فولكلور سياسي! لا أكثر ولا أقل. هكذا يمكن وصف اجتماع السبت الماضي، الذي قيل أنه كان للقيادة الفلسطينية، واتخذ خلاله، قرار الذهاب إلى، المفاوضات غير المباشرة.
يشبه هذا الاجتماع، تلك المهرجانات، التي كان يقيمها، الرئيس الشهيد "ياسر عرفات" زوراً وبهتاناً باسم القيادة الفلسطينية، والتي كان يعترض عليها أبو مازن عن حق خاصة عندما تولى رئاسة الوزراء كونها، فضفاضة وغير دستورية، وغير مؤسساتية، ولا تكرس فصل السلطات، ولا تكفل أو تضمن، إجراء نقاشات معمقة ومثمرة وجدية، حيث المدا خلات، أقرب إلى الخطب السياسية العقيمة. علماً أن الشهيد أبو عمار، لم تكن تعنيه، سوى الصورة الجامعة، ولم يكن يتأثر كثيراً، بما يقال، أو بالآراء، التي تطرح.
أبو مازن الذي يتحدث عن بناء المؤسسات وفصل السلطات، وتكريس الحكم الرشيد القائم على الشفافية، والنزاهة، والمحاسبة – استخدم مصطلحات كهذه فى مقابلته الأخيرة مع "جريدة" الشرق الأوسط - تخلى فيها عن كل قناعاته وخطابه السياسي. وعقد مهرجان أو فولكلور سياسي تحت عنوان "القيادة الفلسطينية" عبر اجتماع السبت الماضي الذي ضم أعضاء اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير إضافة إلى أعضاء اللجنة المركزية لحركة فتح. الغريب! أن أحداً لم يتحدث عن هذه الخلطة العجيبة، أو تسأل عن سبب الزج باللجنة المركزية - وهو جسم حزبي خاص - في اجتماعات اللجنة التنفيذية، التي يفترض أن تعبرعن الكل الفلسطيني. وطبعاً، من الصعب بل، ومن المستحيل تصور حصول نقاش مفيد ومثمر ومركز في حضور أربعين شخص. ناهيك طبعاً عن السقف الزمني المحدد بساعات معدودة فقط.
أبو مازن استعان "بالفولكلور" عن سبق إصرار وتعمد. لعلمه أن ثمة معارضة واسعة داخل المنظمة حتى بتركيبتها الحالية للقرار البائس بالعودة إلى المفاوضات غير المباشرة. وهو أراد استغلال موافقة اللجنة المركزية للتغطية على الموقف الحقيقى للمنظمة وأعضائها الرافض معظمههم للعودة للمفاوضات، دون الحصول على تعهدات جدية ومكتوبة بالتجميد التام للاستيطان فى الضفة بشكل عام والقدس بشكل خاص.
لم أستغرب فى الحقيقة تناقض أبو مازن واستنساخ أسواء ما فى التجربة القيادية للشهيد أبو عمار. فهو فى النهاية مجرد رئيس أو قائد عربي لا يؤمن حقيقة بالديموقراطية والشفافية وحكم المؤسسات، ولا يقيم وزناً لتعدد الآراء واختلافها. غير أنني استغرب مواقف "احزاب اليسار" الجبهتين الشعبية والديموقراطية وحزب الشعب ما كان يجب عليهم أن يشاركوا فى هذا المهرجان وأن يقبلوا أن يتحولوا إلى كومبارس أو شهود زور. وفي الحد الأدنى الإصرار على عقد اجتماع منفصل للجنة التنفيذية لمنظمة التحرير والتمسك بالتصويت لإثبات أن ليس من أغلبية جدية وملموسة للقرار البائس. هذا لا يلغي طبعاً التحفظ عن التركيبة الحالية للجنة التي لا تعبر عن المزاج السياسي والجمهور الفلسطينى علماً أن أربعة من الفصائل الفلسطينينة الخمس والتي تشكل مجتمعة نصف المجتمع الفلسطيني على الأقل، ترفض ولأسباب ودوافع مختلفة العودة للتفاوض. غير أن ما لا تفعله أو ما تتجاهله الفصائل داخل مؤسساتها التصويت والحسم الديموقراطى. لا يمكن أن تطالب داخل المنظمة التي تعبر في الحقيقة عن الذهنية الاستبدادية والاستئثارية والديكتاتورية عند الطبقة السياسية الفلسطينية. وهذا البعد تحديداً، يمثل الجذر المركزي لمعظم المآسي والكوارث التي ألمت بالشعب العملاق من برنامج النقاط العشر، إلى الحرب الأهلية والاقتتال مروراً "بأوسلو" وإفراغ المؤسسات من بعدها الوطني العام لصالح الاحتكارات الشخصية والفئوية.
---
* مدير مركز شرق المتوسط