من مهنة معترف بها إلى البطالة: قانون واحد غيّر مصير مئات فنّيّي الأشعة

يُشكّل فنّيو الأشعة ركيزة أساسية في المنظومة الصحية، لاعتماد التشخيص الطبي بشكل متزايد على تقنيات التصوير. غير أن هذا القطاع يشهد تحولات تنظيمية متسارعة في شروط المهنة، ما انعكس على أوضاع العاملين فيه وأثار جدلًا واسعًا حول تداعياته.

من مهنة معترف بها إلى البطالة: قانون واحد غيّر مصير مئات فنّيّي الأشعة

توضيحية (Getty Images)

فُصل مئاتُ فنّيّي الأشعة من أماكن عملهم خلال العام الأخير، فيما ينتظر آخرون مصيرًا مشابهًا، في أعقاب التطبيق الكامل لقانون التصوير الطبي الذي دخل حيّز التنفيذ عام 2025، وأعاد رسم شروط مزاولة المهنة بصورة غيّرت واقع مئات العاملين فيها، ولا سيما خريجي المؤسسات التعليمية في مناطق السلطة الفلسطينية.

ويهدف القانون إلى "تنظيم مهنة التصوير الطبي من خلال فرض نظام ترخيص حكومي للمرة الأولى، يشترط الحصول على شهادة أكاديمية معترف بها، واستكمال تدريب عملي واجتياز امتحانات مهنية. كما يُعدّ العمل دون ترخيص مخالفة جنائية قد تترتب عليها عقوبات بحق العامل والمؤسسة المشغّلة".

تطبيق القانون بأثر رجعي ألغى الاعتراف بعدد من الشهادات التي حصل عليها فنّيو أشعة درسوا في جامعات فلسطينية في جنين ونابلس وشرقي القدس وغيرها، رغم أن كثيرين منهم عملوا سنوات طويلة داخل المستشفيات ومعاهد التصوير.

وتشير المعطيات إلى أن سجل وزارة الصحة يضم نحو 2700 فنّي تصوير طبي، يعمل منهم ما بين 85% و90% في المهنة، فيما تشير تقديرات إلى أن ما لا يقل عن ثلثهم تلقّوا تعليمهم خارج البلاد، وبشكل أساسي في جامعات فلسطينية. وكانت شهاداتهم تحظى في السابق باعتراف وزارة الصحة.

كما اشترطت الأنظمة الانتقالية للحصول على ترخيص تلقائي أن يكون الفنّي قد عمل خلال السنوات الثلاث السابقة لنشر القانون بوظيفة متواصلة بنسبة 100%، وهو شرط لم يستوفه كثيرون ممن عملوا في أكثر من مؤسسة أو ضمن نظام التشغيل الخارجي.

وأُتيح لمن عملوا بين ستة أشهر وثلاث سنوات قبل نشر القانون استكمال 1290 ساعة تدريب عملي والتقدّم لامتحان الترخيص، إلا أن هذه المهلة انتهت في آب/ أغسطس 2025، ما حرم كثيرين من استكمال التدريب أو حتى دخول الامتحانات.

ولا تقتصر التغييرات على شروط الترخيص فحسب، إذ تفرض الأنظمة الجديدة قيودًا إضافية على مزاولة المهنة، بحيث يُسمح لمن عملوا في العيادات وصناديق المرضى فقط بالاستمرار في تلك الأطر دون المستشفيات. كما يُقيَّد بعض الفنيين بالعمل على نوع واحد من أجهزة التصوير، مثل الأشعة السينية أو التصوير بالرنين المغناطيسي أو الموجات فوق الصوتية، خلافًا لما كان معمولًا به سابقًا، حين كان بالإمكان العمل على أكثر من جهاز.

ويأتي ذلك في وقت يشهد فيه قطاع التصوير الطبي نموًا متسارعًا في الطلب على خدماته، إذ ارتفع عدد فحوصات الرنين المغناطيسي خلال عقد واحد من نحو 250 ألف فحص سنويًا إلى أكثر من 500 ألف فحص، فيما تجاوز عدد فحوصات التصوير المقطعي 1.3 مليون فحص سنويًا. وتُعدّ هذه الخدمة إحدى الركائز الأساسية لاتخاذ القرارات الطبية، ما يثير مخاوف من أن يؤدي النقص في الكوادر البشرية إلى تعميق الأزمة والإضرار بالخدمات المقدّمة للمرضى.

القانون وأهدافه المعلنة والنتائج على أرض الواقع

حول القانون وتأثيره، قال فنّي الأشعة والممرض فراس زرقاوي لـ"عرب 48"، وهو خريج تخصص التصوير الطبي من الجامعة العربية الأميركية في جنين عام 2018، إن "القانون أُقرّ عام 2023 على أساس أنه يهدف إلى تطوير مهنة التصوير الطبي وتنظيمها، لكن التطبيق العملي أثبت أنه ألحق ضررًا كبيرًا بفنّيّي الأشعة، وأحدث تمييزًا واضحًا بين فئات العاملين والخريجين، بدلًا من أن ينظّم المهنة ويطوّرها".

فراس زرقاوي

وأضاف زرقاوي: "قسّم القانون العاملين إلى فئتين: فئة الخريجين الذين عملوا أكثر من ثلاث سنوات في أقسام الطوارئ، وفئة الخريجين الذين عملوا في مراكز أشعة محلية. وتخضع الفئة الثانية لقيود واسعة تمنع أفرادها من العمل في أماكن كثيرة، ولا سيما المستشفيات التي تضم أقسام طوارئ، وهو ما انعكس بصورة مباشرة على فرص العمل. أما المنتمون إلى الفئة الأولى فيحصلون على ترخيص يتيح لهم العمل في جميع المؤسسات الصحية".

وتابع: "لا يقتصر الأمر على ذلك، فهناك أشخاص عملوا سنوات طويلة بنصف وظيفة، أو عملوا في مكانين مختلفين بنصف وظيفة في كل منهما، ولم يحصلوا على الترخيص رغم سنوات خبرتهم، ما أدى إلى فقدان عدد كبير منهم وظائفهم".

التقييدات المفروضة على التراخيص

يوضح زرقاوي أن "التقييدات التي يفرضها القانون واسعة جدًا، فالشخص الذي يحمل ترخيصًا مقيّدًا في مجال معين لا يستطيع العمل في أي مجال آخر ضمن المهنة. ومن يحمل ترخيصًا في التصوير العادي لا يستطيع الانتقال للعمل في مجالات أخرى، كما أن من يحمل ترخيصًا في التصوير المقطعي (CT) لا يستطيع العمل في مستشفى يضم قسم طوارئ، حتى لو كان مؤهلًا لذلك".

ويشير إلى أنه "شخصيًا أحمل شهادة في التصوير المقطعي، لكن إذا كان ترخيصي مقيّدًا فلا أستطيع العمل في مستشفى يضم قسم طوارئ، بل أبقى محصورًا في المراكز التي لا تضم أقسام طوارئ، كما لا أستطيع العمل في مجالات تصوير أخرى خارج نطاق الترخيص الممنوح لي".

ويبيّن زرقاوي أن "هذه السياسة خلقت فجوات كبيرة في سوق العمل، خصوصًا في منطقتي الجليل والمثلث، حيث تعاني المراكز الطبية أصلًا من نقص في الكوادر. وأصبحت هذه المراكز تدفع مبالغ كبيرة لاستقطاب فنّيّي الأشعة دون أن تجد العدد الكافي، فيما تفرض وزارة الصحة مخالفات وعقوبات على أي جهة تشغّل فنّي أشعة من دون الترخيص المطلوب، ما أدى إلى تعميق أزمة نقص الأيدي العاملة وانعكس بصورة مباشرة على المرضى".

خريجو الجامعات الفلسطينية وإغلاق باب استكمال الدراسة

يفصّل زرقاوي حجم الضرر الذي لحق بخريجي الجامعات الفلسطينية، قائلًا: "هناك عدد كبير من الطلاب الذين بدأوا دراستهم قبل صدور القانون على أساس أن المجال مفتوح أمامهم، سواء درسوا في الجامعات الفلسطينية أو خارج البلاد، ثم وجدوا أنفسهم بعد التخرج بلا فرصة عمل. والمشكلة أن القانون لم يمنحهم حتى فرصة استكمال الدراسة أو استيفاء النواقص المطلوبة. ففي المقابل، أُتيحت برامج استكمال لخريجي مؤسسات تعليمية داخل إسرائيل، بينما أُغلق هذا الباب أمامنا تمامًا".

ويؤكد أن "نصّ القانون على أن من يرغب في التسجيل ببرامج الاستكمال يجب أن يكون حاصلًا على لقب أول وأن يكون قد درس داخل إسرائيل، وهو ما يعني عمليًا إغلاق المجال بالكامل أمام خريجي الجامعات الفلسطينية. وبمعنى آخر، يجد الطالب الذي أمضى سنوات من عمره وأنفق أموالًا طائلة على الدراسة نفسه أمام شهادة لا يستطيع الاستفادة منها داخل الدولة، وكأن سنوات الدراسة ذهبت هباءً".

انعكاسات القانون على المرضى والمنظومة الصحية

يتطرق زرقاوي إلى انعكاسات القانون على المرضى، قائلًا: "كان الهدف المعلن للقانون تطوير المجال، لكن النتيجة كانت الإضرار بالعاملين وبالمرضى في الوقت نفسه. فقد أدى النقص في فنّيّي الأشعة إلى زيادة فترات الانتظار لإجراء الفحوصات المختلفة، بما فيها الفحوصات الحساسة والطارئة، مثل التصوير المرتبط بالإصابات والكسور وغيرها من الحالات التي تتطلب تشخيصًا سريعًا".

حجم المتضررين ومحاولات الاعتراض

ويكشف زرقاوي أن المئات من خريجي الجامعات الفلسطينية من بين المتضررين، مضيفًا: "أنشأنا مجموعة تضم نحو 600 شخص، وقدمنا اعتراضات على القانون خلال عامي 2023 و2024، لكن الملف أُغلق في نهاية المطاف، ولم تُفضِ هذه الاعتراضات إلى أي تغيير فعلي، ليدخل القانون حيّز التنفيذ خلال العام الماضي".

ويشدد على أن "كثيرًا من العاملين كانوا يواصلون عملهم بصورة طبيعية قبل دخول القانون حيّز التنفيذ، حتى وإن لم يكونوا قد حصلوا بعد على الترخيص، لكن مع بدء تطبيقه بدأت المراكز الصحية تشعر بالنقص الحقيقي في الكوادر".

هل يستهدف القانون خريجي الجامعات الفلسطينية؟

ويشرح زرقاوي: "خلال جلسات مناقشة القانون كان الحديث يدور عن خريجي الخارج بصورة عامة، حتى لا يبدو الأمر وكأنه يستهدف جهة معينة. لكن عمليًا، وعندما أُثيرت الاعتراضات المتعلقة بشمول خريجين من دول أخرى، جرى التركيز بصورة أكبر على خريجي جامعات الضفة الغربية، باعتبار أنهم يشكلون النسبة الأكبر من فنّيّي الأشعة العرب العاملين في الدولة".