"الحرب حوّلتنا لمشتبهين": شهادات لأطباء وممرضين عرب يواجهون الملاحقة وتكميم الأفواه بمشافي إسرائيل

تكشف شهادات أطباء وممرضين عرب، وثّقها "عرب 48"، عن تصاعد غير مسبوق في سياسات القمع والترهيب داخل المستشفيات الإسرائيلية منذ اندلاع الحرب على غزة، حيث تحولت اللغة العربية، والتعبير عن الرأي، وحتى الصمت، إلى أسباب للملاحقة والاستدعاء والتضييق.

مستشفى إسرائيلي في زمن الحرب، الصورة للتوضيح فقط (Getty Images)

تجاوزت سياسات القمع والتضييق وتكميم الأفواه بحق المواطنين العرب، خلال الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، كل الحدود، واتخذت أشكالًا متعددة تمثلت في الملاحقات الشرطية، وجلسات الاستماع والتحذير، إضافة إلى الاعتقالات والتحقيقات، ضمن تصعيد مؤسساتي ممنهج وصل، في كثير من الحالات، إلى حد تقديم لوائح اتهام لمجرد التعبير عن الرأي أو إبداء التضامن مع الفلسطينيين الذين يتعرضون للإبادة الجماعية في قطاع غزة، أو حتى توجيه انتقادات لسياسات الحكومة الإسرائيلية وممارسات الجيش الإسرائيلي في القطاع.

وتجلّى هذا القمع بصورة واسعة في أماكن العمل، سواء في القطاع الخاص أو المؤسسات الحكومية والعامة، كما امتد إلى الفضاء الرقمي وشبكات التواصل الاجتماعي، في محاولة لإقصاء السردية الفلسطينية وتغييبها، مقابل فرض الرواية الإسرائيلية ومنحها الأفضلية في صراع الروايات الذي بقي محتدمًا، رغم استمرار حضور الرواية الفلسطينية وهيمنتها، على الرغم من سياسات الترهيب وتكميم الأفواه والملاحقة.

وفي هذا السياق، وثّق تقرير صادر عن جمعية "أطباء لحقوق الإنسان" عشرات جلسات الاستماع والتحقيق الداخلي في ما لا يقل عن 15 مستشفى وجميع صناديق المرضى الأربعة في البلاد، على خلفية التعبير عن الرأي بشأن الحرب على غزة، حتى في حالات وُصفت بالبسيطة، مثل مشاركة منشور على شبكات التواصل الاجتماعي، أو وضع إشارة "إعجاب"، أو تغيير صورة الملف الشخصي.

وبرزت بشكل خاص وتيرة متصاعدة من الملاحقة والتضييق داخل المستشفيات والمراكز الطبية في الجليل وحيفا وأنحاء الشمال، سواء من قبل إدارات الأقسام والمستشفيات أو من بعض أفراد الطواقم الطبية اليهودية، ضد الأطباء والعاملين العرب في الجهاز الصحي الإسرائيلي.

وطالت هذه الممارسات كوادر طبية وصحية من تخصصات مختلفة، من أطباء وممرضين إلى عاملين في مجالات الطب النفسي، والتغذية العلاجية، والعلاج الوظيفي والطبيعي، والصيدلة، بل وحتى بعض المحاضرين في كليات التمريض.

وتضاف هذه السياسات إلى سلسلة من الملفات التي تناولها "عرب 48" في تقارير وتحقيقات خاصة، وثّقت شهادات وإفادات لمواطنين عرب تعرضوا للقمع الإسرائيلي الذي تصاعد بشكل ملحوظ منذ اندلاع الحرب على غزة.

العرب في مواجهة الترهيب داخل أماكن العمل

خلال سنوات الحرب على غزة، وثّقت تقارير "عرب 48" ملاحقات وقمعًا استهدفا محامين وفنانين ونشطاء سياسيين وحزبيين، إضافة إلى مؤثرين على شبكات التواصل الاجتماعي وناشطين في اللجان الشعبية، وكل من كسر حاجز الصمت وأعلن تضامنه مع غزة، أو طالب بوقف حرب الإبادة، أو شارك في تظاهرات احتجاجًا على ممارسات جيش الاحتلال وسياسات الحكومة الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين.

وامتدت هذه الممارسات أيضًا إلى كل من عبّر عن رأيه في مجريات الحرب، أو نشر تدوينات ومواقف على شبكات التواصل الاجتماعي اعتُبرت "خارج الإجماع الإسرائيلي"، متناسين أو متجاهلين أن من يعبّر عنها هو أصلًا خارج هذا الإجماع، بوصفه جزءًا لا يتجزأ من الشعب الفلسطيني ومنحازًا لقضيته الوطنية.

وتجلّت هذه الملاحقات في آلاف حالات الاعتقال والتحقيق، ومئات ملفات الإدانة أمام المحاكم الإسرائيلية، إلى جانب مئات أوامر الاعتقال الإداري، في مشهد يعكس تصاعدًا غير مسبوق في سياسات القمع وتكميم الأفواه بحق الفلسطينيين في الداخل.

في هذا التحقيق، يفتح "عرب 48" ملف الملاحقة والتضييق بحق الأطباء والعاملين العرب في الجهاز الصحي والمراكز الطبية والمستشفيات في الجليل وحيفا والشمال، من خلال شهادات وإفادات جرى توثيقها مع الحفاظ على سرية هويات أصحابها، عبر استخدام شخصيات وأسماء مستعارة، فيما بقيت الأسماء الحقيقية محفوظة في ملف التحرير، حمايةً لهم من أي ملاحقات إضافية أو إجراءات تأديبية أو جلسات استماع قد تصل إلى الفصل من العمل.

"ممنوع العربية".. طبيبة تروي القمع داخل المستشفى

تجلس الدكتورة عفاف، وهو اسم مستعار ويتحفظ "عرب 48" على هويتها الحقيقية، للحديث وهي مثقلةً بتجربة تقول إنها غيّرت حياتها المهنية والشخصية بالكامل. فبعد سنوات من العمل في أحد المستشفيات الإسرائيلية ومواصلة دراستها التخصصية في الطب، وجدت نفسها مضطرة إلى ترك العمل وتعليق تخصصها، تحت وطأة ما تصفه بسياسات الملاحقة والقمع وتكميم الأفواه التي استهدفتها كطبيبة عربية فلسطينية منذ اندلاع الحرب على غزة.

تقول الطبيبة عفاف لـ"عرب 48" إن ما تعرضت له لم يبدأ بخلاف مهني أو تقصير طبي، بل بسبب حديثها باللغة العربية داخل القسم، سواء مع المرضى العرب أو مع الطاقم الطبي خلال العمل.

وتوضح أن اللغة العربية كانت جزءًا أساسيًا من مهامها اليومية، خصوصًا في التعامل مع مراجعين ومرضى من المجتمع العربي في شمالي البلاد، كثير منهم لا يجيدون العبرية، الأمر الذي كان يفرض عليها التواصل معهم بلغتهم وترجمة ما يقولونه للطواقم الطبية.

لكن، بحسبها، تحوّل استخدام العربية تدريجيًا إلى سبب للملاحقة والاستهداف داخل القسم. فمنذ السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023، ومع اندلاع الحرب على غزة، تقول إن أجواء العمل تغيّرت بالكامل، وبدأت الشكاوى تُرفع ضد العاملين العرب، وخصوصًا ضدها، من قبل أفراد في الطاقم اليهودي، لمجرد تحدثها بالعربية خلال ساعات العمل، رغم أن ذلك كان مرتبطًا بشكل مباشر بعلاج المرضى والتواصل معهم.

وتروي أن النقاشات مع بعض أفراد الطاقم كانت تتكرر خلال الورديات، إذ كان بعضهم يعترض على حديثها بالعربية، بينما كانت هي تصر على حقها في استخدامها، ليس فقط بوصفها لغة وهوية، بل أيضًا كجزء من العمل الطبي المهني.

وتضيف أن دورها لم يقتصر على الحديث مع المرضى العرب، بل كانت تترجم للطواقم الطبية ما يقوله المرضى خلال جلسات العلاج والمعاينة، غير أن ذلك لم يمنع بعض العاملين من محاولة إسكاتها أو مطالبتها بالتوقف عن الحديث بالعربية.

وتقول إن تصاعد الشكاوى دفع إدارة القسم إلى استدعائها لجلسة استماع، أُبلغت خلالها، وفق روايتها، بوجود تعليمات تمنع الحديث بالعربية أثناء العمل.

وتؤكد أنها رفضت الامتثال لهذه التعليمات، معتبرةً أن العربية لغة رسمية، وأن منع استخدامها داخل المستشفى يمس بهويتها وحقوق المرضى العرب الذين يحتاجون إلى التواصل بلغتهم لتشخيص حالاتهم وتلقي العلاج المناسب.

القمع في المستشفيات: "حتى صمتي كان يزعجهم"

وبحسب شهادتها، لم تتوقف الضغوط عند حدود اللغة، بل رافقتها أجواء وصفتها بالعدائية والعنصرية داخل بيئة العمل. وتشير إلى أن بعض أفراد الطاقم اليهودي، وبينهم أطباء من أصول روسية، كانوا يتعاملون معها باستخفاف وعدم احترام، بينما تكررت الشكاوى ضدها واستدعاؤها المتواصل لجلسات استماع إدارية، ما جعلها تشعر بأنها مستهدفة ومراقبة باستمرار.

وتستعيد د. عفاف مشاهد تقول إنها بقيت عالقة في ذاكرتها، بينها وجود أطباء يتنقلون داخل الأقسام وهم يحملون أسلحة شخصية خلال ساعات العمل، بل وحتى أثناء المحاضرات والمؤتمرات الطبية.

هكذا تبدو مستشفىات إسرائيل خلال الحرب، الصورة للتوضيح فقط (Getty Images)

وتقول إن هذا المشهد كان مرعبًا بالنسبة لها كفلسطينية، خصوصًا في ظل أجواء التحريض والتوتر التي كانت تحيط بالعاملين العرب داخل المستشفى.

وتضيف أن الملاحقة لم تقتصر على مواقف أو تصريحات، بل وصلت، بحسب وصفها، إلى حد اعتبار "الصمت" مشكلة بحد ذاته. ففي أوقات النقاشات داخل القسم حول الحرب أو الأسرى الإسرائيليين في غزة، كانت تشعر أن صمتها يثير الريبة، وأن أي كلمة أو موقف قد يُستخدم ضدها لاحقًا.

وتقول إن حالة الخوف دفعتها إلى مراقبة كل تصرف وكل كلمة، خشية التعرض لتحقيقات أو اتهامات قد تتجاوز الإطار المهني.

وتكشف أيضًا عن حادثة اتُّهمت خلالها من قبل طبيبة يهودية بإيقاف علاج أحد المرضى ومنع الفحوصات عنه، وهي ادعاءات تقول إنها نجحت في دحضها وإثبات بطلانها بشكل كامل، من دون أن تتلقى أي اعتذار، فيما أُغلق الملف إداريًا وكأن شيئًا لم يكن.

وترى أن هذه الحادثة عززت قناعتها بإمكانية تلفيق اتهامات للعاملين العرب لا علاقة لها بالأداء الطبي أو المهني.

"لم أعد أحتمل بيئة العمل العدائية"

وبمرور الوقت، تقول الطبيبة عفاف إنها لم تعد قادرة على تحمل بيئة العمل المشحونة، خصوصًا مع شعورها بأن العاملين اليهود كانوا يتمتعون بحرية كاملة في التعبير عن مواقفهم السياسية ودعم الحرب أو المشاركة في فعاليات للمطالبة بإطلاق سراح الأسرى الإسرائيليين، بينما كان العاملون العرب يواجهون القمع والمساءلة حتى بسبب اللغة أو الصمت أو أي تعبير إنساني تجاه ما يحدث في غزة.

وتصف التجربة بأنها تركت آثارًا نفسية عميقة عليها، إذ تؤكد أنها اضطرت خلال فترة عملها إلى تناول أدوية مهدئة كي تتمكن من الاستمرار في المناوبات، فيما تخضع اليوم لجلسات علاج نفسي بسبب ما تعرضت له من ضغوط وملاحقات على مدار أكثر من عامين.

وتختم شهادتها بالقول إن ما صدمها أكثر من أي شيء آخر هو ما تعتبره "انهيارًا أخلاقيًا" داخل بيئة يُفترض أنها قائمة على القيم الإنسانية والطبية.

وتقول إن الأطباء، بحكم مهنتهم، يُفترض أن يدافعوا عن الإنسان وكرامته بغض النظر عن هويته، لكن ما عاشته جعلها تشعر بأن الفلسطيني داخل هذه المنظومة يُعامل كأنه مجرد هدف للمراقبة والتضييق.

وتؤكد أنها، رغم كل ما تعرضت له، لا تستطيع التخلي عن إنسانيتها أو تجاهل ما يتعرض له شعبها في غزة، معتبرةً أن محاولات الترهيب والقمع لن تنجح في تحويل الفلسطيني إلى "آلة بلا مشاعر أو موقف".

التضامن مع غزة بات تهمة

لم تكن تجربة الدكتورة دينا، وهو اسم مستعار ويتحفظ "عرب 48" على هويتها الحقيقية، مختلفة كثيرًا عن شهادات أخرى لعاملين عرب في الجهاز الصحي الإسرائيلي منذ اندلاع الحرب على غزة. فدينا، التي تعمل طبيبة مختصة في أحد المستشفيات، تقول إن أجواء العمل داخل المستشفى تغيّرت بالكامل بعد السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023، وبات العاملون العرب يعيشون تحت ضغط دائم من الملاحقة والترهيب وتكميم الأفواه.

تروي الطبيبة دينا لـ"عرب 48" أن الحرب على غزة لم تبقَ حدثًا سياسيًا أو عسكريًا خارج جدران المستشفى، بل تحولت إلى محور يومي للنقاشات والتوترات داخل الأقسام الطبية، حيث وجد العاملون العرب أنفسهم مطالبين بالصمت، أو على الأقل بعدم إظهار أي تعاطف أو موقف إنساني تجاه ما يحدث في غزة.

وتقول إن مجرد التعبير عن الحزن أو نشر موقف على شبكات التواصل الاجتماعي، أو حتى انتقاد سياسات الحكومة والجيش، كان كافيًا لفتح باب الشكاوى والاستدعاءات الإدارية.

وبحسب روايتها، فإن حالة التضييق لم تقتصر عليها وحدها، إذ عمل إلى جانبها خمس نساء عربيات متخصصات في الطب الغذائي، ثلاث منهن قررن ترك العمل خلال فترة الحرب بسبب الأجواء التي وصفتها بالتحريضية والعدائية داخل المستشفى.

وتشير إلى أن النقاشات المتعلقة بالحرب كانت تتحول مرارًا إلى صدامات مع أفراد من الطواقم الطبية اليهودية، الذين لم يتقبلوا أي رأي مخالف أو أي تعبير عن التضامن مع المدنيين الفلسطينيين في غزة.

وتقول د. دينا إنها كانت معروفة داخل المستشفى بمواقفها وآرائها التي تعبّر عنها عبر كتابات ومنشورات على شبكات التواصل الاجتماعي، لكن هذه المواقف، بحسب قولها، جعلتها لاحقًا موضع عزلة ومقاطعة من قبل بعض أفراد الطاقم اليهود.

وتضيف أن بعض زملائها اليهود في العمل امتنعوا عن الحديث معها بشكل شبه كامل، فيما تقدم آخرون بشكاوى ضدها بسبب منشوراتها أو بسبب نقاشات دارت داخل العمل حول الحرب وانتقاداتها للحكومة والجيش الإسرائيلي.

"العربية والرأي الآخر غير مرحب بهما"

مع تصاعد الضغوط، تقول إنها توصلت إلى قناعة بأن الخوض في أي نقاش داخل العمل لم يعد ممكنًا، ليس فقط بسبب الاختلاف السياسي، بل لأن الطرف الآخر، بحسب وصفها، فقد القدرة على التعامل مع الموضوع من زاوية إنسانية.

وتوضح أن بعض العاملين اليهود حاولوا أيضًا الضغط على الإدارة لمنع الطواقم العربية من التحدث بالعربية داخل المستشفى، بحجة أنهم لا يفهمون اللغة، لكنها ترى أن هذه المطالب لم تكن مرتبطة باعتبارات مهنية أو طبية، بل جاءت انعكاسًا مباشرًا لأجواء الحرب والتحريض.

وتضيف أن الشعور السائد لدى العاملين العرب كان أن المطلوب منهم ليس فقط الامتناع عن إبداء الرأي، بل أيضًا كبت مشاعرهم وهويتهم ولغتهم.

بحسب وصفها، كان هناك رفض لأي خطاب ينتقد الحرب أو يعارض الرواية الرسمية الإسرائيلية، في مقابل تقبل كامل لمواقف العاملين اليهود الذين عبّروا علنًا عن دعمهم للجيش والسياسات الحكومية.

تشير الطبيبة دينا إلى أن المسؤولة المباشرة عن القسم كانت تتلقى الشكاوى ضد العاملين العرب وتستمع إلى رواياتهم، قبل رفعها إلى الإدارة العليا، لكن من دون اتخاذ خطوات فعلية لوقف حملات التحريض أو التضييق داخل بيئة العمل، وهو ما اعتبرته نوعًا من القبول الضمني بما يتعرض له العاملون العرب.

"يتعاملون معنا وكأن وجودنا مِنّة"

على الرغم من أنها ما زالت تواصل عملها حتى اليوم، فإنها تقول إنها لا تستبعد في أي لحظة إمكانية فصلها من العمل، خصوصًا بعد استدعائها أكثر من مرة لجلسات استماع على خلفية مواقفها المعارضة للحرب وانتقاداتها للحكومة الإسرائيلية وما يقوم به الجيش في غزة.

وتعتقد دينا أن جزءًا كبيرًا من المشكلة يكمن في رفض المؤسسة الطبية الإسرائيلية، أو على الأقل جزء واسع من العاملين فيها، تقبّل الرواية الفلسطينية أو حتى الاستماع إليها.

وتقول إن كثيرين يتعاملون مع أحداث السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023 باعتبارها قضية "أمن قومي"، وهو ما يُستخدم، بحسب رأيها، لتبرير كل ما يجري لاحقًا من حرب وسياسات وإجراءات ضد الفلسطينيين.

وتختم حديثها بالإشارة إلى شعور متكرر لدى العاملين العرب بأن وجودهم داخل هذه المؤسسات يُقدَّم لهم وكأنه "امتياز" تمنحه لهم الدولة، لا حق طبيعي لمواطنين فلسطينيين يعيشون في وطنهم.

وتقول إن بعض العاملين اليهود كانوا يكررون خطابًا يعتبر أن العرب يحصلون على "مساواة كاملة" وفرص تعليم وعمل، وكأن وصولهم إلى هذه المهن والمناصب هو "مِنّة" أو "معروف"، وليس استحقاقًا طبيعيًا لأبناء أقلية فلسطينية أصلانية تعيش داخل البلاد.

ممرض عربي: الحرب حوّلتنا إلى موضع شبهة

يقول شادي، وهو اسم مستعار ويتحفظ "عرب 48" على هويته الحقيقية، إن الحرب على غزة لم تغيّر فقط طبيعة العمل داخل المستشفيات الإسرائيلية، بل غيّرت أيضًا نظرة كثيرين إلى العاملين العرب في الجهاز الصحي، الذين وجدوا أنفسهم فجأة في دائرة الشبهة والمراقبة، وكأنهم مشتبهون، بعدما كانوا يُنظر إليهم كزملاء في مهنة يُفترض أنها تقوم على الإنسانية والرعاية.

شادي، الذي يعمل في مجال التمريض ويتنقل بين عدة مستشفيات ومراكز طبية في البلاد، يروي شهادته بعد سنوات من الاحتكاك المباشر بالأجواء التي سادت داخل الجهاز الصحي منذ اندلاع الحرب.

ويقول لـ"عرب 48" إن العاملين العرب عاشوا تصاعدًا غير مسبوق في سياسات القمع وتكميم الأفواه، سواء من خلال الملاحقات الإدارية، أو جلسات الاستماع، أو الشكاوى المتكررة التي كانت تُقدَّم ضدهم لأسباب وصفها بالواهية.

وبحسب شهادته لـ"عرب 48"، تحوّلت اللغة العربية داخل الأقسام الطبية إلى واحدة من أبرز ذرائع التحريض ضد العاملين العرب. فالتحدث بالعربية بين أفراد الطواقم، أو مع المرضى والمراجعين العرب خلال الفحوصات والتشخيصات، بات يثير اعتراضات متكررة من بعض العاملين اليهود وإدارات الأقسام، التي طالبت مرارًا بمنع الحديث بالعربية داخل بيئة العمل.

ويرى شادي أن هذه المطالب لم تكن مرتبطة بالجوانب المهنية أو الطبية، بل جاءت في إطار أوسع هدفه منع أي نقاش أو تعبير يتعلق بالحرب على غزة وما يتعرض له الفلسطينيون هناك.

جلسات استماع وتحذيرات بحق عاملين عرب

يؤكد الممرض شادي أن حالة التضييق لم تقتصر على المستشفيات الحكومية، بل امتدت أيضًا إلى القطاع الصحي الخاص، حيث سادت، بحسب وصفه، أجواء من الخوف وكبت المشاعر.

ويقول إن العامل العربي داخل هذه المؤسسات كان مطالبًا بالصمت، وألا يُظهر أي موقف ناقد للحرب أو للجيش والحكومة، لأن أي كلمة أو منشور أو حتى تعبير عاطفي قد يعرضه لخسارة عمله أو يضع مستقبله المهني في خطر.

ويضيف أن كثيرًا من العاملين العرب شعروا بأن نظرة زملائهم اليهود إليهم تبدلت بشكل جذري، وأنهم باتوا يُعاملون بعين الريبة، لا كزملاء مهنة.

بحسب وصفه، لم يكن هناك استعداد لتقبل أي رواية مغايرة للرواية الإسرائيلية الرسمية، بينما كان التعبير عن التضامن مع المدنيين في غزة يُنظر إليه كأمر مرفوض أو مثير للشبهات.

وخلال سنوات الحرب، يقول شادي إن حالة الخوف أصبحت جزءًا من الحياة اليومية للعاملين العرب في الجهاز الصحي، في ظل تهديدات متواصلة بالفصل أو الاستدعاء للتحقيق.

ويشير إلى أن كثيرين خضعوا لجلسات استماع داخل المستشفيات أو أمام وزارة الصحة، فيما وُضعت ملاحظات وتحذيرات في الملفات المهنية لبعضهم، بينما فُصل آخرون من أعمالهم تحت ذرائع مختلفة، رغم أن السبب الحقيقي، وفق تقديره، كان مواقفهم أو تعبيرهم عن التضامن مع الفلسطينيين في غزة وانتقادهم للحرب.

الشعور بالاختناق الفكري والإنساني

يرى شادي أن التجربة كشفت له حجم الفجوة في النظرة إلى الفلسطيني داخل هذه المؤسسات، موضحًا أن كثيرًا من العاملين اليهود لم يكونوا مستعدين لسماع الرواية الفلسطينية أو النظر إلى الفلسطيني كضحية.

ويقول إن النقاشات داخل العمل كانت غالبًا تنتهي إلى طريق مسدود، لأن الطرف الآخر، بحسب وصفه، كان متمسكًا برواية واحدة يعتبرها الحقيقة المطلقة، بينما ينظر إلى أي رأي مخالف باعتباره تهديدًا أو خروجًا عن الإجماع.

ومع مرور الوقت، يقول إنه بات مقتنعًا بأن الدخول في نقاشات سياسية أو إنسانية داخل بيئة العمل لم يعد مجديًا، بل قد يتحول إلى مصدر خطر على العامل العربي نفسه.

ويصف تلك الحوارات بأنها أشبه بـ"حديث الطرشان"، لا تؤدي إلا إلى مزيد من الشكاوى والملاحقات والتضييق، خصوصًا حين يصر العامل العربي على التعبير عن موقف مختلف أو رواية مغايرة لما هو سائد داخل المؤسسة الإسرائيلية.

ويختتم شهادته بالقول إن أكثر ما تركه هذا الواقع في نفسه هو الشعور بالاختناق الفكري والإنساني، وكأن المطلوب من الفلسطيني داخل الجهاز الصحي ألا يكتفي بالصمت، بل أن يتخلى أيضًا عن مشاعره وهويته وقناعته، حتى يتمكن من الاستمرار في عمله داخل بيئة يعتبرها اليوم "غير مريحة ومشحونة بالخوف والرقابة الدائمة".