تحولت قاعات الامتحانات في جامعتي تل أبيب وحيفا وفي بعض المعاهد في منطقة القدس، خلال الآونة الأخيرة، من مساحات للتعلّم الجامعي إلى ساحات لممارسات أمنية تتعلق بتفتيش الطالبات المحجبات خلال الامتحانات، تضمنت مطالبتهن بإزالة الحجاب أمام جميع الطلاب في بعض الأحيان، الأمر الذي ترك آثارا نفسية سلبية في الطالبات العربيات المحجبات، وأدى إلى تراجع أدائهن الأكاديمي.
تغطية متواصلة على قناة موقع "عرب 48" في "تليغرام"
وتذرّع المراقبون بما سموه "الحفاظ على نزاهة الامتحانات ومنع الغش عبر سماعات الأذن"، إذ واجهت الطالبات المحجبات ممارسات تمييزية وانتقائية من قِبَل المراقبين والمراقبات في الامتحانات، وتضمنت أنواع التفتيش؛ التفتيش الجسدي، والإجبار على خلع الحجاب، والكشف عن الأذنين أمام الممتحِنين، ما أجبر بعض الطالبات على الانسحاب من الامتحانات والرسوب فيها تجنّبا للإهانة والمسّ بكرامتهن، وفقا للشهادات التي جمعها "عرب 48".
ووصل عدد الحالات التي عانت فيها الطالبات من هذه الممارسات إلى العشرات، وقد وقعت في جامعتي تل أبيب وحيفا وفي معاهد تعليمية في منطقة القدس، وشهدت أعمال التفتيش إخراج الطالبات من قاعات الامتحان أمام زملائهن. وقد أكدت الحركات الطلابية في الجامعات رفضها لهذه الممارسات وللمساس بحرية الدين والخصوصية.
وفي الشهادة الأولى، قالت الطالبة لـ"عرب 48"، إنه "خلال فترة الامتحانات من الفصل الأول العام الدراسي الحالي، وخلال وجودنا في إحدى القاعات لتقديم امتحان في قسم الهندسة والتصميم الداخلي بالجامعة، وصلت إحدى المراقبات وطلبت منا، نحن الطالبات المحجبات، الخروج والتوجه إلى غرفة أخرى، لإزالة الحجاب بذريعة فحص ما إذا كنا نضع سماعات، بالإضافة إلى إخضاعنا لتفتيش جسدي وفق الادعاء ذاته".
وأضافت أن "هذه الممارسات تسبب ضغطا نفسيا كبيرا علينا كطالبات، إلى جانب أنها تستغرق الكثير من الوقت الذي ينقص من الوقت المعيّن للامتحان، وبسبب هذا الإجراء، قررت عدم الدخول لتقديم الامتحان، خاصة وأن المراقبين كانوا قد وزعوا الأوراق على باقي الطلاب خلال ذلك الوقت، إضافة إلى الحالة النفسية السيئة جراء هذا التفتيش الذي نعتبره إهانة لنا".
وفي الشهادة الثانية، أفادت إحدى الطالبات "عرب 48" بأنه، "في فترة امتحانات الفصل الثاني من العام المنصرم، وتحديدا في 20 آب/ أغسطس 2025، وبعد مرور نصف ساعة على بدء امتحاني في تخصص الاقتصاد، توجه إلي المراقب أمام جميع الطلاب في القاعة، وادّعى أن التعليمات الجديدة تنص على نزع الحجاب في أثناء الامتحان بدعوى منع الغش، ووضع أمامي خيارين؛ نزع حجابي لمتابعة الامتحان، أو إنهاء الامتحان والخروج من القاعة، وهو ما رفضته رفضا قاطعا".
وأوضحت أنها توجهت فورا إلى السكرتيرة المسؤولة عن الامتحانات للاستفسار عن هذه الإجراءات، وطالبت السكرتيرة بشرح التعليمات الجديدة، وقالت الطالبة إن "السكرتيرة صرحت بأن التعليمات الجديدة تنص بالفعل على نزع الحجاب لمنع الغش"، وأضافت الطالبة "اقترحتُ عليها أن تقوم بتفتيشي هي، لكنها رفضت وأصرت على خيار نزع الحجاب كشرط لإكمال الامتحان، فرفضت ذلك وخرجت دون تقديمه، الأمر تسبب لي بضرر نفسي وضيق ورسبت في امتحانين بسبب هذه الممارسات".
وفي الشهادة الثالثة، قالت طالبة أخرى لـ"عرب 48" "في الفصل الأول من السنة الحالية، وفجأة في منتصف الامتحان، وصلت المراقبة وطلبت فحص ما تحت حجابي"، وأضافت "لم أستوعب آلية الفحص في البداية واعتقدت أنه سيكون بالنظر فقط، وقلت لها ’افحصي، على الرغم من أن هذا الأمر يضايقني’، تحججت المراقبة بالتعليمات ثم قامت بالفحص، ومن ثم انتقلت إلى بقية الطالبات المحجبات في القاعة".
وأكدت الطالبة خلال شهادتها الانتقائية في التعامل، وقالت إنه، "تم تفتيش الطالبات المحجبات في القاعة فقط، وهذا يظهر استهداف المحجبات، إذ أنه في نهاية الامتحان تم ضبط هاتف في جيب طالبة يهودية، فاكتفى طاقم المراقبين بتوبيخها بطريقة خفيفة وقالوا إنها خرقت القواعد، واكتفوا بتحذيرها شفهيا فقط، بالرغم من تكرار القاعدة والتشديد على تسليم الهواتف عدة مرات خلال الامتحان، ولكن لم تُعامل مثلما يُتعامل مع الطالبات المحجبات".
وفي الشهادة الرابعة، ذكرت الطالبة أنه "بعد نحو ساعة من بدء الامتحان، توجهت إلي المراقبة وطالبت بالتأكد عما تحت الحجاب، وعندما سألتها عن السبب لم تُجبني، ولكن بسبب رفضي القاطع للإجراء داخل القاعة، وافقت على الخروج من القاعة، وأن يكون التفتيش داخل دورة المياه، وهناك أتحت لها المجال، ولكنها بالغت وأصرت على خلع الحجاب تماما، وأصرت على تفتيشي جسديا للتأكد من عدم حيازة هاتف".
وأضافت الطالبة "عدنا إلى القاعة، لكنني حينها لم أكن قادرة على التركيز أو إكمال امتحاني مطلقا، ما أدى إلى رسوبي فيه، وأنا مجبرة الآن على إعادة الامتحان في ظل ضغط جدول امتحانات مليء".
واختتمت الطالبة حديثها بالقول إنه، "بعد الموقف، توجهت مباشرة إلى سكرتارية الكلية وسكرتارية الامتحانات، فأخبروني أنهم لم يكونوا على علم بما حدث، وأن هذه المراقبة تابعة لشركة مراقبة خارجية، كما أكدوا لي لاحقا أنهم فصلوها من العمل، لكن بخلاف ذلك، لم أحصل على أي تعويض أو إجراء ينصفني بشأن امتحاني الذي رسبت فيه بسبب الممارسات".
وقالت الطالبة يمان ملهم، التي تدرس في أحد المعاهد في منطقة القدس خلال حديثها لـ" عرب 48"، "ما يقلقني في هذه القضية ليس فقط الإجراء بحد ذاته، وإنما الرسالة التي قد تصل للطالبة المحجبة عندما يجري التعامل معها بطريقة مختلفة عن غيرها داخل الحرم الأكاديمي، فالجامعة من المفترض أن تكون مساحة قائمة على التفكير الحر، والاحترام المتبادل، والمساواة بين جميع الطلاب، بغض النظر عن خلفيتهم أو مظهرهم أو معتقداتهم الدينية، وعندما تشعر طالبة بأنها تخضع لتفتيش إضافي أو لنوع من الشك المسبق فقط لأنها ترتدي غطاء رأس، فهذا يترك أثرا نفسيا ومعنويا كبيرا، حتى لو لم يكن هذا هو الهدف المعلن من القرار".
وعن نزاهة الامتحانات، أوضحت الطالبة قائلة "نحن كطلاب لا نعارض الحفاظ على نزاهة الامتحانات، بل على العكس، أي مؤسسة أكاديمية من حقها أن تحافظ على المعايير الأكاديمية وأن تمنع الغش بكل أشكاله، لكن في المقابل، هناك فرق كبير بين الحفاظ على النظام وبين خلق حالة يشعر فيها جزء من الطلاب بأنه مستهدف أو مراقب أكثر من غيره، وهنا تكمن الإشكالية الحقيقية، لأن العدالة لا تُقاس فقط بالنوايا، وإنما أيضا بطريقة التطبيق وبالشعور الذي تتركه هذه السياسات لدى الطلاب".
وأشارت الطالبة إلى خطورة تطبيع الممارسات مع مرور الوقت، وقالت إن "الخطورة تكمن في اعتياد الطالبة أن تعامل كاستثناء، فهذا يخلق بيئة أكاديمية غير صحية، ويؤثر في مشاعر الانتماء والمساواة داخل الجامعة، لذلك، المطلوب ليس التصعيد أو خلق مواجهة، وإنما إعادة التفكير بسياسات أكثر توازنا، سياسات تحافظ على نزاهة الامتحانات وفي الوقت نفسه تحافظ على كرامة جميع الطلاب دون تمييز".
وقال الطالب آدم برانسي، ممثل كتلة "رؤية" في جامعة تل أبيب، لـ"عرب 48"؛ "بدأت القضية في شباط/ فبراير الماضي بالتزامن مع فترة امتحانات الفصل الأول، حين انطلقت هذه الممارسات من كلية الفنون قبل أن تنتقل إلى كليات أخرى في الجامعة، ونحن بدورنا رفضنا هذه الإجراءات جملة وتفصيلا، وتقدمنا بطلب رسمي للجامعة عبّرنا فيه عن رفضنا القاطع لهذه الممارسات، إلا أن الجامعة رفضت محاورتنا، بادّعاء أن التفتيش هو الحل الوحيد المطروح".
وحول الخطوات المقبلة للرد على قرارات الجامعة، قال برانسي، "نعمل على جمع التواقيع، وقد أطلقنا عريضة لتقديمها إلى إدارة الجامعة احتجاجا على هذه الممارسات، وفي حال لم نلمس أي تجاوب معنا سنلجأ إلى تصعيد النضال الطلابي، لكون ما يحدث يمثل مساسا بحرية الدين واستهدافا واضحا، لا سيّما أن الطالبات المحجبات يُخترن تحديدا، وليس كل الطلاب".
وعن مطالب الطلاب، أوضح برانسي أن هناك عدة مطالب أساسية، قائلا:
أولا، تعديل التعليمات الحالية لضمان عدم استهداف الطالبات المحجبات، والابتعاد عن أي مساس بكرامتهن وخصوصيتهن، والتعامل مع جميع الطلاب بمعايير متساوية دون تقييد الحريات بناء على ارتداء غطاء الرأس.
ثانيا، إصدار توضيح رسمي لكافة الكليات والمراقبين، يؤكد أن أي تعامل مهين، أو تمييزي أو استباقي مع الطالبات المحجبات يعد خرقا صارخا لتعليمات الجامعة وقيم المساواة والكرامة.
ثالثا، تعيين جلسة طارئة تجمع الممثلين عن القضية بإدارة الجامعة من أجل مناقشة تفاصيل الأزمة، وتوضيح موقف الطلاب العرب الحازم تجاه الثغرات والإشكاليات الموجودة في التعليمات الحالية".
وقال عضو كتلة "قبس" في جامعة حيفا، محمد تايه، لـ"عرب 48" "بدأت حالات التفتيش بشكل لافت خلال الفصل الأول من السنة الدراسية 2025–2026، وتحديدا في 16 شباط/ فبراير الماضي، حين وقع موقف صادم مع الطالبات، وذلك لمّا أقدمت المراقبة على تفتيش آذان الطالبات المحجبات أمام الجميع بحجة البحث عن سماعات، دون أن تفعل ذلك مع الطالبات غير المحجبات، ورغم محاولات الاعتراض على هذا الإجراء، إلا أن المراقبة صرحت بأن هذه هي التعليمات الصارمة المقررة".
وعن تأثير الحادثة في الطالبات، أوضح تايه أنه "بعد تواصل الطالبات من أعضاء الكتلة مع الزميلات اللاتي تعرضن للتفتيش، أجمعت الطالبات على أن الموقف تسبب لهن بمشاعر إهانة شديدة، ومس بخصوصيتهن وكرامتهن الشخصية، إذ كان بإمكان كل الحاضرين النظر إليهن في أثناء التفتيش، وأثر هذا العمل مباشرة في أدائهن الأكاديمي، إذ تسبب لهن بحالة من التوتر وفقدان التركيز، وأضاع جزءا من وقت الامتحان حتى تمكنت (الطالبات) من استعادة توازنهن والبدء في الإجابة عن الأسئلة".
وحول رد الجامعة على الحادثة، أشار إلى أنهم توجهوا إلى الأقسام والجهات المعنية في الجامعة، ووصلت منها عدة ردود رسمية، من بينها رد رئيسة الجامعة، بروفيسور منى مارون، التي أوضحت في رسالتها أن "إدارة الجامعة تولي أهمية كبيرة لنزاهة الامتحانات، وخلال الفترة الأخيرة اكتُشفت حالات غش باستخدام سماعات أذن، ولكن التفتيش يفترض أن يحدث فقط في حال وجود شبهات حقيقية وبشكل يحفظ الاحترام والخصوصية، وأن التعليمات لا تسمح بإجراء تفتيش جماعي أو استهداف أي فئة على أساس المظهر الخارجي أو الانتماء الديني"، إذ أن رئيسة الجامعة، "عبرت عن رفضها لأي تعامل غير لائق مع الطالبات أو أي تمييز على أساس ديني، وباشرت بفحص القضية فورا".
واختتم تايه حديثه بالقول "نطالب بتنفيذ جميع البنود والتفاهمات التي اتُّفق عليها خلال الاجتماع مع إدارة الجامعة، بما يضمن احترام خصوصية الطالبات وعدم المسّ بهن بسبب الدين، وكما نطالب بوضع أُسس واضحة تمنع تكرار هذه الممارسات في المستقبل، وتلزم المراقبين بالتعامل مع جميع الطلاب بطريقة متساوية تحفظ الخصوصية والاحترام داخل قاعات الامتحان، إلى جانب إصدار اعتذار رسمي وواضح إلى الطالبات اللاتي تعرضن لهذه الممارسات".
وقال الطالب إبراهيم عودة، عضو الجبهة الطلابية في جامعة حيفا لـ"عرب 48" إن، "ما يحدث للطالبات المحجبات في الجامعات الإسرائيلية ليس مجرد حوادث فردية، بل هو جزء من المناخ الفاشي المتصاعد في هذا المجتمع منذ الحرب على غزة عام 2023، وهذه الظاهرة ليست وليدة الحرب، إنما تصاعدت بقدر كبير (بعد اندلاع الحرب)، وتعكس هذه الظاهرة انتهاكا لكرامة الطالبات وحرية المعتقد، وهي تعكس الجو العام داخل المجتمع الإسرائيلي".
وفي سياق الرد على هذه الممارسات، أكد عودة أن "اليمين الإسرائيلي والحكومة يغذّيان هذه الممارسات، ولذلك فالمطلوب هو اتخاذ إجراءات عاجلة، تهدف إلى تعزيز الوعي بحقوق الفرد وحرية المعتقدات بين الطلاب والهيئة الأكاديمية، والعمل على إنشاء آليات شكاوى شفافة وفعالة لمحاسبة كل من يشارك في المضايقات، إذ إنه لا يمكن السماح لأي أحد باستخدام التمييز والترهيب كأداة لفرض الخوف داخل الحرم الجامعي".
واختتم حديثه برسالة إلى طلاب الجامعات بضرورة الوعي والتمسك بالحقوق، وقال "يجب أن نكون على وعي بحقوقنا وكرامتنا، وأن لا نتردد في التصدي لأي محاولة ترهيب أو تمييز، إذ يسعى المجتمع الإسرائيلي إلى نشر الفاشية داخل الجامعات، ولكنّ وحدتنا ووعينا بحقوقنا هو سلاحنا الأقوى، ولا يجب أن نسمح للخوف بأن يثنينا عن طلب العلم أو بالثني عن هويتنا".
وقالت سكرتيرة "جفرا"، التجمع الطلابي في جامعة تل أبيب، منى طه، لـ"عرب 48" إن "الممارسات التي تمارس بحق الطالبات المحجبات والتضييق عليهن ليست مجرد حوادث فردية، بل هي ظاهرة متصاعدة ومقلقة داخل الحيز الأكاديمي تجاه الطلاب العرب بشكل عام، والمحجبات بشكل خاص".
وأضافت أن "المساس بالطالبات والتدخل في شؤونهن بسبب حجابهن أو هويتهن أو لغتهن، يعتبر انتهاكًا لحقّهن الأساسي داخل الجامعة، التي من المفترض أن تكون مساحة للتعلم والحرية وليست للمراقبة، وما يحدث اليوم أمر مؤسف وبعيد كل البعد عن الواقع الأكاديمي المتساوي الذي يجب أن نعيش فيه".
ودعت طه إلى تحرك جماعي من قبل الحركات الطلابية، إذ قالت إنه "يجب أن تتّحد جميع الكتل الطلابية للرد الحازم على مثل هذه الممارسات، ورفض التعاطي معها كأمر طبيعي أو عابر، لأن الصمت عما يحدث اليوم سيفتح الباب أمام ممارسات تضييقية أخرى تستهدف الوجود العربي في الجامعات".
وأنهت طه حديثها برسالة إلى الطلاب بالقول "يجب ألا تكسر هذه الممارسات شعور الطلاب بالانتماء، فبالرغم من أن هذه التصرفات تسعى للأسف لإشعار الطلاب بأنهم موجودون في بيئة غير مرحب بهم فيها، إلا أن العكس هو الصحيح، فوجودنا في هذه المؤسسات التعليمية هو حق أساسي وانتزاع طبيعي وليس منّة من أحد، لذلك، يتوجب علينا الاستمرار والتمسك بهويتنا، وألا نسكت أو نتغاضى عن أي انتهاك أو ممارسة عنصرية بحقنا".