....في المأثورات الشعبية العربية قالوا "إذا لم تستح فافعل ما شئت"، و"مين فرعنك يا فرعون، قال ما لقيت حدا يصدني أو يردني"، وهذه الأقوال تنطبق على الكلمة التي ألقاها رئيس الوزراء الإسرائيلي "بنيامين نتنياهو" أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، ففي هذه الكلمة استوقفتني عدة أقوال له، حيث أشار في معرض تعليقه على تقرير "غولدستون" والذي أدان إسرائيل بارتكاب جرائم حرب وقتل متعمد للمدنيين في حربها العدوانية على قطاع غزة كانون أول/ 2008، إلى أن التقرير خلط بين الضحية "والإرهاب"، في إشارة إلى رد المقاومة الفلسطينية على الهجمات الإسرائيلية بإطلاق صواريخ ذات قوة تدميرية منخفضة وبدائية، فهذا الرد هو "الإرهاب" بعينه!، أما من يحاصر القطاع ويمنع عنه أبسط مقومات ومستلزمات الحياة من غذاء ودواء ومحروقات، ولم يترك أي نوع من أنواع السلاح والقنابل، بما فيها المحرمة دولياً من الفوسفور الأبيض والـ"دايم" وغيرها، إلا واستخدمه في عدوانه، فهذا لا يجب إدانته، بل يجب منح كل من قاموا بهذه الأعمال من قادة وجنود وضباط الأوسمة والنياشين العسكرية، بدل محاكمتهم كقتلة ومجرمي حرب، فأي عهر هذا؟ وأي استخفاف هذا ليس بعقول البشر، بل بكل المواثيق والقوانين والمؤسسات الدولية وحقوق الإنسان؟ فحتى المؤسسة التي ألقى نتانياهو كلمته من على منبرها،لا تحترمها إسرائيل ولم تنفذ أي من قراراتها.
والمسألة الأخرى هي الهجوم الذي شنه نتانياهو على الرئيس الإيراني أحمد نجاد واعتباره "رأس الإرهاب"، ويشكل خطرا على الأمن والسلم العالميين، ودعا إلى فرض عقوبات دولية قاسية على إيران ومنعها من امتلاك السلاح النووي، والذي قد تستخدمه لإبادة البشر أو تدمير إسرائيل على حد زعمه.
وهنا يجب أن نستوقف ملياً. هل السلاح النووي الإسرائيلي هو من أجل خدمة الإنسانية والدفاع عن البشرية؟ وهل من حق إسرائيل وحدها في المنطقة امتلاك هذا السلاح؟ في حين أن باقي دول المنطقة بما فيها إيران ليس من حقها امتلاك هذا السلاح أو حتى التكنولوجيا النووية السلمية؟ فالمنطق يقول إما منطقة خالية من أسلحة الدمار الشامل، ولا سلاح نووي عند بلد دون آخر، أو من حق الجميع أن يمتلك هذا السلاح وهذه التكنولوجيا، فإسرائيل ليست "الحمل الوديع" أو التي يتهدد وجودها الخطر، حتى يكون لها حق حصري في امتلاك هذا السلاح دون الآخرين، بل إسرائيل دولة احتلال، ولم تترك بلدا في المنطقة إلا واعتدت عليه من تونس وحتى العراق وانتهاءً بالسودان، وهي الدولة الوحيدة التي قامت بقرار من هيئة الأمم، وهي الدولة الوحيدة أيضاً التي لا تطبق أو تلتزم بأي من قرارات هيئة الأمم المتحدة.
وحتى في المجال النووي لم توقع إسرائيل على اتفاقية الحد من انتشار الأسلحة النووية، وترفض فتح منشآتها النووية أمام وكالة الطاقة الذرية. وباختصار هي الدولة الوحيدة فوق القانون الدولي، وبالتالي من كان "بيته من زجاج فلا يحق له أن يرمي الناس بالحجارة"، فمن يمتلك السلاح النووي وبمئات القنابل ويحتل أرض الغير، ليس من حقه أن يتهم الآخرين، أو أن يكون صاحب الوكالة الحصرية لهذا السلاح في المنطقة، لكي يستمر في مواصلة عربدته واعتداءاته واحتلاله لأرض الغير، وفرض الهيمنة والسيطرة على المنطقة.
والمسألة الأخرى في خطاب نتانياهو هي التأكيد على ثوابته من المفاوضات والعملية السلمية، حيث أشار إلى أنه إذا أراد الفلسطينيون السلام، فعليهم الاعتراف بيهودية الدولة، والقدس خارج معادلة الصراع والعاصمة الأبدية لإسرائيل، والكتل الاستيطانية الكبرى تحت السيادة الإسرائيلية، ولا عودة للاجئين ولا عودة إلى حدود عام 1967 ....الخ.
وبعد كل هذه اللاءات يقول نتانياهو أن يده ممدودة للسلام، ولا أدري عن سلام يتحدث؟ إذا كان هذا السلام مع الفلسطينيين، يستهدف شطب حق العودة والتخلي عن القدس، وبقاء المستوطنات تحت السيادة الإسرائيلية، وسيطرة إسرائيلية مطلقة على جو وبر وبحر الدولة الفلسطينية الموافق على إقامتها، ناهيك عن تحديد من هو رئيس الدولة الفلسطينية وأعضاء الوزارة مسبقاً، على اعتبار أن نتانياهو له حق الوصاية على الشعب الفلسطيني، وهو المخول في كل أموره من الألف إلى الياء.
فعلى صعيد الداخل الفلسطيني- عرب 1948 – مطلوب منا الاعتذار عن النكبة، ووجودنا هناك هو منّة من الحركة الصهيونية، والتي هي ليس حركة استعمارية، بل حركة تحرر وطني، ونضال شعبنا هناك هو "إرهاب"، وما ينطبق على شعبنا في الداخل، ينطبق على أحزابنا وتنظيماتنا الوطنية والإسلامية، فهي تنظيما "إرهابية" مطلوب تفكيكها وحلها، والاستعاضة عنها بالإنسان الفلسطيني الجديد، الإنسان المبني وفق قواعد وأسس ومعايير يحددها الجنرال الأمريكي "دايتون" مع اشتراط موافقة إسرائيل عليها.
أما على صعيد دول الجوار، فإسرائيل يجب أن تكون هي الدولة الإقليمية الوحيدة الأقوى، ولها الحق في قمع وتدمير أي قوة سواء حزب أو دولة ي/تخرج عن طوع أمريكا وإسرائيل في المنطقة، أو ي/تمتلك قوة من شأنها أن تشكل خطراً على المصالح والأهداف الأمريكية والإسرائيلية في المنطقة، وكل من يخرج عن السياسة الأمريكية أو يصف إسرائيل بدولة الاحتلال، فهو في خانة قوى الشر و"الإرهاب"، وهذا المصطلح يجب أن يعاد تعريفه، ووفق ما يخدم مصالح أمريكا وإسرائيل ومعهما أوروبا الغربية، بحيث يجري تحصين قادة وجيوش تلك الدول ضد أية اتهامات أو جلب للمحاكم الدولية للمحاكمة بتهم ارتكاب جرائم حرب، مهما كان شكل ونوع الجرائم التي يرتكبونها، تماماً كما هو حاصل في البند السابع من ميثاق الأمم المتحدة، والذي ينص على استخدام القوة على البلد أو الطرف الذي يرفض الانصياع للقرارات الدولية، ولكن هنا على شكل أوضح، ووزير الدفاع الإسرائيلي "أيهود براك" طالب بذلك صراحة.
وفي النهاية لا نمتلك أن نقول للطرف الفلسطيني المفاوض، كما قال المأثور الشعبي"إللي بيجرب المجرب عقله مخرب"، فنتنياهو جربتموه أكثر من مرة، ولم يلتزم بأية اتفاقيات، حتى في قضايا ما يسمى ببوادر حسن النية أو الإفراجات أحادية الجانب، كان بدل الأسرى الأمنيين، يطلق سراح أسرى جنائيين أو من دخلوا إلى القدس والداخل بدون تصاريح عمل من العمال، أما في المسائل السياسية فهو من أصر على التفاوض على المتفاوض والمتفق عليه، اتفاقية إعادة الانتشار في الخليل، وأخيراً هو جاء لرئاسة الحكومة الإسرائيلية على أساس برنامج جوهره مواصلة الاستيطان، ولذلك عليكم أن تبحثوا عن بديل لعبثية المفاوضات، بديل يقوي عامل القوة الفلسطينية الداخلية، وينهي حالة الانقسام، فالعامل الدولي وحده ليس بكاف للضغط على حكومة نتانياهو لوقف أو تجميد الاستيطان.