25/05/2010 - 06:58

تشومسكي.. إضافة جديدة؟../ بسام الهلسه

تشومسكي.. إضافة جديدة؟../ بسام الهلسه

رغم أن نقد البروفسور نوعام تشومسكي (NOAM CHOMSKY)، الأستاذ في "معهد ماساشوستس للتكنولوجيا" "لإسرائيل" يراوح في حدود ممارساتها العنصرية تجاه الفلسطينيين، وعدوانيتها العسكرية، وارتباطاتها بالولايات المتحدة الأميركية، ولا يذهب عميقاً ليطال وجودها وبنيتها، كما هو شأن انتقاده للولايات المتحدة، إلا أن هذا لا يقلل من أهميته أبدا. فهو صادر من عالم لغوي ذي قامة عالية، وناشط كبير في المجال العام العالمي، يعدُ أحد أهم مفكري عصرنا الذين يبلغ تأثيرهم ونفوذهم العلمي والمعرفي قطاعات وفئات واسعة من الأكاديميين والمثقفين والقراء عموما، في مختلف أنحاء وأمم العالم التي تترجم مؤلفاته وآراءه الى لغاتها حال صدورها.

هذا العامل، إضافة إلى كونه من اصول يهودية الديانة، هو السبب الكامن وراء ضيق حكومة "اسرائيل" به ومنعها له من دخول الضفة الغربية لتقديم محاضرة في جامعة "بير زيت" الفلسطينية، رغم معرفتها بما سيثيره هذا الإجراء بحق العالِم المرموق من ردود فعل مستنكرة، ليس على المستوى العربي الذي لا تأبه به، بل على المستوى الغربي، وعلى مستوى شخصيات وهيئات يهودية يحظى تشومسكي بتقديرها واحترامها.

فبعد توقيفه لساعاتٍ في نقطة الحدود القائمة على الجسر الواصل بين الضفة المحتلة والاردن والتحقيق معه، أبلغت "إسرائيل" تشومسكي رفضها منحه تصريحا بالعبور، لكنها لم تستطع منعه من التواصل مع جامعة بيرزيت وتقديم محاضرته من عمَان بواسطة "الفيديو كونفرنس".

* * *

واقعة منع تشومسكي، لا تضيف جديدا للعرب الذين خبروا "إسرائيل" والعصابات الصهيونية منذ عقود طويلة، على جلودهم وعلى دماء وأشلاء آلاف الآلاف من الضحايا. لكنها تضيف معرفة جديدة صادمة لقسم من أولئك السادة والسيدات في الغرب الذين صدقوا حكاية "إسرائيل": دولة الديمقراطية، والقوانين المتحضرة، وحقوق الإنسان، وحرية التعبير..

فإذا كان هذا ما تفعله مع زائر عابر بمكانة تشومسكي، فما الذي تفعله مع أهل البلاد الأصليين، العرب الفلسطينيين، الذين تنكر وجودهم أو تعتبره طارئا؟

واقعة المنع أيضا، أضافت جديدا لتشومسكي نفسه الذي عبر عن استغرابه فقال إن "إسرائيل قد فقدت عقلها!" كما نقلت عنه وكالات الانباء. ولو انه قال هذا الكلام لعربي عادي بسيط، ممن جربوا "حقوق الإنسان على الطريقة الإسرائيلية"، لما رأى فيه أية غرابة، ولقدم لتشومسكي سجلاً لا ينتهي من وقائع "إسرائيل" العاقلة!

* * *

جرأة "اسرائيل" على شخصية بحجم ومقام تشومسكي، تكشف عن مدى التوتر الذي يشعر به قادتها، وهو ما يدفعهم الى "التصرف بعصبية" كما لاحظ تشومسكي. وهو توتر ناجم، في العمق، عن مقاومة ضحاياهم العرب لهم، وعجزهم عن إخضاعهم وإخماد أصواتهم، وبالتالي طمس قضيتهم. وليس ناجما عن "ازدياد توجه إسرائيل نحو اليمين والجماعات الدينية" كما استنتج تشومسكي. فـ"اليسار الصهيوني" هو من قام بالاستيلاء على فلسطين وتهجير أهلها ورفض عودتهم. و"اليسار" هو من نفذ مجازر: الطنطورة وقبية وكفر قاسم وبحر البقر وقانا.

و"اليسار" هو الذي قدم أقصى عرض لديه للتسوية في كامب ديفيد 2000، الذي قال تشومسكي إن الفلسطينيين لا يمكن أن يقبلوا به، وشبه ما يعرضه "الإسرائيليون" عليهم بـ"الدجاج المقلي" كما عَنوَن احدى مقالاته!

صمود العرب ومقاومتهم بالدرجة الأولى، هما ما يجعل "إسرائيل" تفقد أعصابها، ثم يأتي تنامي انتقادها وتداعي سمعتها في العالم، وبخاصة في الغرب، ليضيف عاملاً آخر.

فلو أنها نجحت في مهمتها في تطويع العرب، لما وجدت من ينتقدها، ولما اكترثت به إن وجد، ما دامت تنال رضا اميركا. ولاستمرت في أداء لعبتها القديمة في انتحال وتمثيل دور الضحية، وصورة واحة الحضارة وحارستها في الشرق الاوسط.

* * *

لدى الصهيونية و"إسرائيل" تهمة جاهزة لمن ينتقدهما من "الغوييم" ـ أي غير اليهود ـ وهي: معاداة السامية. اما من يعارضهما من اليهود، فثمة نعتٌ خاص بهم: "اليهودي الكاره لذاته"! وهو ما حظي به نوعام تشومسكي.