على عادته في الإيقاع بين العرب من طريق الدس وانتحال المعلومات، لتحريض بعضهم على بعض، يخوص الإعلام الصهيوني منذ أيام أوسع حملة ضد مصر من طريق ترويج معلومات عن أن مصر تعتزم بناء جدار عازل بينها والأراضي الفلسطينية المتاخمة جنوب غزة يمتد طولاً لخمسة عشر كيلومتراً وعمقاً لعشرات الأمتار. أما الهدف حسب الزعم الإعلامي الصهيوني فوضع حدد للأنفاق الفلسطينية وعمليات التهريب على جانبي الحدود.
يعرف الذين يروجون هذه المزاعم (من الصهاينة) أن المعلومات المدسوسة خطيرة للغاية، وأن من شأن تصديقها من قِبل من ينطلي عليهم الأمر من الفلسطينيين والعرب أن يجر على مصر ردود فعل شعبية لا حدود لها.
وربما هم اختاروا هذا التوقيت مستثمرين نتائج ما حصل من غضب عارم على ما يقال إنه حصار على غزة أثناء الحرب عليها وما بعدها، لعلمهم بأن كثيراً من ذلك الغضب الذي كان ينبغي أن ينصب على جريمة العدوان الصهيوني صرف ضد ما اعتبر “حصاراً مصرياً” لغزة. ولا يحتاج المرء إلى كثير ذكاء ليدرك أن البغية من هذه الحملة الإعلامية إنما هي الإساءة إلى مصر وصورتها في أوساط الشعب الفلسطيني والرأي العام العربي وتزوير التناقضات في المنطقة وصرفها في اتجاهات أخرى بعيداً عن وجهتها الحقيقية.
ثمة أهداف صهيونية أخرى في الأثناء: حين يصدق من يصدق أن مصر تقيم جداراً عازلاً بينها وبين فلسطين، فإن خياله لن يمنعه من الاعتقاد أن الجدار هذا إنما يشيد بالاتفاق مع العدو لخنق المقاومة ومنعها من التزود بالمال والسلاح على قاعدة سابقة الضغط الصهيوني المستمر على مصر لتدمير الأنفاق وتشديد الرقابة على معبر رفح والحدود المصرية الفلسطينية. هذه واحدة. الثانية أن إقامة الجدار العازل يمثل إعلاناً رسمياً بإنهاء صلة مصر بالصراع العربي الصهيوني (كما توحي الحملة الإعلامية “الإسرائيلية”).
أما ثالث الأهداف الفرعية، فتبرير جدار الفصل العنصري الصهيوني داخل الأراضي الفلسطينية. فحين تقيم مصر على ما يدعي الإعلام “الإسرائيلي” جداراً عازلاً عن الفلسطينيين، فمن ذا الذي يمنع “إسرائيل” من أو يؤاخذها على بناء جدار عازل؟
وصفنا هذه الحملة بأنها حملة مزاعم على الرغم من أننا لم نسمع حتى الآن تكذيباً رسمياً لها . ونحن نحسب أنها كذلك (أي حملة مزاعم) لأننا نربأ بمصر أن تأتي مثل هذا الذي يروجه الإعلام الصهيوني من معلومات عنها، وخاصة بعد وجبات متلاحقة من اتهامات بالتقصير في تخفيف الضغط عن أهالي غزة أثناء الحرب “الإسرائيلية” عليهم وبعد انتهائها، بل والذهاب بعيداً إلى حد التشكيك في موقفها مما جرى. إذ الحري بها، في مثل هذه الحال، أن تسعى أكثر إلى تبديد الالتباس ونفي التهم: على نحو ما تفعل حين ترعى حواراً وطنياً بين الفصائل، أو حين تشارك في إخراج صفقة تبادل الأسرى بين “حماس” والعدو .
من يعرف مصر وما قدمته لفلسطين، لا يمكنه أن يصدق ما تروجه الدعاية الصهيونية من مزاعم . مصر التي كانت وراء تأسيس منظمة التحرير في العام ،1964 والتي دعمت الثورة والعمل الفدائي بعد حرب ،67 وخاضت أربع حروب في مواجهة الدولة الصهيونية (،1948 ،1967،1956 1973)، وقدمت عشرات الآلاف من الشهداء، من الجيش والشعب، في معترك الصراع العربي الصهيوني، لا يمكن أن تبني جداراً عازلاً مع فلسطين، ومع غزة بالذات: التي دخلها جيشها في حرب العام 1948 استنقاذاً له من العصابات الصهيونية.
وإذا كان للمرء أن يتخيل جداراً مصرياً يبنى، فجدار عازل مع الدولة الصهيونية لا مع الفلسطينيين. بل إن المنتظر من مصر كسر الحواجز كافة مع غزة لتمكين أهلها من التنقل الحر وتأمين حاجياتهم والتحرر من الحصار الصهيوني المضروب عليهم.
في انتظار أن تضع مصر حداً لهذه الحملة الصهيونية من الافتراءات عليها، الهادفة إلى الإساءة إليها وتحريض الفلسطينيين والعرب عليها، لا بأس من أن يتحرك أولئك الذين انتدبوا أنفسهم وأقلامهم للدفاع عن كرامة مصر “المهدورة” بعد النزال الكروي المصري الجزائري في السودان، ليدافعوا حقاً عن هذه الكرامة في وجه الإساءة الصهيونية، السافرة. فمصر اليوم تستحق منهم تلك الحمية، وتلك النعرة، التي صرفت قبل فترة قليلة إلى غير وجهتها الطبيعية، فالحلالُ بين والحرام بين.
"الخليج"