يُستدل من بحث عميق أجرته مؤسسة "بطيرم" لأمان الأولاد في بداية العام الحالي، ونُشرت نتائجه قبل أيام معدودة، أنه في شهري كانون الثاني/ يناير وشباط/ فبراير 2026، وقبل أيام معدودة من اندلاع الحرب مجددًا مع إيران، سُجلت في البلاد قفزة حقيقية وغير اعتيادية في وفيات الأطفال نتيجة الإصابات غير المتعمدة.
وكشفت المعطيات عن 23 حالة وفاة بين الأطفال (15 حالة في شهر كانون الثاني و8 حالات في شباط). وتُعتبر هذه المعطيات قياسية على الإطلاق مقارنة بسائر الأشهر الأولى من الأعوام السابقة (والتي تتشابه فقط مع عامي 2014 و2017 من حيث وفيات الأطفال).
وتطرقت "بطيرم" إلى أهم العوامل والأسباب التي تقف وراء ظاهرة ارتفاع وفيات الأطفال من جيل الولادة حتى جيل 17 عامًا بسبب حوادث غير متعمدة، حيث قالت إنه من المرجّح أن الفترة المتوترة التي سبقت الحرب مع إيران خلقت في البلاد ما يشبه "روتين طوارئ مسبق". فقد كانت الأجواء العامة تمهيدًا للحرب مشحونة بالقلق الوجودي والضغط النفسي والاكتئاب، ورافق ذلك استهلاك مكثف للأخبار (وهي ظاهرة تُعرف باسم "Doomscrolling" أو التصفح السوداوي للأخبار، والمعروفة بكونها محفزًا للضغط والقلق بحد ذاته).
هذا التوتر، بحسب البحث، تسبب في خلق عبء إدراكي ومعرفي ثقيل لدى الآباء والمربين، مما أدى إلى حالة من "العمى الانتباهي" (Inattentional blindness). والمقصود بذلك أن الوالد أو الوالدة أو البالغين على حد سواء قد يكونون حاضرين جسديًا بجانب الأطفال، لكن عقولهم تكون مستغرقة ومثقلة بالتهديد الأمني إلى درجة تجعلهم يعجزون عن ملاحظة الأخطار اليومية الملموسة في البيئة المحيطة. هذا الوضع استنزف الجاهزية العاطفية لدى الوالدين وألحق ضررًا بليغًا بالمراقبة والإشراف الروتيني على الأطفال.
وعن الفئات الأكثر عرضة للإصابة والوفاة نتيجة ذلك، أكدت "بطيرم" أن معطيات البحث أظهرت أن نسبة الضحايا التي رُصدت خلال الشهرين المذكورين بسبب حوادث الطرق وصلت إلى 61% من مجمل حالات الوفاة (14 طفلًا من أصل 23)، مع العلم أن الأغلبية الساحقة من هؤلاء الضحايا (57%) كانوا من المشاة.
كما أشارت المعطيات أيضًا إلى أن 93% من الضحايا الأطفال الذين توفوا بسبب حوادث الطرق كانوا من الذكور (الفتيان). وكانت الفئات العمرية الأكثر عرضة للإصابة هي الأطفال في سن الطفولة المبكرة (0 - 4 سنوات) والفتية في سن المراهقة (10 - 14 سنة).
إلى جانب ذلك، شكّل الأطفال من المجتمع العربي 43% من إجمالي الوفيات، على الرغم من أنهم يمثلون نحو 24% فقط من مجمل شريحة الأطفال في إسرائيل. أما في المجتمع اليهودي، فقد شكّل الأطفال من المجتمع المتديّن (الحريديون) 60% من الوفيات الناجمة عن حوادث الطرق.
كما أظهرت المعطيات أن 70% من الأطفال الذين لقوا حتفهم كانوا يقطنون في بلدات تُصنّف ضمن العناقيد الاقتصادية والاجتماعية المتدنية (1 - 3). وفي هذه الأحياء والبلدات، التي تفتقر أصلًا إلى مساحات لعب آمنة وتتميز بشوارعها الضيقة، تحوّل تراجع انتباه الأهالي بسبب القلق العام إلى عامل أكثر فتكًا بأضعاف مضاعفة.
وفي ظل هذه المعطيات، توصي مؤسسة "بطيرم" لأمان الأولاد بأهمية تقديم الدعم النفسي للأهالي، وتحسين البنى التحتية الخاصة بالأمان مسبقًا في المجتمعات الضعيفة والمهمّشة.
وكانت "بطيرم" قد أجرت قبل نحو عامين ونصف بحثًا إضافيًا بعد أحداث السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023 حول إصابات الأطفال وعلاقتها بالواقع الأمني الذي ساد البلاد آنذاك، حيث خلص هذا البحث إلى أن الفترات التي تتميز بما يُعرف باسم "روتين الطوارئ" - أي الفترة التي تلي الأيام الأولى من بدء الحرب - تشهد أيضًا تراجعًا ملحوظًا في جودة إشراف الوالدين وانتباههم للأطفال مقارنة بفترات السلم أو حتى خلال فترات إغلاقات كورونا؛ حيث يتسبب التوتر والقلق المستمر والنزوح إلى بيئات غير مألوفة في عبء إدراكي يشتت الأهل عن حماية أطفالهم، مما يؤدي إلى قفزة في معدلات وفيات الأطفال وإصاباتهم بحوادث غير متعمدة.
وتحدثت المديرة العامة لمؤسسة "بطيرم" لأمان الأولاد، أورلي سيلفنغر، حول هذه المعطيات قائلة: "رصدنا مؤخرًا قفزة حادة ومقلقة في عدد إصابات الأطفال الناجمة عن الحوادث غير المتعمدة، وهي ظاهرة بدأت وتفاقمت مع الضغوط النفسية وحالات الطوارئ التي سبقت ورافقت الأوضاع الأمنية المعقدة التي عشناها في البلاد في ظل شلل الروتين والتوتر المستمر، لا سيما في الشمال الذي شهد مواجهة حقيقية. ومع الأسف، في هذا الوقت الذي تواجه فيه العديد من العائلات ظروفًا معيشية مركبة يسودها القلق والضبابية، فإن الانشغال بأمان الأطفال والوقاية من الحوادث ليس أمرًا هامشيًا، بل هو حاجة أساسية ومطلب أساسي ومهم لإنقاذ الأرواح".