التوقيع على اتفاق تبادل الوقود النووي بين إيران وتركيا والبرازيل هو مفاجأة السياسة الدولية وصفعة قوية للولايات المتحدة تحديدًا وحلفائها في أوروبا والشرق الأوسط، وخاصة إسرائيل التي بنت جميع حساباتها على تفاقم أزمة ما يعرف بالملف النووي الإيراني.
ورغم تصريحات وزيرة الخارجية الأمريكية هيلاري كلينتون حول رزمة العقوبات ضد إيران التي عممتها على مجلس الأمن، إلا أن الاتفاق المذكور أفرغها في مضمونها السياسي والعملي ووضع حدًا لها، شاءت ذلك أمريكا أم أبت.
الدلالة الرئيسية لهذا التطور الهام في المنطقة هي أن مفتاح إدارة الصراع والتعاطي مع الأزمات في الشرق الأوسط تم انتزاعه بامتياز من „الراعي” الأمريكي وتحويله بجدارة إلى ما يسمى الدول النامية، التي كما يبدو لم يكن دعم الصين وروسيا المحدود لها العامل الأساس في هذا الانتصار السياسي والدبلوماسي الكبير الذي تحقق بتوقيع الاتفاق الثلاثي، الناتج ليس فقط عن الجهود الدبلوماسية المكثفة وطويلة المدى بين الدول الثلاث، وإنما أيضا عن الاستراتيجيات الصحيحة لهذه الدول، التي بنت علاقاتها البينية على أسس راسخة شملت السياسة والاقتصاد والمصالح المشتركة على كل الصعد والمستويات ضمن رؤية واضحة لشق طريق التطور المستقل والمنفتح على العالم وغير المرتهن فقط لقواعد اللعبة التي تحددها أمريكا وحلفائها من الدول العظمى الأخرى.
منذ سنوات طويلة حاولت البرازيل إقناع الدول العربية بنسج علاقات معها ومع دول أمريكا اللاتينية والخروج من هامشها المحدود المحكوم بعلاقات التبعية المستحكمة مع الولايات المتحدة.
تركيا وإيران تجاوزتا منذ زمن بعيد مأزق انعدام الرؤية وضيق الأفق الذي ما زال طاغيًا على النظام العربي بمعظمه، وأصرتا على تبوّؤ المكانة التي تستحقان، مثلهما مثل جميع الأمم التي نجحت في بناء ذاتها من خلال بناء الدولة الحديثة التي تتميز بسمة التخطيط الاستراتيجي ومحاربة الفساد والالتزام بمعايير التطور الديمقراطية في حده الأدنى على الأقل.
فيما الدول العربية الرئيسية وبالتحديد مصر والسعودية أصرت على الاستمرار في لعب دور الأداة في تنفيذ ما يُطلب منها، أو في كثير من الحالات ما تتبرع هي بالقيام به لإرضاء أمريكا وإسرائيل حتى دون أن تطلب منها أمريكا ذلك، هذه الدول بأنظمتها الفاسدة، عطلت تطورها بذاتها وبقيت غير مؤهلة لبناء الأمة الحديثة والدولة الحديثة، من خلال الانشداد الدائم للحفاظ على عروشها وتعميق حالة الفساد في أجهزتها المختلفة.
فلم يحدث في التاريخ الحديث أن تفرض دولة عصرية قوانين طوارئ لأكثر من ثلاثين عامًا متواصلة كما يحدث في مصر على سبيل المثال.
النموذج الإيراني التركي البرازيلي بجوانبه السياسية والاقتصادية يؤسس موضوعيًا لواقع جديد في العلاقات الدولية وستكون له إسقاطات واضحة على شعوب المنطقة، وسيفتح المجال أمام إنتاج وتبلور حركات شعبية تغييرية قد تتسع معها دائرة النقد والاحتجاج على واقع القهر والانتكاس والتي بدأت تتضح معالمها داخل مصر، أكبر وأهم دولة عربية.
والسؤال المطروح هل ستتوقف أمريكا والدول العظمى الأخرى عند هذه التطورات التي ستكون لها قيمة مفصلية في منطقة الشرق الأوسط؟ وهل ستراجع سياساتها في المنطقة ومسألة توزيع الأدوار ضمن رؤية جديدة للتوازنات الإستراتيجية الناجزة؟
لا شك أن هذا الأمر سيكون مرهونًا إلى حد كبير بالموقف الروسي الصيني من جهة والمواقف الأوروبية المتباينة التي ما زالت تتسم بالإرباك وغياب المبادرة. ولا شك أن مواقف هذه الأطراف بدأت تتأثر بالتطورات الجديدة.
لكن هذا التأثر لا يكفي من أجل فرض معادلات إقليمية جديدة تستطيع من خلالها دول المنطقة لعب دور إقليمي ودولي خارج الهامش المعد لها من قبل الامبريالية العالمية والدول العظمى، الأمر الذي يمكن تحقيقه فقط إذا توفرت إرادة سياسية مستقلة تحدد خياراتها بنفسها والتي يجب أن تستند إلى استراتيجيات وبرامج واضحة أيضا.
ومن الواضح أن هذه الاستراتيجيات، لكي تكون فاعلة، عليها أن تنطلق من فهم الاستراتيجيات المضادة للمشروع الأمريكي الغربي في المنطقة والذي يشمل العرب وغير العرب وبالأساس تركيا وإيران.
من هذا المنطلق فان أي مشروع عربي تحرري أو سيادي وحدوي يجب أن يبنى على أساس التحالف بين المركبات الإقليمية المستهدفة وذات المصلحة في مواجهة المشروع الأمريكي الامبريالي نحو إعادة ترتيب الأدوار على قاعدة الندية والسيادة والاحترام. بهذا المعنى تنتفي الحاجة للحديث عن مشروع قومي عربي مجرد خارج هذا السياق، بل هناك حاجة لمشروع إقليمي يجمع العرب مع تركيا وإيران ويمكن تسميته مشروعا عربيا إسلاميا.
من نافلة القول إن أنظمة عربية، وتحديدا النظام المصري والسعودي غير مرشحة لمثل هكذا مبادرة، في حين أن سورية ولبنان وبعض دول الخليج مؤهلون لخوض غمار هذه التجربة، ولا شك أن التحالف السوري الإيراني والانفراج الكبير في العلاقات مع تركيا بمثابة انجازات كبيرة على هذا الطريق الذي تعززه الدبلوماسية المتطورة والإدارات السياسية الحكيمة لدول هذا المحور. الاتفاق الثلاثي لتبادل الوقود النووي خير دليل على هذه الحكمة.
التعليقات