31/10/2010 - 11:02

خطاب «اللاانسانية» مقابل خطاب «اللاسامية»/ خالد خليل

-

خطاب «اللاانسانية» مقابل خطاب «اللاسامية»/ 
خالد خليل
تهمة „اللاساميه” هي الهجوم-الدفاع الذي تستخدمه إسرائيل والحركة الصهيونية كلما تضعضع وضعها على الساحة الدولية وكلما أرادت استعطاف العالم من اجل تبرير سياساتها العنصرية والجرائم التي ترتكبها بحق الشعب الفلسطيني والشعوب العربية .
هذا الأسبوع أصدرت الوكالة اليهودية تقريرها السنوي فيما يتعلق بمؤشر اللاسامية في العالم، وجاء في تصريحات رئيس الوكالة نتان شرانسكي أنَّ ميزان اللاسامية ارتفع بشدة في العام 2009، حيث تضاعفت على حد قوله الأعمال المعادية لليهود وإسرائيل في عدد من البلدان الأوروبية ..

وأوضح شيرانسكي أن اللاسامية اليوم تتجلى أكثر في العداء لإسرائيل وكثافة أعمال الاحتجاج ضد سياساتها .

في الماضي كانت اللاسامية ترتكز على مرتكزات دينية مسيحية في أوروبا تعود جذورها التاريخية إلى اتهام اليهود بمقتل السيد المسيح عليه السلام.

وبعد المحرقة النازية في الحرب العالمية الثانية، أصبح إنكار المحرقة مقياسًا للاسامية، ولطالما استغلت إسرائيل هذا الإنكار لتعزيز دور الضحية الذي تقمصته كمبرر رئيسي لوجودها.

ولا شك أن إسرائيل أدركت مكمن القوة في هذا الموضوع واستخدمته بمنهجية في معاركها الدبلوماسية والإعلامية. لكن لوحظ في المقابل أنَّ السنوات الأخيرة شهدت تراجعًا في موضوع إنكار المحرقة على مستوى حركات التحرر الوطني والنخب المعادية للمشروع الصهيوني، بعد أن تبين لهؤلاء أن هذا الإنكار هو بالضبط ما تنتظره إسرائيل والحركة الصهيونية لكسب الرأي العام الدولي والتغطية على جرائمها. وكاد هذا الإنكار يتلاشى لولا سلسلة التصريحات التي أدلى بها الرئيس الإيراني حول المحرقة والتي وصفها بعض المحللين بأنها تصريحات غبية وتضر بنجاعة عملية التأليب ضد السياسات العنصرية لإسرائيل، إن لم تكن تصب في خدمتها دون قصد.

لقد شهد عام 2009 تناميًا في الاحتجاج والنقد ضد إسرائيل وتحديدًا في أوروبا، وهذا الاحتجاج والنقد تميز بطابعه السياسي-الإنساني الواضح ضد الجرائم الإسرائيلية التي ارتكبت أثناء العدوان على غزة ، وازداد هذا النقد حدة في أعقاب تقرير غولدستون الذي اتهم إسرائيل بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية وطالبها بإجراء تحقيق حول ذلك .
ومن الملفت انه لم تسجل خلال العام 2009 اعتداءات عينية بارزة على اليهود أو المؤسسات الدينية اليهودية في أوروبا والعالم، على عكس ما تميزت به „الحملات اللاسامية” في السابق.
ومن الملاحظ أن تقرير شيرانسكي لامس هذه الحقيقة ولم يشر إلى اعتداءات عينية يمكن استخدامها إعلاميا ودعائيا، والاهم من ذلك استنتاج شيرانسكي بأن ما وصفه بـ „تنامي اللاسامية „ بهذا الشكل لا يفيد موضوع الهجرة إلى إسرائيل، لا بل أن زيادة النقد على الممارسات الإسرائيلية يؤدي إلى انخفاض منسوب الهجرة ويضع العراقيل أمامها.

وباعتقادنا انه ليس صدفة هذا العام أن تكثف إسرائيل نشاطها في إحياء ذكرى الهولوكوست في العالم ، حيث تشهد العواصم الأوروبية هذه الأيام غزواً غير مسبوق للوفود الحكومية والرسمية الإسرائيلية للمشاركة في فعاليات إحياء الذكرى وتضم هذه الوفود عشرات الوزراء وأعضاء الكنيست ابتداءً من رئيس الحكومة نتنياهو وانتهاءً بأعضاء كنيست عرب، ترأس احدهم وفدًا إلى ايطاليا وشارك الثاني ضمن وفد رسمي عن الكنيست إلى أوشفيتس.

أيوب قرا الذي ترأس الوفد إلى ايطاليا يقوم بذلك عن إدراك تام بأنه يخدم دولة إسرائيل ويساهم في إخراجها من مأزقها الحالي على الساحة الدولية، وهذه هي وظيفته كعضو في الحزب الحاكم وهو يعتبر نفسه „مخلصاً لدولته” وليس خائنا لشعبه وقضاياه، وفي نفس الوقت أعلن أيوب قرا أكثر من مرة انه مع „السلام العادل” و”إنهاء الاحتلال” و”قيام الدولة الفلسطينية”، طبعًا مع حرصه على انتقاد „الإرهاب الفلسطيني” .

أما محمد بركه رئيس الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة فهو منسجم مع نفسه في التعاطف مع ضحايا الهولوكوست ويدافع عن مشاركته في إحياء هذه الذكرى ضمن وفد إسرائيلي رسمي عالي المستوى من هذه الزاوية، وبالطبع لا يتعرض إلى وجوده ضمن هذا الوفد من زاوية سياسية، بل من زاوية إنسانية محضة! ويذهب بعض السذج من المدافعين عن خطوة بركة إلى أنها مشاركة سياسية لفضح السياسة الإسرائيلية وادعاءاتها بأنّ الفلسطينيين ينكرون المحرقة.
لا نعتقد بأنّ الجبهة الديمقراطية تختلف معنا بأنّ جوهر نشاط إسرائيل فيما يتعلق بالهولوكست سياسي بامتياز، يهدف إلى تحسين صورتها أمام العالم وتخفيف حدة النقد والاحتجاج العالمي ضد جرائمها بحق الشعب الفلسطيني. ورئيس الجبهة لن يكون متحدثًا رسميًا في اوشفيتس كي يفضح سياسة إسرائيل، مع انه قد يجري بعض المقابلات الصحفية على هامش إحياء الذكرى ومن الطبيعي أن يتطرق خلالها إلى السياسات الإسرائيلية لكنه لن يتصدر وسائل الإعلام كما يفعل الوفد الإسرائيلي الرسمي، وستبقى هذه المشاركة مجرد تسجيل موقف يطرب له الشارع الإسرائيلي وتمقته ساحتنا الوطنية بما فيها قطاع واسع من الجبهة ذاتها. فلماذا علينا أن نثبت أننا ضد المحرقة، ألا تقع هذه المهمة على عاتق أوروبا؟!

إن مهمة الأحزاب والحركات السياسية الوطنية هي فضح أهداف هذه الوفود الرسمية الحقيقية وعدم اللعب في الملعب الإسرائيلي، إن كان ذلك من خلال إنكار المحرقة أو من خلال المشاركة بالوفود الرسمية الإسرائيلية بذرائع إنسانية، فالأمران سيان ويصبان في خدمة الأهداف الإسرائيلية من دون قصد أيضا.

في أعقاب تقرير الوكالة اليهودية صرح نتنياهو انه سيعمل على جلب مليون „مهاجر” يهودي إلى إسرائيل، متحديًا استنتاج شيرانسكي بأنّ تفاقم اللاسامية ضد إسرائيل يضر بالهجرة.
ولا تتورع إسرائيل وأجهزتها الدعائية عن اتهام منتقديها والمحتجين على جرائمها باللاسامية كما حصل مؤخرًا من خلال التقرير التي أصدرته وزارة الخارجية الإسرائيلية حول العلاقة مع تركيا والتجرؤ على اعتبار مواقف اردوغان معادية للسامية، ما يعبر عن مدى الإرباك والبلبلة الحاصلين على مستوى القيادات الإسرائيلية، ومن غير المستغرب أن تقوم هذه القيادات بافتعال أجواء لا سامية واستدعاء „حوادث” تعزز هذه الأجواء، حيث لا يخلو التاريخ الصهيوني الإسرائيلي من نشاطات مدبرة على هذا الصعيد.

الشعب الفلسطيني وحركته الوطنية ليسا بحاجة لافتعال حوادث تؤكد الجرائم الإسرائيلية، فالحقائق واضحة وضوح الشمس والمطلوب هو المثابرة بكشفها للعالم وملاحقة مجرمي الحرب الإسرائيليين.. وهذا الأمر من شأنه تبهيت خطاب „اللاسامية” إذا ما أجدنا الحديث عن اللاإنسانية الإسرائيلية الثابتة بالصوت والصورة، وتحويل خطاب „اللاانسانية” إلى خطاب مثابر على الساحة الدولية، ما من شأنه تصعيب عملية استقدام مليون مهاجر جديد إلى إسرائيل والإيغال في ارتكاب الجرائم وفي مشروع النهب الصهيوني على حساب الشعب الفلسطيني.