خاص بـ"عرب 48" | التحريض على عرب النقب في وسائل التواصل الاجتماعي

يكشف تحليل حديث عن انتشار الخطاب التحريضي والعنصري ضد المجتمع العربي البدوي في النقب في وسائل التواصل الاجتماعي، حيث تتقاطع روايات التضليل مع الصور النمطية السلبية.

خاص بـ

فلسطينيون في النقب يحتجون على هدم المنازل، في بئر السبع، 25 حزيران 2026 (Getty Images)

يواجه المجتمع العربي في البلاد، وخصوصًا أبناء المجتمع البدوي في النقب، حملةً متواصلة من التحريض والخطاب العنصري في الفضاء الرقمي، وسط انتشار متزايد للمعلومات المضللة والمضامين التي تكرّس الصور النمطية السلبية. وتسهم هذه الخطابات في التأثير على الرأي العام وإعادة إنتاج تصورات مشوّهة عن المجتمع البدوي، بما يعمّق مظاهر التهميش والعداء تجاهه.

ويكشف بحث مشترك أعدّه مركز "أكورد" ومؤسسة "فايك ريبورتر" أن 56% من الخطاب الرقمي في المجتمع اليهودي المتعلق بالمجتمع البدوي يحمل مضامين سلبية، فيما تتركز 34% من هذه المضامين في خطابات عنصرية واستخدام أوصاف تهكمية بحق البدو، مقابل 26.5% تتمحور حول قضايا الحوكمة والسيادة، إلى جانب استخدام أوصاف ومصطلحات تهكمية تستهدف البدو بصورة مباشرة.

وتشير نتائج الدراسة إلى أن هذا الخطاب يربط، بصورة ممنهجة، بين الجرائم الجنائية اليومية والتهديدات الأمنية والقومية، ما يساهم في إنتاج صورة ذهنية تقدّم المجتمع البدوي بوصفه تهديدًا مزدوجًا، الأمر الذي يعزز مشاعر الخوف والعداء لدى الجمهور اليهودي.

كما أظهرت الدراسة أن سبعة حسابات فقط تنتمي إلى اليمين المتطرف على منصة "إكس" تقف وراء نحو 20% من إجمالي المشاهدات، بما يقارب مليوني مشاهدة، رغم أن مساهمتها لا تتجاوز 2% من المحتوى المنشور.

ويخلص التقرير إلى وجود فجوة واسعة بين الواقع الفعلي للمجتمع البدوي وبين صورته المتداولة رقميًا، إذ تسهم حملات التضليل والخطاب التحريضي في تشويه الوعي العام وتوفير غطاء شعبي لسياسات أكثر تشددًا، ما يعمّق مظاهر التهميش والإقصاء التي يواجهها البدو على أرض الواقع.

رصد الخطاب المتداول تجاه البدو في النقب

غسان مطر

وفي حديثه لـ"عرب 48"، يقول الباحث في منصات التواصل الاجتماعي، والمختص في التحري من خلال المصادر المفتوحة في منظمة "فايك ريبورتر"، غسان مطر، إن "الدراسة انطلقت بالتعاون مع معهد "أكورد"، الذي سعى إلى فحص الخطاب المتداول بين اليهود والعرب في النقب عبر منصات التواصل الاجتماعي، بهدف تكوين صورة حول كيفية نظر كل طرف إلى الآخر وطبيعة النقاش الدائر في الفضاء الرقمي".

ويضيف مطر أن "فريق البحث جمع عينات من المنصات الأكثر استخدامًا، وهي فيسبوك وإنستغرام وتيك توك ومنصة إكس، عبر أدوات رقمية مخصّصة لرصد المحتوى باللغة العربية والعبرية، وشملت العينة نحو 1200 منشور وتعليق، بواقع قرابة 300 نص من كل منصة، قبل إخضاعها لتحليل يدوي مفصل".

أغلبية الخطاب العبري اتسمت بالسلبية

وبحسب مطر، أظهرت نتائج التحليل أن 56% من النصوص العبرية التي تناولت مواضيع حول المواطنين البدو حملت مضامين سلبية، فيما جرى تصنيف هذه المضامين إلى عدة فئات رئيسية.

ويشير مطر إلى أن "الخطاب العنصري شكّل النسبة الأكبر من المحتوى السلبي، إذ مثّل نحو 40% منه، وتمثل في تشويه صورة البدو واستخدام أوصاف ومصطلحات ذات دلالات مهينة وعنصرية. كما برزت مضامين أخرى ربطت المواطنين البدو بقضايا أمنية أو قدّمتهم باعتبارهم تهديدًا أمنيًا، إلى جانب خطاب ركّز على الجريمة والعنف وربطهما بالمجتمع البدوي بصورة جماعية".

ويتابع مطر: "في المقابل، كان حجم الخطاب الإيجابي محدودًا للغاية، ولم تتجاوز نسبته خمس المحتوى المرصود، كما أن جزءًا كبيرًا منه ارتبط بأحداث عسكرية أو أمنية، فيما اقتصر الخطاب الإيجابي الحقيقي الداعي إلى التعايش أو الشراكة على عدد ضئيل جدًا من المنشورات".

تأثير الحسابات اليمينية المنظمة

ويلفت مطر إلى أن "تحليل منصة إكس كشف معطيات لافتة تتعلق بمصادر التأثير في تشكيل الرأي العام. فقد جرى رصد نحو 12 ألف نص ومنشور باللغة العبرية خلال فترة الدراسة، حصدت مجتمعة ما يقارب 10 ملايين مشاهدة".

ويتابع مطر أن "سبعة حسابات فقط، تنتمي إلى جهات وشخصيات من اليمين الاستيطاني والمتطرف، كانت مسؤولة عن نحو 250 منشورًا فقط، أي ما نسبته 2% من إجمالي المنشورات، لكنها استحوذت على ما يقارب مليوني مشاهدة، أي نحو 20% من إجمالي المشاهدات، رغم أنها لا تمثل سوى نسبة ضئيلة جدًا من حجم المحتوى المنشور".

ويشير مطر إلى أن "الخطاب الصادر عن هذه الحسابات، التي تعود لشخصيات وجمعيات وصحافيين يمينيين، ركّز بصورة أساسية على قضيتي الأمن والجريمة، إلى جانب المضامين العنصرية، ما منحها تأثيرًا واسعًا في تشكيل الصورة النمطية عن المواطنين البدو في النقب".

تزامن بين التصعيد الرقمي والأحداث الميدانية

ويذكر مطر أنه "لاحظ خلال متابعته للمحتوى المنشور وجود تزامن بين ارتفاع وتيرة النشر في هذه الحسابات وبين فترات شهدت عمليات هدم منازل وقرى أو احتجاجات في النقب، خصوصًا خلال الأشهر الأولى من عام 2025".

ويؤكد مطر أن "هذه الملاحظة لا تثبت وجود علاقة سببية مباشرة بين الأمرين، لكنها تبرز توازيًا لافتًا بين تصاعد الخطاب التحريضي على الشبكات الاجتماعية وتصاعد الأحداث الميدانية في المنطقة".

انعكاسات على الإعلام والرأي العام

ويرى مطر أن "تأثير هذا الخطاب لا يقتصر على وسائل التواصل الاجتماعي، بل يمتد إلى وسائل الإعلام التقليدية أيضًا، التي غالبًا ما تتناول النقب من زاوية الجريمة أو ما يُسمّى الانفلات الأمني، بينما تغيب الجوانب الأخرى من حياة المجتمع البدوي".

ويشير مطر إلى أن "بعض القضايا التي بدأت على منصات التواصل الاجتماعي انتقلت لاحقًا إلى وسائل إعلام مركزية باللغة العبرية، الأمر الذي يعكس حجم التأثير المتبادل بين الفضاء الرقمي والإعلام التقليدي في إنتاج الصور النمطية وتكريسها".

غياب السردية العربية

ويقول مطر إن "إحدى النتائج البارزة للدراسة تمثلت في غياب خطاب عربي واسع أو منظم يقابل الخطاب العبري المرصود، فالمحتوى العربي المتعلق باليهود أو بالدولة كان محدودًا جدًا من حيث الحجم، إلى درجة لا تسمح ببناء تحليل مماثل أو استخلاص اتجاهات واضحة".

ويعزو مطر ذلك إلى "حالة التضييق والخشية لدى المواطنين العرب، ولا سيما في النقب، في ظل الاستدعاءات والتحقيقات التي تطاول العديد من المستخدمين خلال الفترة الأخيرة بسبب منشورات أو تفاعلات على الشبكات الاجتماعية".

ويضيف مطر أن "هذا الواقع يخلق فراغًا في الفضاء الرقمي، يسمح للحسابات اليمينية المتطرفة بالهيمنة على النقاش العام، دون وجود سردية مقابلة قادرة على موازنة الخطاب أو تقديم صورة مختلفة".

ويختم مطر بالتشديد على أن منصات التواصل الاجتماعي ليست انعكاسًا كاملًا للواقع، رغم قدرتها على التأثير فيه وتوجيهه، ويرى أن مواجهة الخطاب التحريضي لا تتم فقط عبر المنصات الرقمية، وإنما من خلال الحضور والتواصل والعمل المشترك على أرض الواقع.