"هذه بلادي" مخيم شبابي يعيد إحياء السردية ويعزز الهوية الوطنية

أعادت جمعية الثقافة العربية إحياء مخيم "هذه بلادي" للشباب والهوية، عبر جولات ميدانية وفعاليات تثقيفية على مدار ثلاثة أيام، شملت بلدات فلسطينية مهجّرة، بمشاركة نحو 60 طالبًا وطالبة، بهدف تعزيز ارتباط الجيل الشاب بتاريخ البلاد وهويتها وذاكرتها.

(عرب 48)

شهدت بلدات فلسطينية مهجّرة جولات ميدانية وفعاليات تثقيفية وترفيهية مكثفة، ضمن مخيم "هذه بلادي" للشباب والهوية، الذي نظمته جمعية الثقافة العربية على مدار ثلاثة أيام، في إطار إعادة إحياء المشروع بعد سنوات من التوقف فرضتها الأزمات المتتالية.

ويهدف المخيم إلى توفير مساحة معرفية وتفاعلية تجمع الجيل الشاب على أرض أجداده، وتعزز ارتباطه بالمكان والتاريخ والهوية، من خلال جولات ميدانية ولقاءات وفعاليات تربط المعرفة بالتجربة المباشرة.

وانطلقت فعاليات المخيم من قرية واحة السلام، وشملت زيارات ميدانية إلى عدد من القرى والمدن الفلسطينية التاريخية والمهجّرة، من بينها لفتا، وعين كارم، وعمواس، ويافا، إلى جانب فعاليات تثقيفية وترفيهية.

وسعى البرنامج إلى تعزيز الوعي بالهوية والرواية التاريخية لدى المشاركين، من خلال ربط المعرفة الميدانية بالقصص الإنسانية للتهجير وتاريخ القرى والمدن الفلسطينية، وإتاحة المجال أمام الشباب للاطلاع على مضامين تاريخية لا تتوفر، بحسب المشاركين والمنظمين، في المناهج التعليمية الرسمية.

وضم المخيم نحو 60 طالبًا وطالبة من مختلف البلدات والقرى العربية في الداخل، الذين أكدوا أهمية مثل هذه البرامج في توفير معرفة تاريخية وميدانية لا يحصلون عليها في المؤسسات التعليمية.

إعادة إحياء المشروع

وقالت مركزة مشروع "هذه بلادي" ومنسقة المشاريع في جمعية الثقافة العربية، مادلين محاميد من مدينة أم الفحم، لـ"عرب 48"، إن المشروع انطلق في الجمعية قبل نحو عشرة أعوام، قبل أن يتوقف لفترة، مشيرة إلى أن الجمعية تعمل حاليًا على إعادة تفعيله.

مادلين محاميد

وأضافت: "أعدنا إطلاق المشروع من خلال الجولة الأولى التي تمثلت في هذا المخيم، والذي استمر على مدار ثلاثة أيام في منطقة واحة السلام في وسط البلاد".

وأوضحت أن برنامج المخيم شمل زيارات ميدانية إلى عدد من القرى المهجّرة، بينها لفتا وعين كارم وعمواس ويافا، بالإضافة إلى واحة السلام، إلى جانب تنظيم فعاليات تثقيفية وترفيهية للشباب والصبايا المشاركين.

وأشارت محاميد إلى أن المشاركين أظهروا "تفاعلًا إيجابيًا" مع المشروع، وخاصة مع المعلومات التي قُدمت لهم خلال أيام المخيم، معتبرة أن ذلك "يؤكد أن هذا الجيل متعطش لمثل هذه المعلومات والمشاريع، التي لا يمكن سماعها في أماكن أخرى".

وبشأن الخطط المستقبلية، أوضحت أن الجمعية تعتزم مواصلة تنظيم زيارات إلى قرى مهجّرة جديدة كل بضعة أشهر، مع الحفاظ على النواة الشبابية التي تشكلت خلال المخيم، وفتح المجال أمام انضمام مشاركين جدد.

وأضافت أن الجمعية ستواصل استقبال الشباب في مقرها، ليكون "بمثابة بيت لهم"، داعية الجيل الشاب إلى التواصل مع الجمعية عبر صفحاتها على منصات التواصل الاجتماعي، ومنها "إنستغرام" و"فيسبوك"، للاستفسار عن الانتساب والمشاركة في المشاريع.

"معرفة البلاد تجربة حيّة"

من جهته، قال مدير جمعية الثقافة العربية، يوسف طه من قرية كابول، لـ"عرب 48"، إن إعادة إطلاق مخيم "هذه بلادي" هذا العام تأتي ضمن برنامج الثقافة والهوية في الجمعية، انطلاقًا من الإيمان بأهمية العمل مع الجيل الشاب، "بالذات في الظروف التي نعيشها".

يوسف طه

وأضاف أن المشروع ينطلق من "بناء علاقة حقيقية مع المكان ومع مدننا وقرانا الفلسطينية وتاريخها وجغرافيتها وذاكرتها، وتحويل معرفة البلاد إلى تجربة حيّة نرى فيها المكان ونسير فيه ونستمع إلى حكاياته".

وأشار طه إلى أن الشباب يقضون جزءًا متزايدًا من حياتهم داخل الغرف وأمام الشاشات والحواسيب، الأمر الذي يترافق، في كثير من الأحيان، مع ابتعادهم عن الحيز العام والتفاعل المباشر مع مجتمعهم ومحيطهم وبلادهم.

وقال إن ذلك يزيد من أهمية "خلق مساحات تعيد الشباب إلى الميدان والمكان، وأن يتجولوا في عمواس ولفتا وعين كارم، وأن يزوروا مدننا الفلسطينية التاريخية، ويتعرفوا إلى الجغرافيا والتاريخ والناس، ويكتشفوا البلاد بأنفسهم، لا من خلف شاشة أو من خلال معرفة منقوصة".

وأوضح طه أن المشروع مستمر على مدار العام، مشيرًا إلى أنه مشروع تاريخي لجمعية الثقافة العربية، سبق أن شارك فيه بنفسه عندما كان طالبًا، بهدف التعرف إلى البلاد والمدن والقرى المهجّرة.

ولفت إلى أن الجمعية ستنظم خلال العام الحالي جولات ومسارات دورية في المدن والقرى الفلسطينية التاريخية والقرى المهجّرة ومناطق مختلفة من البلاد، تستهدف أجيالًا وفئات متعددة، وخاصة جيل الشباب من بلدات ومناطق مختلفة.

وأكد أن الهدف هو أن تصبح "معرفة البلاد والاحتكاك المباشر بتاريخها وجغرافيتها جزءًا مستمرًا من تجربة الجيل الشاب".

"معلومات لا يحصل عليها الطالب في المدرسة"

وقال الطالب المشارك في مشروع "هذه بلادي"، محمود عطا الله، من بلدة عيلوط، لـ"عرب 48"، إن المخيم كان "مثيرًا للاهتمام وقدم معلومات مفيدة لا يتلقاها الطالب في نظام التعليم".

محمود عطا الله

وأضاف: "رغم تركيزي التام في حصص التاريخ المدرسية، فإن المعلومات المتعلقة بالقرى المهجّرة ومراحل التهجير قبل عام 1948 وخلاله وبعده، لم تكن متاحة لنا في أي مكان آخر. لذلك، فإن مثل هذه المخيمات مهمة جدًا للطلاب".

وأشار عطا الله إلى أن "سياسات التهجير والتفريد لا تزال تُمارس حتى اليوم"، معتبرًا أن "وعينا ومعرفتنا وثقافتنا وتاريخنا مهمة، ويجب الحفاظ عليها في ظل ما يحصل وما يتعرض له شعبنا في مختلف أماكن وجوده"، ووصف المشاركة في هذه المشاريع بأنها "نوع من النضال الذي يجب أن نقدمه".

بدورها، قالت الطالبة المشاركة ناي سلطاني، من مدينة الطيرة، لـ"عرب 48"، إن التجربة التي خاضتها ضمن المشروع "مميزة ولافتة"، ومختلفة كليًا عن الرحلات المدرسية أو السياحية التقليدية.

ناي سلطاني

وأضافت أن المخيم كان "مليئًا بالمعلومات التاريخية والثقافية القيّمة التي لا يمكن أن نحصل عليها في مكان آخر"، مشيرة إلى أن التعرف إلى قصة لفتا المهجّرة وغيرها من البلدات التي تعرضت للتهجير "زاد من تعلقنا وحبنا لأرضنا وقرانا المهجّرة".

وقالت سلطاني: "من أجل معرفة وطننا، يجب علينا التجول فيه والسير في أراضيه والاستماع إلى قصص المهجّرين منه. وبدون هذه التجربة الميدانية، لن يتمكن الفرد من معرفة وطنه أو الشعور بالانتماء الحقيقي إليه".

وأكدت أهمية تنظيم مثل هذه البرامج بين أبناء المجتمع، "خصوصًا أن المناهج المدرسية مختلفة كليًا ولا تقدم هذه المضامين المعرفية والتاريخية بصورة تفاعلية ووجاهية".

تعزيز الهوية والرواية

وقال مركز المشروع التربوي لمنحة روضة بشارة عطا الله في جمعية الثقافة العربية، عز عودة من مدينة الناصرة، لـ"عرب 48"، إن مخيم "هذه بلادي" الخاص بالشباب والهوية يهدف إلى "تنمية حب البلاد لدى المشاركين انطلاقًا من وعي وإدراك عميقين بالهوية والتاريخ والإرث الحضاري والثقافي".

عز عودة

وأضاف أن تنظيم المخيم يأتي بعد سنوات شهدت انقطاعًا في العمل نتيجة الأزمات والتحديات المختلفة التي واجهها الشعب الفلسطيني في مختلف أماكن وجوده، مشيرًا إلى أن أهمية المشروع "تتضاعف اليوم لتعزيز مفهوم الهوية والتاريخ والرواية التاريخية، بالإضافة إلى التذكير بالأحداث التي لا ينبغي نسيانها، بهدف إبقاء الجيل الشاب على تواصل مستمر مع روايته وتجاربه".

وأوضح عودة أن أهمية المخيم تكمن في "استكشاف سيرة البلاد عبر زيارة القرى المهجّرة والأراضي"، مؤكدًا ضرورة تنظيم مثل هذه الفعاليات، "تحديدًا في الوقت الحالي، خاصة عند الحديث عن جيل شاب أمضى فترات طويلة في المنازل بسبب الظروف الأخيرة".

وأضاف أن أهمية المشروع تزداد في ظل نظام تعليمي "لا يوفر هذه المضامين بشكل تفاعلي ووجاهي"، فضلًا عن الحاجة إلى مواجهة "المشاريع التي تسعى إلى طمس الهوية والرواية، والحد من انتشار الثقافات الهجينة والغريبة".

ويأتي مخيم "هذه بلادي" كخطوة أولى ضمن برنامج أوسع تعتزم جمعية الثقافة العربية مواصلته من خلال جولات وزيارات دورية إلى القرى والمدن الفلسطينية التاريخية والمهجّرة، بما يتيح للمشاركين مواصلة التعرف إلى تاريخ البلاد وجغرافيتها وذاكرتها من خلال تجربة ميدانية مباشرة.