ليس فقط الناشطون اليمينيون ووسائل الإعلام المتطرفة من يستهويهم التحريض على كل ما هو عربي فلسطيني في هذه البلاد، بل بات التحريض يأخذ صبغة ودعمًا رسميين، إذ تعرّضت الطواقم الطبية العربية في مستشفى "رمبام" بمدينة حيفا لحملة تحريض من وزير الأمن الإسرائيلي، يسرائيل كاتس، إلى جانب تحريض من القناة 14 الإسرائيلية.
وجاءت موجة التحريض عقب ادعاء ناشط يميني أن شقيقه، وهو جندي إسرائيلي مصاب يتلقى العلاج في مستشفى "رمبام"، لم يتلقَّ العلاج الكافي من الطاقم العربي العامل في المستشفى، إلى جانب تذمّره من تحدث أفراد الطاقم باللغة العربية.

كما ادعى الناشط المتطرف أن أحد أفراد الطاقم الطبي العربي طرده من غرفة الجندي المصاب، فيما أعلن مستشفى "رمبام" فتح تحقيق في الحادثة.
وكشفت دراسة حديثة عُرضت ضمن المؤتمر السنوي الثامن عشر لسياسات الصحة في إسرائيل لعام 2026، تحت عنوان: "تشعر بأنك مهدد؛ مع كل هجوم يُنظر إليك كمشتبه به ويُتوقع منك الاعتذار: محنة الطواقم الطبية من المجتمع العربي في إسرائيل خلال أزمة الحرب مقارنة بالجائحة"، أن حجم الضغوط التي واجهتها الطواقم الطبية العربية في البلاد تضاعف منذ اندلاع الحرب.
وأظهر الاستطلاع، الذي شمل 253 طبيبًا وممرضًا وصيدليًا عربيًا، أن أكثر من 60% منهم أبلغوا عن تقييد في حرية التعبير داخل أماكن العمل أو تجنبوا التعبير عن آرائهم المهنية، فيما قال نحو 70% إن العنصرية تشكل عاملًا مؤثرًا سلبًا في مستقبلهم المهني، وأفاد 43% بأنهم واجهوا، منذ اندلاع الحرب، مظاهر من الشك أو الابتعاد من جانب زملائهم اليهود. كما وثّقت الدراسة حالات من الإسكات والنفور ورفض بعض المرضى تلقي العلاج من طواقم عربية، إلى جانب شعور العاملين بعدم حصولهم على الدعم الإداري الكافي.
ويشكّل الكادر الطبي العربي نسبة تتجاوز 40% من مجمل العاملين في جهاز الصحة الإسرائيلي، الذي يضم نحو 200 ألف موظف، فيما يشكّل الأطباء العرب نحو 27% من الأطباء في البلاد، ونسبة مماثلة من الممرضين، بينما يشكّل الصيادلة العرب قرابة نصف عدد الصيادلة. وعلى الرغم من هذا الحضور الواسع والمحوري، فإن نسبتهم في المناصب الإدارية ومواقع اتخاذ القرار لا تتجاوز 2% إلى 3%.
داود: الطواقم الطبية العربية في مرمى الاستهداف
وفي حديثه لـ"عرب 48"، قال تقني التنفس ورئيس لجنة عمال الصحة في مستشفى "رمبام"، جورج داود، إن "حالة الموظفين العرب في المستشفى يسودها استياء عام، إلى جانب شعور بالخوف وخيبة الأمل، في ظل الحدث الذي حصل وتواصل حالة التحريض".
وأضاف داود أن "حجم الكراهية والعنف والتحريض الذي ظهر في أعقاب القضية كان كبيرًا، بينما لم يكن رد الجهات المختصة بالمستوى المطلوب، الأمر الذي ترك شعورًا صعبًا لدى العاملين، الذين باتوا يشعرون بالضيق وعدم معرفة كيفية التعامل مع الوضع".
وأشار إلى أن "وزارة الصحة لم تصدر، حتى الآن، أي موقف أو توجيه واضح، حتى على المستوى الداخلي داخل المستشفى أو الأقسام، فيما لم يسمع العاملون موقفًا واضحًا ومفصلًا من النقابات المختلفة، غير أن رئيس نقابة الأطباء أصدر موقفًا مندّدًا بما حدث، فيما عبّرت إدارة المستشفى عن دعمها للطواقم، سواء على المستوى المعنوي أو من خلال رسائل داخلية عبر البريد الإلكتروني وتصريحات لوسائل الإعلام".

وأوضح داود أن "هذا الدعم، رغم أهميته، لم يكن كافيًا في ظل حجم الحملة التي تعرض لها الطاقم، وكان المطلوب أن يكون هناك شخص من الإدارة حاضرًا على شاشات التلفزيون للرد على المهزلة، لأن الظهور العلني وإيصال الموقف بصورة مباشرة يختلف عن إرسال رسالة مكتوبة تقول إن الإدارة تدعم الموظفين وتقف إلى جانبهم".
وفيما يتعلق بالحادثة التي انتشر على خلفيتها المنشور، والذي تضمن ادعاءات حول التمييز في التعامل مع المرضى، قال "إن ما جرى لم يكن يستند إلى شكوى رسمية أو إلى حادثة محددة كما جرى تصويرها، وقدّم مدير قسم العلاج المكثف شرحًا للمسألة من الناحية الطبية، وبيّن أن طبيعة العمل فيه تختلف عن الأقسام العادية، حيث تكون الزيارات محدودة بسبب طبيعة العلاج وحالة المرضى".
ولفت داود إلى أن "هناك حالات وفترات معينة يُطلب فيها من أفراد العائلة مغادرة القسم، خصوصًا عندما تكون هناك إجراءات طبية مهمة يجب تنفيذها، وأن هذا جزء من طريقة العمل في قسم العلاج المكثف، ما يعني أن ما جرى لم يكن كما وُصف في المنشور، وننفي الادعاءات المضللة جملةً وتفصيلًا".

وتطرق داود إلى أن "الطواقم الطبية العربية اليوم باتت في مرمى الاستهداف، خصوصًا مع اقتراب الانتخابات وبدء الحملات الانتخابية. المشكلة لا تقتصر على السياسي الذي يروّج لهذه الادعاءات، بل تكمن أيضًا في وجود جمهور مستعد لتصديقها وتبنّيها. يسعى اليمين الإسرائيلي إلى كسب آلاف الأصوات من خلال الترويج لأكاذيب من هذا النوع، والخطورة الأكبر تكمن في العنصرية التي تسمح بترويج هذه الروايات وتجد لها جمهورًا".
وأشار إلى أن "الوضع الحالي في البلاد يشهد وجود أشخاص يحملون هذه النظريات، ويبحثون عن أي قصة، حتى لو كانت مختلقة، لتأكيدها. ما جرى يعتبر حملة ترويجية ودعائية على حساب الطواقم الطبية العربية".
ذياب: ما جرى يعتبر أمرًا مقززًا ومزعجًا ويثير الغضب
بدوره، أشار عضو سكرتارية نقابة الأطباء واختصاصي جراحة القلب والأوعية الدموية، د. سامر ذياب، في حديثه لـ"عرب 48"، إلى أن "ما جرى يعتبر أمرًا مقززًا ومزعجًا ويثير الغضب، وكتبت ذلك في منشور على صفحتي في فيسبوك. أعمل داخل المؤسسات الطبية منذ سنوات، وتنقلت بين أقسام ومستشفيات مختلفة، ولم أواجه حالة تمييز ضد المرضى على أساس كونهم يهودًا أو عربًا".
وفيما يتعلق بالادعاءات التي أثيرت حول الحادثة الأخيرة، قال إنها "غير صحيحة بشكل قاطع، ولا يوجد أي أساس للاعتقاد بأن ما جرى كان نتيجة تمييز أو تصرف عنصري. وحدات العلاج المكثف تعمل وفق نظام زيارات محدد، وذلك لمصلحة المرضى والحفاظ على سلامتهم".

وبيّن ذياب أن "تحديد عدد الزوار لكل مريض يهدف إلى تقليل احتمال نقل العدوى إلى المرضى الموجودين في الوحدة، إلى جانب الحفاظ على خصوصية المرضى وسريتهم الطبية ونظافة البيئة المحيطة بهم".
وفيما يتعلق بالمطالبات بمنع استخدام اللغة العربية داخل المستشفيات، قال ذياب إن "الأمر قد يصبح أكثر خطورة إذا تحولت هذه المطالبات إلى سياسة أو موقف رسمي، خصوصًا في ظل استمرار الحكومة الحالية. عندما تكون هناك حاجة للتحدث بالعبرية يكون ذلك، لكننا نرفض ألا نتحدث بالعربية بين بعضنا البعض بشكل مطلق".