31/10/2010 - 11:02

خيارات صعبة أحلاها مُر؟!../ خالد خليل

خيارات صعبة أحلاها مُر؟!../ خالد خليل
شن الحرب على لبنان وسوريا، أو على لبنان لوحده، في المرحلة القادمة لن يكون بقرار ثلاثي لرئيس الحكومة ووزير الحرب ووزير الخارجية، كما حصل في حرب 2006، بل سيكون على الأرجح بقرار سباعي هذه المرة وبالتنسيق المباشر بالطبع مع قادة المعارضة- ليفني وموفاز.

وإذا سلمنا أن جمود العملية السلمية وانسداد الأفق أمام إجراء تسوية مع سورية لا يعني بالضرورة اندلاع الحرب فورًا، فإنه لا شك بوجود أسباب كثيرة أخرى تقود إلى هذه الحرب ومن ضمنها السبب الكلاسيكي الذي لم يطرأ عليه تغيير وهو استعادة الهيبة وقوة الردع الإسرائيلية والتي اهتزت كثيرًا جراء حرب تموز الماضية.

إستراتيجية التفوق الإسرائيلي لا تسمح بغير ذلك، خاصة على حدودها القريبة. وفقط حوادث كبيرة تؤدي إلى وقائع جديدة على الأرض من شأنها دفع إسرائيل إلى التراجع عن شن حرب على الحدود الشمالية، على أن تكون هذه الحوادث ذات وزن موازٍ للأهداف التي قد تحققها الحرب الرابحة إسرائيليا، على غرار النجاح باغتيال حسن نصر الله على المدى القريب، أو زعزعة أركان النظام السوري من قبل حلفاء إسرائيل وأمريكا على الساحة السورية في المدى المتوسط، أو النجاح في إجراء تسوية مع سورية بالتوازي مع تقدم في العملية السياسية على المسار الفلسطيني.

من الواضح أن احتمال التسوية في المرحلة الراهنة غير وارد وفقاً للتركيبة الإسرائيلية الحالية، خاصة في أعقاب الفشل المتتالي لإسرائيل وأمريكا على المستوى الإقليمي، وتخريب انجازاتها في لبنان وتشكيل حكومة الوحدة الوطنية هناك، لا بل إن هذه الأطراف يضاف إليها المقاومة الفلسطينية، نجحت بتعزيز صفوفها ووحدتها التي تجلت في قمة دمشق لتعلن عن محور الممانعة المتماسك والقوي المتحدي للصلف الإسرائيلي والأمريكي.

وإذا كان ذلك وحده ليس كافيًا لأن يفضي إلى حرب قريبة، فإنّ أسبابًا كثيرة أخرى تنبئ بقدوم هذه الحرب حتى وإن لم نصدِّق تنبؤات محمود أحمدي نجاد بصدد موعدها في الصيف القادم.

ومن أهم هذه الأسباب باعتقادي هي البلبلة والخوف وحالة الإرباك التي تسود داخل الرأي العام الإسرائيلي التي يفرضها التفكير في التداعيات المحتملة للحرب القادمة والثمن الذي من الممكن أن تدفعه الجبهة الداخلية في إسرائيل جراء القصف الصاروخي المتوقَع في هذه الحرب، فالإسرائيلي المتوسط يعيش حالة من الهلع لمجرد التفكير في السيناريو الذي يكتنف الشارع الإسرائيلي حول مشاركة سورية أو إيران في هذا القصف الصاروخي.

هذا الهلع والخوف لا تنشره وسائل الإعلام الإسرائيلية التي تجتهد صبح مساء في إبراز القوة الإسرائيلية وتفوقها المضمون، لكن الخوف الظاهر الذي يلمسه كل من يحتك بالمجتمع الإسرائيلي، والذي لا يخلو من تصريحات لكثير من الإسرائيليين عن ترك البلاد في حال وقوع الحرب، والبدء بالبحث والاستعداد للعيش في مكان آمن خارج حدود الدولة، هو أيضًا معروف للقيادة الإسرائيلية وهو العامل الأكثر تأريقًا لها على صعيد تماسك المجتمع الإسرائيلي وأزمته البيّنة في القدرة على احتمال ضربات عسكرية موجعة خاصة على مستوى الجبهة الداخلية وليس في ساحة المعركة.

لذا فإنّ متخذي القرار في إسرائيل سيضطرون إن عاجلاً أم آجلاً إلى اتخاذ قرار الحرب على الجبهة اللبنانية أو اللبنانية والسورية معًا في حال فشلوا في إجراء أي تقدم على صعيد الحوادث الكبيرة التي أشرنا إليها (الاغتيال أو زعزعة النظام السوري). وبما أنّ الحرب على الجبهة الإيرانية غير واردة بسبب قرار أمريكا وليس بسبب قرار إسرائيل، فإنّ نتائج الحرب المحتملة مع لبنان أو سورية ستكون الأساس ونقطة الانطلاق في السياسات الإستراتيجية على المستوى الإقليمي.

بكلمات أخرى إذا استطاعت إسرائيل القضاء على المقاومة اللبنانية وتوجيه ضربة قوية لسورية، فان ضرب إيران عسكريا سيكون حتميًا فيما بعد. أما إذا نجحت المقاومة وسورية في إفشال الأهداف الإسرائيلية وتحقيق توازنات جديدة على مستوى الردع، فإنّ تغييرات دراماتيكية على مستوى السياسات الإستراتيجية الإقليمية سوف تحصل، وسيكون أقلها على المستوى الإسرائيلي، الانتقال من إستراتيجية التفوق إلى إستراتيجية التوازن والقبول بأدوار جديدة للقوى الإقليمية، حتى إلى درجة القبول بإيران نووية.

ما هو مؤكد، وبغض النظر عن أية مستجدات قد تحصل، أن الضعف المزمن للجبهة الداخلية في إسرائيل سيبقى متغيرًا رئيسيًا حاسمًا في قرارات السلم والحرب. وأيا كان القرار وحتى لو صدر بمشاركة كافة الأجهزة الأمنية والسياسية، باتجاه التسوية أو العدوان، فانه بالضرورة ينطوي على مجازفات ستكون لها عواقب واضحة على إسرائيل وسياساتها في المنطقة. فالدخول في تسوية مع سورية في الظروف الراهنة يعني إذعانا سياسيا من قبل إسرائيل لشروط الحد الأدنى السورية، خاصة وأن هذه الأخيرة تنطلق من موقع قوة وتتحدث علنا عن خيار المواجهة العسكرية كبديل عملي وواقعي وترفض الاملاءات الأمريكية والإسرائيلية بالابتعاد عن إيران وحركات المقاومة ولا تعتبرها أمورا للتفاوض.

وبما أن إعلان الحرب على لبنان أو سورية له مفاعيل وأهداف سياسية وأمنية متعلقة بالمصالح الإيرانية وتشكل مقدمة لمحاصرتها وإحكام الطوق حولها، فهو بمثابة دعوة لمشاركة إيران مباشرة في هذه الحرب، مما يعني تحولها إلى حرب إقليمية شاملة تحرق الأخضر واليابس ويصعب التكهن بنتائجها. أما إذا قررت إسرائيل إبقاء الوضع مجمدا في حالة اللا حرب واللا سلم التي برعت في ترسيخها، فهي تعلم أن ذلك سيجلب عليها المزيد من المتاعب على الساحة الدولية.

جميع الخيارات صعبة وتنطوي على مجازفات وأثمان لا بد من دفعها، ونعتقد أن إسرائيل مرشحة لارتكاب حماقات أكثر من اتخاذ مواقف عقلانية.