يستمر التوتر في المنطقة مع مساعي دبلوماسية متواصلة من أجل استئناف المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران والتوصل إلى اتفاق بينهما، في ظل تزايد المخاوف من تداعيات تجدد الحرب واستمرار إغلاق مضيق هرمز على الملاحة الدولية وأسواق الطاقة.
وفي الأثناء، يتحدث مسؤولون في الإدارة الأميركية عن اتفاق محتمل مع إيران بشأن إعادة فتح مضيق هرمز الإستراتيجي، إذ يشيرون إلى تقدم في المحادثات الجارية، وهو ما لم تؤكده طهران بعد في وقت تنفي وجود مفاوضات مباشرة مع واشنطن واستمرار تمسكها بموقفها بشأن المضيق.
وبهذا الصدد، حاور "عرب 48" الباحث والمحاضر في شؤون الشرق الأوسط، د. عبد كناعنة، بشأن مآلات أي تصعيد محتمل، وحسابات واشنطن وطهران، واحتمالات تجدد الحرب، وانعكاسات مضيقي هرمز وباب المندب على الاقتصاد العالمي.
"عرب 48": في ظل التصعيد الحالي، هل ترى إمكانية اتساع نطاق الحرب والذهاب نحو مواجهة أكبر خلال الفترة المقبلة؟
كناعنة: مبدئيًا، لا يوجد شيء مستبعد، خصوصًا مع إدارة مثل إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، ومع وجود الحكومة الإسرائيلية الحالية التي قد ترى في توسيع نطاق الحرب مصلحة لها قبيل الانتخابات. لكن رغم ذلك، لا أرى أن الاحتمال الأكبر هو الذهاب إلى حرب شاملة، وإذا حدث تصعيد إضافي فمن المرجح أن يأخذ شكل ضربات مشابهة لما شهدناه في الآونة الأخيرة، وربما بوتيرة أعلى قليلًا، لكن ليس أكثر من ذلك.
الولايات المتحدة، وترامب تحديدًا، يحاولان استهداف مقدرات في جنوب إيران، في مقابل قدرة إيران على الرد من خلال استهداف الدول العربية والقواعد الأميركية الموجودة فيها. وإذا قررت واشنطن الانتقال إلى حرب أوسع، يصبح السؤال الأساسي: ما الذي يمكن أن تحققه من مكاسب فعلية، خصوصًا في ظل المعادلة التي تشكلت والمكاسب التي أصبحت تمتلكها إيران، وفي مقدمتها ورقة مضيق هرمز؟
القضية الأساسية بالنسبة إلى ترامب اليوم لم تعد كما كانت قبل هذه الحرب. فالمسألة المركزية حاليًا ليست الصواريخ الإيرانية، ولا إسقاط النظام، ولا بقية الأهداف التي يجري الحديث عنها، وإنما أصبحت مرتبطة بمضيق هرمز وما يترتب على الوضع فيه من تداعيات اقتصادية. فإيران تستطيع استخدام هذه الورقة وقطع أو تعطيل حركة الملاحة عبر المضيق، وإذا حدث ذلك، فإن التداعيات لن تبقى محصورة في المواجهة العسكرية، بل ستتحول إلى أزمة اقتصادية واسعة.
لذلك، أستبعد أن يذهب ترامب إلى تصعيد مفتوح أو خطوات أكبر بكثير، لأنه لا يملك ضمانة بأن يخرج منتصرًا من مواجهة كهذه، ولا بأن تحقق الولايات المتحدة المكاسب التي تريدها. وعلى العكس، فإن توسيع المواجهة قد يمنح إيران أوراق ضغط إضافية، خصوصًا في الملف الاقتصادي ومضيق هرمز، ويزيد من كلفة الحرب على الولايات المتحدة والاقتصاد العالمي.
"عرب 48": هل ساهمت الحرب في تعزيز تماسك النظام الإيراني داخليًا بدلًا من إضعافه؟
كناعنة: النظام الإيراني، في الوقت الحالي، أكثر تماسكًا مما كان عليه قبل الحرب. وحتى شهر شباط/ فبراير الماضي، كنا نتحدث عن مظاهرات وتحركات داخلية ضد النظام على خلفية الوضع الاقتصادي وغيره من الأزمات، وكانت هناك حالة من المعارضة والاحتجاج في الشارع الإيراني، لكن اندلاع الحرب أدى عمليًا إلى تغيير هذا الواقع.
مع بدء المواجهة، أصبح قسم كبير، حتى من المعارضة الإيرانية، يرى أن هذا ليس وقت الخلافات الداخلية مع النظام، لأن البلاد تتعرض، من وجهة نظرهم، لاعتداء من الولايات المتحدة وإسرائيل. لذلك، برز توجه يدعو إلى وضع الخلافات الداخلية جانبًا والوقوف صفًا واحدًا في مواجهة هذا الاعتداء.
هذه الحالة ليست جديدة تاريخيًا في إيران، إذ توجد روح قومية ووطنية عالية لدى الإيرانيين، وهي حاضرة أيضًا لدى قطاعات من المعارضة، بغض النظر عن موقفها من النظام أو خلافها معه. فقد تكون هناك معارضة شديدة للسلطة ولسياساتها، لكن عندما يتعلق الأمر باعتداء خارجي على إيران، يظهر التفاف وطني من نوع مختلف.
وبالتالي، فإن الحرب لم تؤدِّ، حتى الآن، إلى إضعاف النظام من الداخل بالشكل الذي ربما كان يراهن عليه البعض، بل حدث العكس إلى حد كبير، إذ ساهم الاعتداء الخارجي في تخفيف حدة الخلافات الداخلية مؤقتًا، ودفع قطاعات من المعارضة إلى الاصطفاف إلى جانب الدولة في مواجهة الولايات المتحدة وإسرائيل، ما جعل النظام الإيراني أكثر تماسكًا مقارنة بما كان عليه قبل اندلاع الحرب.
"عرب 48": أين تقف إسرائيل من كل ما يحدث، وإلى أي مدى توجد رغبة إسرائيلية في تجدد الحرب؟
كناعنة: الحكومة الإسرائيلية معنية جدًا بتجدد الحرب، وذلك لحساباتها الخاصة. فدخول الحرب إن تجددت ليس بالضرورة في مصلحة إسرائيل كدولة، لكنه قد يكون في مصلحة الحكومة الإسرائيلية الحالية سياسيًا، خصوصًا في ظل حساباتها الداخلية واقتراب الانتخابات.
في المقابل، لا تبدو الولايات المتحدة والإدارة الأميركية معنيتين، في هذه المرحلة، بانخراط إسرائيل، كما أن إيران ليست معنية بجرّ إسرائيل إلى المواجهة. ولذلك، فإن الطرف الأكثر مصلحة هو الحكومة الإسرائيلية الحالية.
ومن الناحية العسكرية، فإن تجدد الحرب ودخول إسرائيل إليها لن يغيّر كثيرًا في مسار المواجهة، لأن الولايات المتحدة تقوم بالدور الذي تراه كافيًا لتحقيق أهدافها.
"عرب 48": هناك تقارير تتحدث عن محاولة عزل جنوبي إيران عن عمقها، تمهيدًا لدخول بري والسيطرة على مناطق ساحلية وجنوبية قريبة من مضيق هرمز. إلى أي مدى يبدو هذا السيناريو منطقيًا؟
كناعنة: أستبعد جدًا سيناريو الدخول البري إلى إيران في الوقت الحالي. فهذه الحرب لا تحظى بدعم شعبي داخل الولايات المتحدة، بمعنى أن الأميركيين ليسوا مستعدين لرؤية أعداد كبيرة من جنودهم يعودون قتلى. كما أن الولايات المتحدة مقبلة على انتخابات الكونغرس، ووضع الحزب الجمهوري ليس جيدًا، وكل هذه المعطيات تؤكد أن الدخول في حرب برية ستكون له كلفة سياسية وعسكرية وبشرية كبيرة على الإدارة الأميركية.
إيران ليست كأي دولة أخرى؛ فهي أشبه بشبه قارة من حيث المساحة، ويقطنها عدد كبير جدًا من السكان، إلى جانب امتلاكها جيشًا ضخمًا وقويًا نسبيًا. وأي دخول بري إلى الأراضي الإيرانية قد يؤدي إلى سقوط مئات، وربما آلاف، القتلى الأميركيين. والسؤال هنا: هل تستطيع الإدارة الأميركية تحمل مثل هذه الخسائر وتبعاتها داخليًا؟ أستبعد ذلك.
إضافة إلى ذلك، هناك تهديدات إيرانية واضحة بأن أي إنزال بري داخل الأراضي الإيرانية لن تواجهه طهران بالدفاع عن أراضيها فقط، وإنما قد ترد بعمليات برية وتحركات في بعض دول الخليج، ومن بينها البحرين.
والوضع في البحرين حساس أصلًا، وغالبية السكان تعارض الحكومة، وبالتالي فإن أي تدخل إيراني هناك قد يؤدي إلى تحولات داخلية كبيرة. والسؤال هو: هل دول الخليج مستعدة لتحمل سيناريو كهذا وما قد ينتج عنه من تغيير سياسي أو انقلاب على الوضع القائم؟
ولم تقتصر التهديدات الإيرانية على البحرين، بل شملت أيضًا الكويت والإمارات في حال أقدمت الولايات المتحدة على تدخل بري داخل الأراضي الإيرانية. لذلك، فإن القضية ليست بهذه السهولة، وأي خطوة من هذا النوع قد تؤدي إلى فتح جبهات إضافية وتوسيع نطاق الحرب في الخليج.
"عرب 48": يجري الحديث في الإعلام الأميركي عن إمكانية تنفيذ إنزالات عسكرية في جزر أبو موسى وطنب الكبرى وطنب الصغرى (التي تطالب الإمارات بالسيادة عليها)، بهدف فرض سيطرة أو إنشاء منطقة حماية قرب مضيق هرمز. هل ترى إمكانية لذلك؟
كناعنة: هذا السيناريو ممكن من الناحية النظرية، وقد يحاول الأميركيون الإقدام على خطوة من هذا النوع، لكن المشكلة الأساسية هي أنك تعرف كيف تبدأ المعركة، ولا تعرف كيف تنهيها. والتجارب التاريخية مع إيران تؤكد أن فتح مواجهة معها قد يؤدي إلى نتائج مختلفة تمامًا عن الحسابات الأولية.
ففي عام 1980، كانت إيران أضعف بكثير مما هي عليه اليوم، وعندما دخل العراق، بقيادة صدام حسين، الحرب ضدها، كان الاعتقاد السائد أن الحرب ستنتهي خلال فترة قصيرة، لكنها استمرت حتى عام 1988. وكان من الممكن أن تتوقف في مرحلة مبكرة، لكن إيران قررت مواصلة القتال، ما أدى إلى امتداد الحرب سنوات إضافية.
وأي إنزال أو اعتداء جديد قد يبدأ كعملية محدودة، لكن لا أحد يستطيع ضمان بقائه ضمن هذه الحدود. واليوم، توجد حالة التفاف شعبي واسعة داخل إيران في مواجهة ما يُنظر إليه على أنه اعتداء خارجي، وهي حالة لم تكن موجودة بهذا الشكل سابقًا، الأمر الذي يجعل حسابات أي مواجهة أكثر تعقيدًا.
ومنذ بداية هذه المواجهة، اتضح أن كثيرًا من الاحتمالات والتداعيات لم تؤخذ في الحسبان بالشكل الكافي. فالولايات المتحدة، رغم كونها قوة عظمى، وجدت نفسها في معضلة لا تعرف بسهولة كيف تخرج منها. وإذا ارتُكبت أخطاء جديدة في الحسابات، فقد تتطور الأمور وتتفاقم بصورة أكبر بكثير مما تتوقعه أو تستعد له كل من الولايات المتحدة وإسرائيل.
"عرب 48": هل يمكن القول إن ترامب وجد نفسه عالقًا في أزمة مضيق هرمز من دون حلول واضحة تصب في مصلحته، وإلى أين تتجه الأمور؟
كناعنة: بحسب قراءتي، فإن هذه الأزمة مرشحة للاستمرار، ولا أعتقد أنها ستنتهي سريعًا. واستمرار الوضع سيؤدي، في نهاية المطاف، إلى استنزاف الاقتصاد العالمي، وفي الوقت نفسه إلى استنزاف الولايات المتحدة وإدارة ترامب، خصوصًا أن ترامب لا يملك الكثير من الوقت سياسيًا.
لذلك، سيبدأ في مرحلة معينة بالبحث عن أي مخرج، أو أي "سُلَّم" يستطيع النزول من خلاله والعودة إلى مسار تفاوضي. وفي نهاية المطاف، أعتقد أن الأطراف ستتوصل إلى صيغة اتفاق أو تسوية، لكن هذه التسوية ستكون أكثر استجابة لمتطلبات إيران مقارنة بمتطلبات الولايات المتحدة أو إسرائيل.
وهذا لا يعني أن إيران أقوى عسكريًا من الولايات المتحدة وإسرائيل، وإنما يرتبط بميزان القوى القائم حاليًا، وبعامل الجغرافيا، وبالمرحلة التي وصلت إليها المواجهة. وفي ظل هذه الظروف، تميل موازين القوى، سياسيًا وإستراتيجيًا، إلى منح إيران هامشًا أكبر للمناورة والضغط.
"عرب 48": إلى أي مدى يُعد إعلان الحوثيين فرض حصار بحري على السعودية بمثابة رسالة من إيران بشأن ما يمكن أن تؤول إليه الأوضاع في باب المندب؟
كناعنة: هذه نقطة شديدة الأهمية، لأن الحديث لم يعد مقتصرًا على مضيق هرمز وحده. ففي السابق، كان الضغط على الملاحة في باب المندب والبحر الأحمر ناتجًا عن عمليات الحوثيين، أما اليوم، فإذا أُغلق باب المندب بالكامل، فإن الضغط على الاقتصاد العالمي سيتضاعف بصورة كبيرة جدًا.
فإذا كان الاقتصاد العالمي يحتاج، على سبيل المثال، إلى نحو عشرين يومًا حتى تبدأ آثار أزمة إغلاق مضيق هرمز بالظهور بشكل جدي، فإن إغلاق باب المندب قد يقلص هذه المدة إلى عشرة أيام فقط، لأن الحديث يدور عن ضغط متزامن على اثنين من أهم الممرات البحرية المرتبطة بحركة التجارة وإمدادات الطاقة.
وخلال السنوات الماضية، سعت السعودية ودول خليجية أخرى إلى إيجاد بدائل للالتفاف على احتمال إغلاق مضيق هرمز، عبر نقل جزء من صادرات النفط باتجاه البحر الأحمر. لكن إذا أصبح البحر الأحمر وباب المندب أيضًا تحت الضغط أو الحصار، فإن هذه البدائل ستصبح محدودة جدًا.
وبالتالي، فإن الجمع بين الضغط في مضيق هرمز من جهة، وباب المندب والبحر الأحمر من جهة أخرى، يوجّه رسالة واضحة مفادها بأن الأزمة قد تنتقل سريعًا من مواجهة عسكرية إقليمية إلى أزمة اقتصادية عالمية واسعة. وهذا من شأنه أن يزيد الضغط على الولايات المتحدة وإدارة ترامب تحديدًا، ويجعل إطالة أمد الحرب أكثر كلفة، ويدفع، في نهاية المطاف، نحو البحث عن تسوية سياسية تتيح الخروج من المواجهة.
اقرأ/ي أيضًا | حوار مع د. أيمن يوسف | حالة "اللا حرب واللا سلم" قد تطول والتصعيد رهن بالداخل الأميركي والإسرائيلي