أنهى الكنيست الإسرائيلي هذا الأسبوع دورته الصيفية، الأولى للحكومة الحالية، التي تميزت على مستوى السياسة الداخلية بأمرين: أولا: سياسات أكثر عداء تجاه العرب، وثانيا: بقوننة هذه السياسات ضمن قوانين تحدد قواعد لعبة ثابتة لا تتغير بتبدل الحكومات. أما على مستوى الصراع العربي- الإسرائيلي فقد أشارت الشهور الخمس التي مرت إلى أن حكومة نتانياهو تؤمن بسياسة فرض الأمر الواقع مقارنة بالتوصل لاتفاقات وتفاهمات مع الشعب الفلسطيني أكثر بكثير من سابقاتها.
بالتالي نستطيع أن نقول أن الحكومة الإسرائيلية الحالية، سارت ياتجاهين معاكسين، اتجاه يحول سياسات العداء تجاه المواطنين العرب إلى قوانين أكثر رسمية، وبالتالي يقلل من مساحة السياسة بين المواطنين العرب وبين الدولة، واتجاه معاكس يهرب من الاتفاقيات الرسمية مع الفلسطينيين ويقتصر على سياسة فرض الأمر الواقع.
لم تقتصر خطورة ليبرمان على حدود حزبه، بل تعدتها لتؤشر لإستعداد حكومة نتانياهو لاستيعاب كم الكراهية الذي يمثله هذا الشخص للعرب ولكل ما يدل على الوجود العربي في هذه البلاد. واستطاعت الحكومة الحالية استيعاب وتمرير جميع القوانين التي تقدم بها هذا الحزب للكنيست وجميعها كانت ضد العرب.
ونستطيع قراءة سياسة الحكومة الحالية من خلال رزمة القوانين التي تم سنها بعجالة قياسية مقارنة بأهمية هذه القوانين وتأثيرها، ولعل خطورة هذه الحكومة لا تكمن فقط في سياساتها، إنما في تحويل هذه السياسات من سياسات خاصة بهذه الحكومة، إلى قوانين تحكم الشرعية السياسية للحكومات القادمة.
وتعتبر هذه القوانين التي مرت خلال دورة لا تتعدى الـ4 أشهر، الأخطر والأكثر تأثيرا على مستقبل العلاقة بين المواطنين العرب والدولة. فهذه القوانين، إذا ما انصعنا لها، تجعل مجرد تعاطي المواطنين العرب مع السياسة مهمة شبه مستحيلة، بعد أن قامت هذه القوانين بتوسيع عملية الفصل ما بين يهودية الدولة وبين عدم ديمقراطيتها، رافضة بذلك ليس فقط أي عمل سياسي يوسع الديمقراطية إذا ما كان يتناقض مع يهوديتها، بل رافضة أيضا أي تفكير أو تعبير أو نشاط فردي يقوم بذلك.
ضمن هذا المنطق فإن كل نضال سيصطدم مع التعريف اليهودي للدولة، وإذا ما أخذنا بعين الاعتبار أن الخوف من مجرد وجود السكان العرب هو جزء مركزي من هذا التعريف، فنحن لا نستطيع أن نذهب بعيدا في الدفاع عن حقوقنا، حتى بمفهوم من يريدون تطوير "يسار إسرائيلي جديد". فبالنسبة لدولة تخاف من مجرد وجود العرب، يعتبر الدفاع عن حق العرب في الحياة وفي التعليم وفي العمل وفي التطور، تهديدا ليهوديتها، ويعتبر كل نضال يعزز الوجود العربي في البلاد، ويعزز من مكانتهم السياسية، تهديدا ليهوديتها.
ونحن لا نتكلم فقط عن الوجود المادي القوي للعرب، بل أيضا عن رمزية هذا الوجود، لافتات الشوارع باللغة العربية تهدد يهودية الدولة، اللغة العربية تهدد يهودية الدولة، فلا ترى أي وجود لهذه اللغة في المركز التجاري الجديد في الناصرة "بيج"، الوعي بتاريخك الفلسطيني يهدد الدولة اليهودية، إذا ليس فقط وجودك كفلسطيني، بل وجودك كإنسان طبيعي، له تاريخ وذاكرة ولغة وارتباط بشعب وبأمة، يهدد يهودية الدولة.
طرح "اليسار الجديد" هو طرح يهرب من التحدي، ويجيب على تحد متخيل لا تتوفر شروطه ضمن الواقع الإسرائيلي، الذي يحوي "يسارا" حاضرا دائما لابتلاع نضالك وتغيير ملامحه. "يسار" يوافق على الأهداف، لكن يطلب منك "تخفيف حدة لهجتك"، ويوافق على نضالك، لكنه يطلب منك أخذ "طبيعة المرحلة" بعين الاعتبار، ونحن نرى في كل من حولنا، من السلطة الفلسطينية إلى الأنظمة العربية، أطرافا أخذوا بعين الاعتبار "طبيعة المرحلة".
مع ذلك، مهمة القيادة السياسية هي ليست قراءة الخارطة السياسية، وليس حتى تحليلها، مهما بلغ صواب وبعد نظر هذا التحليل، مهمة القيادة السياسية، هي الانطلاق من أن المرحلة الحالية، تثبت أكثر من أي مرحلة سابقة، ضرورة طرح المشروع المواجه لتلك "اليهودية"، واستمرار طرح المشروع البديل، الذي لا يساوم. والمشروع القومي هو الوحيد القادر على إقناع الناس، كونه الوحيد القادر على التعبير عن وجدانهم وحقوقهم معا، دون مساومة بين الإثنين، المشروع المرتبط بتاريخنا، هو الوحيد الذي بوسعه تعبئة الناس وإخراجها للشارع، وهو بالنهاية الوحيد الذي يحمل بديلا حقيقيا لمشروع الدولة اليهودية. وليس في طرح ما لا يوثب شراسة السلطة، أي حكمة أو عقلانية سياسية، فسلطة تصل لحدود بيتك لتسرق أرضك، وتصل لحدود حاضرك لتسرق مستقبلك، لا تحتاج لمن يوثب شراستها، ولا تحتاج لمن يحكها لكي تهتاج وتستعدي، بل تحتاج لمن يقف في وجهها ليلجم شراستها.
والمسؤولية الآن تقع على لجنة المتابعة برئيسها وأحزابها، وتقع علينا جميعا مسؤولية الالتزام بقرارات لجنة المتابعة التي أقرت قبل أسبوعين، والمباشرة، كنص القرارات، بتنظيم مظاهرات في كل مكان مهدد بالهدم أو ببناء مدينة يهودية بقربه، والمباشرة بعقد مؤتمر حول قضايا الأرض والمسكن.
والمسؤولية تلك هي مسؤوليتنا جميعا، سياسيين، نشيطين، صحفيين، أن نقف على تنفيذ هذه القرارات، وعلى متابعة التطورات فيها، هنالك قرارات مهمة للغاية وشاملة أقرتها لجنة المتابعة قبل أسبوعين، وتنفيذها هي مسؤوليتنا كقيادة سياسية أولا، ثم هي مسؤولية الجميع.
من جهة أخرى، يقع على عاتق القيادة السياسية تطوير حصانة داخلية لشعبنا، القيادة السياسية لا تستطيع أن تعفي نفسها من مهمة بلورة مجتمع سوي، غير مشرذم، غير منقسم في هويته الداخلية، في تعريفه اليومي لذاته، مما يعني حتما، عدم الاختباء وراء شعارات الستينيات والسبعينيات، بأننا "شعب جبار"، في نفس الوقت الذي فيه نخاف الإعتراف بآفات مجتمعية، كظواهر الطائفية والعائلية، نعم نخاف، لأن القيادي الذي يعترف بآفات مجتمعه، هو القيادي الذي بوسعه محاربة هذه الآفات والتصدي لها، مهما كلفه ذلك من جهد، ومن . . . أصوات.
من شأن القوانين التي سنت في هذه الدورة، كشف الستار نهائيا عن إدعاء الديمراطية الإسرائيلية، ويعتبر الاسترخاء الإسرائيلي في هذا الاستشراس، أحد نتائج القناعات الدولية بديمقراطية إسرائيل. بالتالي علينا أن نصعد من توجهاتنا للسفارات الأجنبية في تل-أبيب أولا، وللبعثات الأجنبية التي تفد إسرائيل ثانيا، وللمؤسسات الدولية المختلفة ثالثا.
قد يختار الإنسان معاركه، لكنه حتما لن يستطيع تجنب بعضها.