تنظر المحكمة العليا في القدس يوم الخميس المقبل في الطعون المقدمة ضد شطب ترشح رئيس حزب التجمع الوطني الديمقراطي سامي أبو شحادة والنائب عوفر كسيف والقائمة المشتركة والقائمة الموحدة من قبل لجنة الانتخابات المركزية، فيما من المقرر أن يترافع عنهم طاقم الدفاع من مركز "عدالة" الحقوقي.
تغطية متواصلة على قناة موقع "عرب 48" في "تليغرام"
يأتي ذلك بعدما قررت لجنة الانتخابات المركزية بتركيبتها السياسية اليمينية والمتطرفة يوم الأربعاء الماضي، شطب ترشح أبو شحادة وكسيف والقائمة المشتركة والقائمة الموحدة لانتخابات الكنيست المقررة في 27 تشرين الأول/ أكتوبر المقبل.
وكان حزب "الليكود" برئاسة بنيامين نتنياهو، وحزب "عوتسما يهوديت" برئاسة إيتمار بن غفير، إلى جانب حركات وجمعيات صهيونية، قد قدمت طلبات لشطب التمثيل العربي في الكنيست، مستندين إلى ادعاءات تتعلق بـ"دعم الكفاح المسلح" و"عدم الاعتراف بإسرائيل كدولة يهودية وديمقراطية"، فضلًا عن طلبات شطب استهدفت أبو شحادة وكسيف على خلفية مواقف وتصريحات سياسية.
وبهذا الصدد، أجرى "عرب 48" حوارا مع مدير مركز "عدالة" د. حسن جبارين، حول تداعيات قرارات الشطب، والأسس القانونية التي استندت إليها، والتوقعات بشأن المداولات المرتقبة في المحكمة العليا ولا سيما في ملف أبو شحادة.
"عرب 48": كيف تنظر إلى قرارات الشطب التي طاولت جميع المرشحين العرب؟
د. جبارين: الشطب شمل جميع الأحزاب العربية ضمن القائمة المشتركة والقائمة الموحدة، إلى جانب النائب عوفر كسيف ورئيس التجمع الوطني الديمقراطي سامي أبو شحادة. والمهم هنا أن الشطب لم يستهدف تيارًا سياسيًا واحدًا، وإنما شمل مختلف الأطياف السياسية العربية؛ من المتدين إلى العلماني، ومن الشيوعي إلى القومي والليبرالي، ومن الأحزاب التي تطالب بدولة لجميع مواطنيها، إلى تلك التي تتحدث عن دولة لجميع قومياتها، وحتى الأحزاب التي تتعامل مع إسرائيل كدولة يهودية باعتبارها واقعًا قائمًا.
القاسم المشترك بين هذه الأحزاب هو انتماؤها القومي العربي، ولذلك يمكن القول إن ما حدث في لجنة الانتخابات المركزية حالة استثنائية وغير مسبوقة على المستوى العالمي. لا توجد، بحسب معرفتنا، حالة مماثلة تقوم فيها دولة بشطب جميع الأحزاب التي تمثل أقلية قومية في البلاد، بل وصل الأمر إلى محاولة شطب المرشح اليهودي الوحيد الموجود ضمن هذه الأحزاب وهو عوفر كسيف.
"عرب 48": ما التبعات السياسية والقانونية لقرارات الشطب، وهل يمكن أن تؤثر هذه القرارات على قرار المحكمة العليا؟ وإلى أي مدى تعكس تحوّلًا في التعامل مع التمثيل السياسي العربي؟
د. جبارين: صحيح أن هذه ليست المرة الأولى التي تتخذ فيها لجنة الانتخابات قرارات ذات طابع إقصائي بحق أحزاب عربية، ثم تتدخل المحكمة العليا وترفض هذه القرارات. لكن المشكلة أن يتحوّل شطب الأحزاب العربية إلى مسار شبه دائم، بحيث يُطلب من الحزب العربي في كل انتخابات أن يمر عبر لجنة الانتخابات ثم يصل إلى المحكمة العليا لإثبات حقه في المشاركة، هذا أمر بحد ذاته إشكالي جدًا.
هذه هي بالضبط الحالة التي يريدها اليمين العنصري في إسرائيل: نزع الشرعية عن المواطنة السياسية للعرب، وتصويرهم وكأنهم عدو داخلي. فإذا أصبحت جميع الأحزاب العربية في خانة الاتهام وعليها أن تثبت أمام المحكمة أنها ليست معادية للدولة، فإن الرسالة التي تُنتجها هذه العملية هي أن القيادة السياسية العربية عدو، ومن يصوّت لها يصبح بصورة غير مباشرة، جزءًا من هذه الصورة.
المحكمة العليا رفضت حتى الآن غالبية هذه المحاولات، لكن مجرد وضع الأحزاب العربية والمرشحين العرب بصورة متكررة أمام اختبار الشرعية السياسية والقانونية، يمسّ بمكانة المواطنين الفلسطينيين العرب وحقهم في التمثيل السياسي. لذلك، القضية لا تتعلق فقط بقرار شطب محدد، وإنما بالسياق الأوسع الذي تُوضع فيه المشاركة السياسية العربية.
"عرب 48": ما توقعاتك بشأن مداولات المحكمة العليا المرتقبة، وما الوضع القانوني لكل قائمة ومرشح؟ وكيف تنظر بشكل خاص إلى ملف سامي أبو شحادة الذي وصفته بأنه الأكثر تعقيدًا؟
د. جبارين: هناك تفاوت بين الملفات أمام المحكمة العليا، بالنسبة للقائمة المشتركة والقائمة الموحدة وعوفر كسيف، أعتقد أن الملفات ستكون أسهل من الناحية القانونية، وخصوصًا أن المستشارة القضائية للحكومة اتخذت موقفًا واضحًا ضد شطب هذه القوائم والمرشحين. ومن المتوقع أن يكون لهذا الموقف وزنا كبيرا أمام المحكمة، لا سيما في ظل عدم وجود بيّنات كافية تثبت الأسس القانونية للشطب.
أما التجمع الوطني الديمقراطي، فقد رُفض طلب شطبه في لجنة الانتخابات على أساس إجرائي وقانوني، نحن دفعنا بأنه لا توجد أصلا قائمة مرشحين باسم التجمع قُدّمت إلى الانتخابات، وإنما توجد قائمة باسم القائمة المشتركة، والقانون يمنح لجنة الانتخابات صلاحية النظر في شطب قائمة مرشحين أو مرشحين، وليس حزبًا بهذا الشكل.
لكن الملف المركزي والأكثر تعقيدًا هو ملف سامي أبو شحادة، إذ أن خصوصية هذا الملف تعود، من بين أمور أخرى، إلى اختلاف موقف المستشارة القضائية للحكومة عنه مقارنة بباقي الملفات، علمًا أنه كانت هناك بيّنة محددة تتعلق بمقال نشره أبو شحادة، واعتبر مقدمو طلب الشطب أنها تشكل "دعمًا للإرهاب"، ومع ذلك، فإن المستشارة القضائية للحكومة لم تتبنَّ موقفًا حاسمًا بأن هذه البينة تبرر الشطب، بل أشارت إلى صعوبة تبرير الشطب من الناحية العملية والقانونية.
منذ العام 2001، كررت المحكمة العليا في أكثر من 10 قرارات تتعلق بالشطب مبدأ واضحًا، وهو أنه لا يمكن شطب مرشح استنادًا إلى بينة واحدة فقط، وإنما يجب تقديم مجموعة مكثفة ومتراكمة من الأدلة التي تشير إلى أن المرشح يتصرف بصورة منهجية ومستمرة ضد أمن الدولة، بما في ذلك من خلال "دعم كفاح مسلح" لمنظمة مصنفة بأنها "إرهابية". في ملف أبو شحادة، لا توجد هذه الكتلة من الأدلة، وإنما هناك المقال المذكور فقط، وحتى أن المستشارة القضائية للحكومة أقرت بأن المقال لا يتضمن تأييدًا مباشرًا وواضحًا لـ"كفاح مسلح ضد إسرائيل".
من هذه الزاوية، فإن الملف وفقًا للقواعد القانونية وقرارات المحكمة السابقة، يبدو واضحًا نسبيًا، لكن الصعوبة تكمن في الظروف السياسية والقضائية المحيطة به، فنحن أمام تركيبة قضائية جديدة نسبيًا، تضم 5 قضاة محافظين مقابل 4 يُصنفون عادة ضمن التيار الليبرالي، خلافًا للتركيبات السابقة التي كانت فيها الكفة أكثر ميلًا إلى التيار الليبرالي في قضايا من هذا النوع، كما أن هناك موقفًا سلبيًا من جانب رئيس لجنة الانتخابات المركزية القاضي نوعام سولبرغ، الذي صوّت مع شطب ترشح أبو شحادة، وهو أمر غير اعتيادي في مثل هذه الملفات.
لذلك، أتوقع أن يكون السؤال المركزي أمام المحكمة هو ما إذا كانت أحداث السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023 قد غيّرت الإطار القانوني الذي اعتمدته المحكمة في قرارات الشطب السابقة، أو ما إذا كان ينبغي التعامل مع ما جرى بعد السابع من تشرين الأول/ أكتوبر بصورة استثنائية.
من جانبنا، سنؤكد أن 3 سنوات مرت منذ السابع من تشرين الأول/ أكتوبر، وأن الظروف القانونية والسياسية التي كانت قائمة في حينه ليست هي نفسها اليوم، ولذلك يجب فحص مجمل ما قام به أبو شحادة منذ ذلك الوقت، وليس الاكتفاء بمقال واحد.
وهناك جانب آخر سنطرحه أمام المحكمة، وهو المقارنة مع ملف إيتمار بن غفير وقائمته، فإذا كانت هناك، من وجهة نظر مقدمي الطلب، بينة واحدة ضد أبو شحادة، فإنه في المقابل هناك مجموعة كبيرة من البينات والمواد التي يستند إليها طلب شطب قائمة بن غفير، وعليه السؤال الذي يطرح نفسه هو كيف يمكن التعامل بصورة مختلفة مع ملفين بهذا الحجم من التباين في الأدلة.
سنحاول أن نوضح للمحكمة أن التعامل المختلف مع المرشح العربي مقارنة بمرشح يهودي في ظروف مماثلة يثير مسألة المساواة أمام القانون، ونرى أن شطب أبو شحادة في الوقت الذي لا تُشطب فيه قائمة بن غفير سيطرح أمام المحكمة سؤالًا جوهريًا حول وجود معيارين مختلفين للتعامل مع التمثيل السياسي العربي واليهودي.