معاتبة مع بان كي ـ مون../ محمد خالد الأزعر

بشيء من كظم الغيظ وسعة الأفق، ربما نجد أعذارا للذين تجهموا سريعاً في وجه حكومة الوحدة الوطنية ألفلسطينية وأساؤوا استقبالها والظن بها فور ولادتها. فمواقف الرافضين لهذه الحكومة كلياً أو جزئياً مثل واشنطن وتل أبيب وبعض المتذيلين لهما، تبدو متوقعة في ضوء عدائهم الظاهر والباطن للحالة الفلسطينية، ورغبتهم المحمومة في إملاء سياساتهم ورؤاهم عليها.

لكن ما يصعب تفهمه أو قبوله هو ازورار أطراف أو قوى تحظى برمزية رفيعة المقام في الغمار الدولية عن حكومة السلطة، بدون مسوغات قانونية أوسياسية أو أخلاقية أو حتى مصلحية معلومة. ومن دواعي الأسى والاستهجان أن يندرج الأمين العام للأمم المتحدة بان كي- مون ضمن هذه الفئة. فهو عَقَّبَ على تشكيل الحكومة بأن «التصريحات الأولى لرئيسها (إسماعيل هنية) حول حق المقاومة المشروع للشعب الفلسطيني مخيبة للآمال»، ومضى إلى انها « لم تعبر بوضوح عن احترام مطالب الرباعية الدولية».

ترى، هل يعتبر كي- مون المقاومة غير مشروعة بصفة عامة ومبدئية أم أنه ينفي هذه المشروعية عن الشعب الفلسطيني وسلطته وحكومته فقط ؟. نحسب أنه مخطئ في الحالتين. فمن ناحية، نربأ بالأمين أن يكون موقفه هذا قد جاء عن جهلٍ بالأصول القانونية والشرائع المستقرة بين الأمم المتحضرة التي يسهر عليها ومنظمته.

إن كان الأمر كذلك فمن الواجب تذكيره بهذه الأصول وبأن للأمم المتحدة قرارات محددة صريحة حول حق الشعوب الخاضعة للاحتلال في المقاومة بكل الوسائل المتاحة، وقرارات أخرى تناشد فيها دولها الأعضاء بمساعدة هذه الشعوب وحركات التحرر على نيل استقلالها وحريتها. ويستدعي السياق تنبيه الأمين العام، من ناحية أخرى، إلى أن هناك قرارات أممية تخص الحالة ألفلسطينية بالاسم بأحقية تقرير المصير والاستقلال ومقاومة الاحتلال الإسرائيلي وتشجب كل ما ترتب عليه من وقائع.

بُعيد تقلده المنصب بأيام أطلق كي - مون تصريحات قيل في معرض التعليقات عليها إن الرجل لم يغادر بعد التفكير بعقلية وزير خارجية كوريا الجنوبية المنحازة والمحالفة تقليدياً للسياسة الأميركية!. الظاهر أن هذا التقدير لم يفقد صدقيته تماماً بالنظر إلى معالجة الأمين العام للمقاومة الفلسطينية. وبالطبع فإن موقع كي - مون الحالي يحتم عليه مغادرة خندقه السابق كمدافعٍ عن سياسة دولته ومحازبيها إلى صاحب المقام الدولي الرفيع المنزه عن الانحياز والأهواء الوطنية؛ الحارس الأمين للقانون الدولي وشرعة حقوق الإنسان والشعوب؛ الذي يأخذ مسافة واحدة من أصحاب القضايا الدولية الساخنة والحساسة..شأن القضية الفلسطينية بتعقيداتها وأغوارها الوعرة.

لا يشفع للأمين العام في خطأ مطالعته للمقاومة الفلسطينية أنه يمثل أحد أضلاع ما يعرف بالرباعية الدولية، ومن ثم فإن عليه الالتزام بمقتضياتها وفروضها. فالأصل في شراكته هذه أن يكون عيناً للشرعية الدولية التي يمثلها؛ ينطق باسمها ويتابع حضورها بين يدي هذه الآلية، لا أن يتماهى وينسجم بلا تبصر مع مواقف بقية أطرافها.

بصيغة أخرى، على الأمين العام أن لا يغفل عن وظيفة الأمم المتحدة ودورها حتى وهو يجالس أطراف الرباعية. ولن يلومه منصف إذا ما التزم بهذه الوظيفة وهذا الدور، اللذين يمثلان حقاً وجدلاً مكانة ومرجعية أسمى بكثير مما يحرك مواقف وسياسات الآخرين فيها.

من واجبات كي- مون، قانونياً وأخلاقياً، الاعتراض على ما يجافي الشرعية الدولية العامة والفلسطينية بين يدي الرباعية.. فإذا لم يأنس في نفسه الجرأة على ذلك، فلا أقل من أن يلزم الصمت كأضعف الإيمان.

والحق أن المرء يحار بالفعل في استكناه السبب الذي جعل الأمم المتحدة بقدرها الرفيع وأمومتها المفترضة لكل الدول والشعوب في عالمنا الفسيح، مجرد عضو لا أكثر من أعضاء هذه الرباعية. ربما تكون المنظمة الدولية قد ارتضت المشاركة في هذا «الاختراع» أملاً في أن لا تغيب عن فضل إنجاز تسوية فلسطينية إسرائيلية معقولة.

غير أن سيرورة عمل الرباعية أفصحت عما يثير الشكوك في إمكانية اجتراحها هذا الهدف بحيثية نزيهة، بالنظر إلى محاولة واشنطن فرض رؤاها على بقية الشركاء وغلوها في الانحياز لإسرائيل. وعموما، تبالغ الرباعية الدولية كثيراً حين تدعي تمثيلها لإرادة المجتمع الدولي.. فمناط هذه الإرادة هو الأمم المتحدة وأي زعم بغير ذلك هو اختطاف لهذه الإرادة، لا يليق بالأمين العام ولا بمرؤوسيه الانصياع له.

أيضا من غير اللائق (ولو بروتوكولياً! ) أن يقوم كي- مون بتلاوة بيانات الرباعية بعد اجتماعاتها على الملأ.. إذاً ربما يقر في ذهن الكثيرين أن هذه الآلية تعبر بالفعل عن الإرادة الدولية، وأن جدول أعمالها ومداولاتها وما ينتج عنهما من بيانات ومطالب هم نسخة طبق الأصل لما يعتمل في الأمم المتحدة بشأن قضية فلسطين، وهذا غير صحيح. الأمم المتحدة مثلاً لا تنبذ حق المقاومة. وهي لا تكره الشعوب الواقعة تحت الاحتلال على الاعتراف بمغتصبي حقوقها كشرط قبلي للتفاوض معهم!. الأوفق أن توكل مهمة الإعلام عن خطوات الرباعية و«بطولاتها» إلى الدول المضيفة أو لأحد أعضائها غير الأمين العام.. وهذا أيضاً من أضعف الإيمان.

إلى ذلك كله، يستحق كي- مون المؤاخذة على تجاهله لنتائج الديمقراطية الفلسطينية ومقاطعته لوزراء حماس لدى زيارته رام لله.. لكننا سنتمهل في التشديد على هكذا مخالفة بحسب الأمين العام مازال حديث عهد بعمله، وقد يستدرك فعلته عندما يفطن للتمييز بين وظيفتيه السابقة والراهنة. وهو أمر نرجو ألا يطول انتظارنا له.

"البيان"