لا تقتصر محاولات التمدد الاستيطاني والتهويد في منطقة الجليل على مجد الكروم وكفر كنا، بل تمتد إلى مواقع أخرى تحمل ذاكرة المكان وأسماءه. وفي عرابة، تتجدد المواجهة حول عين ماء تاريخية، بعدما حاول مستوطنون تغيير اسم "عين ناطف" إلى (معيان هأحيم) - "عين الإخوة"، قبل أن يعيد الأهالي تثبيت اسمها الأصلي، في خطوة تحولت إلى مادة للتحريض في الإعلام الإسرائيلي.
على مشارف سهل البطوف، جنوب مدينة عرابة، تنساب مياه "عين ناطف"، شاهدة على علاقة الأهالي بالمكان منذ مئات السنين، إذ شكلت مصدرًا للمياه والاستعمال اليومي، وارتبطت بالزراعة وتربية المواشي.
عرابة تواجه محاولة تغيير اسم "عين ناطف": صراع على الذاكرة والمكان pic.twitter.com/MIwG2F1BUz
— موقع عرب 48 (@arab48website) September 21, 2026
وفي الفترة الأخيرة، وُضعت في الموقع لافتة تحمل اسم (معيان هأحيم) - "عين الإخوة"، نسبة إلى ثلاثة أزواج من الإخوة اليهود قُتلوا في عمليات على خلفية قومية، في أوقات وأماكن مختلفة وبعيدة عن العين. لكن أبناء عرابة سرعان ما أزالوا اللافتة، وأعادوا تثبيت الاسم الذي يعرفه الأهالي ويحفظونه منذ أجيال.
ولم تبقَ القضية في حدود لافتة أزيلت وأخرى وُضعت مكانها، بل تحولت إلى مادة للتحريض في الإعلام العبري، ولا سيما القناة 14 الإسرائيلية، التي تناولت القضية بصورة قدّمت الموقع وكأنه نصب تذكاري يهودي، لا عين ماء ارتبطت بحياة أهالي المنطقة منذ مئات السنين. ويستند هذا الطرح، بحسب ما ورد في التقرير، إلى وقوع الأرض ضمن مناطق نفوذ سلطات محلية وإقليمية يهودية، بينها "مسغاف" و"كفار تابور".
وبين الاسم الذي حملته العين عبر الأجيال، ومحاولات فرض اسم جديد عليها، تتحول "عين ناطف" إلى عنوان لصراع على الذاكرة والمكان والهوية. وفي هذا السياق، تتصاعد الدعوات في عرابة للمشاركة في "يوم عين ناطف الأول"، المقرر تنظيمه يوم السبت المقبل، والذي يتضمن فعاليات ونشاطات في الموقع، تأكيدًا على ارتباطه بذاكرة الأهالي وتاريخهم.
بدارنة: تغيير الاسم خطوة باتجاه إقامة بؤرة استيطانية
وقال مدير جمعية التاج للصحة والتراث، قاسم بدارنة، من مدينة عرابة البطوف، لـ"عرب 48"، إن "عين ناطف هي عين عربية، ومياهها مستخدمة منذ مئات السنين. وكانت المنطقة تضم في الماضي خربة ناطف، التي كانت بلدة قائمة بذاتها، واعتمد أهلها على مياه العين لسنوات طويلة في ري الأراضي وسقي المواشي، وشكلت أحد مصادر المياه التي اعتمد عليها أهالي المنطقة".
وأوضح بدارنة أن "التحول بدأ بشكل واضح خلال السنتين الأخيرتين، مع محاولات لتغيير طابع العين وهويتها، بدءًا من تغيير اسمها إلى (معيان هأحيم)، نسبة إلى ثلاثة أزواج من الإخوة اليهود قُتلوا في مناطق مختلفة، بعيدة عن المكان، وفي أوقات مختلفة. وتغيير الاسم يشكل خطوة أولى باتجاه تحويل العين إلى بؤرة استيطانية في المنطقة".
وشدد على أن "الاستيلاء على العين وتغيير طبيعتها، من مصدر مياه يخدم الفلاحين إلى مكان ترفيهي مخصص لليهود، ينعكسان على الحياة الاجتماعية في البلدات العربية المجاورة. فالمجتمع العربي مجتمع محافظ، ومرور العائلات من المكان ومشاهدتها فتيات وشبانًا يهودًا يسبحون دون ملابس يسبب إشكالات اجتماعية للأهالي".
وأشار بدارنة إلى أن "إحدى أبرز الخطوات الخطيرة التي جرت مؤخرًا كانت وضع لافتة تحمل اسم (معيان هأحيم) في الموقع، قبل أن يقوم أحد الأشخاص بإزالتها ووضع لافتة تحمل الاسم الأصلي للعين، عين ناطف. وعلى إثر ذلك، جرى التحريض عبر القناة 14 الإسرائيلية، إذ قُدّم الأمر وكأنه اعتداء على نصب تذكاري".
ولفت إلى أن "الحملة الإعلامية صوّرت الأمر كما لو أن العرب استولوا على أراضي الدولة ومصادر المياه، فيما تأتي محاولات التحريض هذه ضمن مساعٍ لتهيئة المنطقة لإقامة وجود استيطاني فيها".
وبيّن بدارنة أن "أهمية عين ناطف لا تقتصر على كونها موقعًا تاريخيًا، بل ترتبط بشكل مباشر بمصادر المياه التي اعتمد عليها أهالي عرابة. فقد كانت البيوت العربية تعتمد قديمًا على الآبار، وعندما تنضب مياهها، كان هناك مصدران أساسيان للمياه، هما عين البلد، الموجودة إلى جانب البلدة، وعين ناطف. وقد اعتمد السكان عليهما للشرب والاستخدام المنزلي، إلى جانب سقي الحيوانات وري المزروعات".
وربط ما يجري في عين ناطف بتحركات أوسع في الجليل، قائلًا إن "الحكومة الإسرائيلية تتحدث علنًا عن العمل على تهويد الجليل، ولا تقتصر هذه السياسة على إقامة مستوطنات أو بلدات يهودية، بل تشمل أيضًا التضييق على البلدات العربية والسيطرة على مصادر المياه والأراضي المحيطة بها".
وشدد على أن "محاولات تغيير اسم عين ناطف تشبه خطوات بدأت في الضفة الغربية بالسيطرة على مصادر المياه، قبل الانتقال إلى السيطرة على الأراضي ومصادرتها".
ودعا بدارنة الأحزاب العربية واللجان الشعبية والسلطات المحلية إلى التعامل مع القضية باعتبارها أولوية، والتحرك قبل فوات الأوان.
ياسين: ما يجري خطر على المجتمع العربي بأكمله
من جانبه، قال رئيس اللجنة الشعبية في مدينة عرابة البطوف، د. أنور ياسين، لـ"عرب 48"، إن "موقع عين ناطف يرتبط بتاريخ المنطقة وأهلها، وكانت البلدة تعتمد عليه منذ سنوات طويلة. وقد شهدت الفترة الأخيرة تردد مستوطنين إلى المنطقة ومحاولات لتغيير اسم العين".
وأشار ياسين إلى أن اجتماعًا قريبًا للجنة الشعبية سيُعقد في إطار التحضيرات لإحياء ذكرى هبة القدس والأقصى، لافتًا إلى أن قضية عين ناطف ستكون من الموضوعات الرئيسية التي ستُناقش خلاله.
وشدد على أن ما يحدث "لا يشكل خطرًا على مجد الكروم أو عرابة أو بلدة بعينها فقط، وإنما يمثل خطرًا على المجتمع بأكمله. وما يتعرض له أي بلد عربي في الداخل يجب أن يحظى باهتمام الجميع ودعمهم".
وأكد أن مواجهة هذه الاعتداءات تتطلب وعيًا ومشاركة جماعية، مشددًا على ضرورة تصدي أبناء المجتمع العربي لأي اعتداء يستهدف أي بلدة.
ولفت إلى أن ما حدث في مجد الكروم أظهر أهمية وحدة الأهالي، إذ ساهمت هذه الوحدة، بحسب قوله، في منع إقامة بؤرة استيطانية على أراضي البلدة.
اقرأ/ي أيضًا | عرابة: أعمال ترميم ومحاولات تشويه تستهدف عين ناطف التاريخية