة خارج البلاد بسبب التضييقات المستمرة".

وتطرقت أبو أحمد إلى قضية الجريمة، قائلة إنه "بحال لم يتم إيجاد حل حقيقي لقضية الجريمة المنظمة في المجتمع العربي، سيبقى شبابنا عرضة لهذه المنظمات، في ظل عدم تحرك السلطات بشكل حقيقي في كل ما يتعلق بملف الجريمة ووضع خطة شاملة". وأضافت أن "هناك مسؤولية تقع على المجتمع بإعادة بنائه بشكل جيد، من خلال الترابط المجتمعي والخوف عليه، وهذا مرتبط بإيجاد حلول للجريمة".

"حالة خمول تجاه السوق والعمل"

ومن جانبه، قال مؤسس ورئيس "الحراك الشبابي القرعاوي" في كفر قرع، محمد هشام عليمي، لـ"عرب 48"، إنه "أطلقنا قبل أيام مبادرة في المدينة، تهدف إلى تشجيع الشباب على العمل في المصالح التجارية في المدينة، وأطلقنا عليها اسم ’فرص عمل في كفرقرع’ في محاولة لمنع توجه الشباب إلى طرق لا نريدها".

الناشط محمد عليمي ("عرب 48")

وتحدث عن شح الأيادي العاملة في المدينة، قائلا "اتضح لنا بعد تواصلنا مع مجموعة من أصحاب المحال التجارية في المدينة، المعاناة التي يواجهها أصحاب المصالح في ظل عدم وجود عمال في مصالحهم، وتحديدًا في ظل منع إدخال عمال الضفة، الأمر الذي يظهر أن الجيل الجديد ليس لديه المهارات أو يعاني من حالة خمول تجاه السوق والعمل".

وأضاف عليمي، أن "هناك علاقة حقيقية بين العمل والتعليم، إذ أن نسبة عدم توجه الشباب غير العاملين نحو التعليم كبيرة، لأن عدم العمل يجعل الشاب كسولا، وهذا يبعد الشاب عن التعليم، وهذا مقلق حقيقة، في ظل انحدار الشباب إلى عالم الجريمة".

وحول محاولات إقناع الشباب من أجل العمل، قال "لقد تواصلنا مع أصحاب المحال التجارية في المدينة، في ظل المبادرة التي نقوم بها، وهناك قسم كبير من أصحاب المحلات التجارية، وافق على دفع أكثر من الحد الأدنى للأجور لتحفيز الشباب على العمل، ولكن بالرغم من ذلك نسبة الذين تقدموا للعمل قليلة، وذلك إما بسبب فقدان المهارات أو حالة الخمول التي تعصف بالشباب".

وزاد عليمي "نتلقى اتصالات من عائلات تعاني من عدم تعلم أبنائها أو عدم توجههم إلى العمل، وهناك قسم من العائلات طلب منا إدخال ابنائهم إلى مشروعنا من أجل التطوع، إذ أن ما يحصل في المجتمع وتحديدًا فئة الشباب مقلق، وهناك تخوف من انزلاق هؤلاء الشباب إلى عالم الجريمة".

وختم حديثه بالقول "هناك حاجة لأن يكون في كل بلدة مُشغل يوفر فرص عمل للشباب، ويجب أن تكون توعية في المدارس حول أهمية التعليم والعمل، إلى جانب زرع روح التطوع والعمل وتقديم الخير للمجتمع، وبهذا نستطيع أن نحمي شبابنا وتوجيههم إلى الطريق الصحيح".