31/10/2010 - 11:02

مسائل الحوار الوطني الفلسطيني / عبد الاله بلقزيز

-

مسائل الحوار الوطني الفلسطيني /  عبد الاله بلقزيز
يلقي تحسن العلاقات العربية العربية نتائجه إيجاباً على العلاقات الداخلية الفلسطينية: تنتقل الوفود بين الرياض ودمشق، بعد طول اكفهرار في العلاقات، وتستحسن سوريا رعاية مصر للحوار بين الفصائل، فينعكس ذلك سريعاً على إيقاع الحوار ومعضلاته ونتائجه ليخلص ابتداء إلى ما ينبغي أن يخلص إليه: إنهاء حال ازدواجية السلطة، أو السعي في طريق ذلك من خلال الاتفاق على تشكيل حكومة وفاق وطني في المناطق الفلسطينية المحتلة. هذه قرينة أخرى، “جديدة”، على اتصال الوضع الداخلي الفلسطيني بالوضع الإجمالي العربي: يصح الأول بصحة الثاني ويعتل باعتلالها. لكن لهذا الاتصال وجهاً ما عاد ممكناً إخفاؤه: حين يتفق الفلسطينيون على إيقاع اتفاق الدول العربية، فمعنى ذلك أن خلافهم ما كان كله داخلياً ولا أصيلاً، وإنما كان منه من اصطنعه لهم غيرهم وأدخلهم في معتركه، وحين أنهاه، انتهى عندهم.

ليست ملاحظة مصروفة هذه الملاحظة لنقد التوافق الفلسطيني والعربي، ونحن من دعاته، ولا للتشكيك في طويته، والسياسة تحاكم بالأفعال لا بالنيات، وإنما هدفها التنبيه إلى أمرين متلازمين: أن توافقاً فلسطينياً محكوماً بتوافق عربي سيكون هشاً لا محالة ومعرضاً للانتكاس عند أي أزمة حادة في العلاقات العربية العربية: وما أكثرها. هذه واحدة، الثانية أن أي توافق وطني فلسطيني، من هذا النوع الذي يُتحدث عنه سيكون جزئياً وانتقالياً ومحدود النتائج إن لم يتناول مجمل قضايا المصير الوطني الفلسطيني وعملية التحرر الوطني. وفي الحالين، ليس لتوافق وطني على مسألة فرعية أن يتحول إلى دليل على أن حواراً وطنياً قام وأنجز ما عليه، لأن ما على هذا الحوار (هو) أن يتناول أمهات المسائل لا فروعها وجزئياتها وإن كانت عقدة العقد في خلافات اليوم.

ستشجع المصالحات العربية لا محالة على إنجاز مصالحة وطنية فلسطينية، أو على الأقل سترفع عن إمكانها بعض الموانع. الفلسطينيون وحدهم من يصنعون وفاقهم الداخلي لأنه خلاف على رؤية للمصير الوطني حان الوقت للبحث فيه بشجاعة أدبية وسياسية، والكف عن إرجاء النظر فيه إلى ما شاء الله أو اصطناع مشكلات أخرى وتظهيرها سياسياً وإعلامياً إلى الحد الذي توحي فيه بأنها قضايا المصير الوطني وأولها مشكلة الصراع على السلطة. ولذلك، بمقدار ما يدعو الاتفاق المبدئي على تشكيل حكومة وفاق وطني إلى الارتياح وإلى انبعاث الأمل بالخروج من نفق حرب داحس والغبراء الفلسطينية، بمقدار ما يرفع من هاجس الخشية من أن يتحول ذلك إلى مطاف شبه أخير للحوار الوطني ولو من وراء القول بالحاجة إلى إخضاع عملية الحوار لتمرحل تعالج فيه قضايا الراهن ابتداء.

نحن من دعاة حوار وطني شامل يتناول القضايا المتصلة بمستقبل العمل الوطني كافة، ويشارك فيه الجميع من دون استثناء وعلى نحو لا تطغى عليه ثنائية “فتح” “حماس” السياسية والخلافية. ونفترض أنه سيكون على جدول أعمال هذا الحوار الوطني المسائل الرئيسية التالية:

تتعلق الأولى بالبرنامج السياسي للتحرر الوطني ويتناول التفكير في هذه المسألة جملة متصلة من الموضوعات تتعلق باستراتيجية التحرر الوطني وعلاقة البرنامج المرحلي الوطني (دولة في حدود أراضي الضفة والقطاع) بتحرير كامل التراب الوطني (المنصوص عليه في الميثاق)، وجدلية المقاومة والعمل السياسي والدبلوماسي، ومعنى التمرحل في النضال الوطني وضمانات سلامته، وكيفية اشتقاق برامج سياسية واقعية لا تنال من الأهداف والحقوق الوطنية العليا للشعب.. الخ.

وتتعلق الثانية بإعادة مراجعة خيارات الحقبة الماضية من العمل الوطني الفلسطيني التي بدأت مع “مؤتمر مدريد”، وخاصة مع توقيع “اتفاقية أوسلو”، والنتائج التي أفضى إليها الرهان على تسوية مغشوشة وغير متوازنة، وعلى تفاوض عبثي لم يثمر أياً من مكتسبات تبرره. وقد يكون في جملة ما يحتاج إلى مراجعة هنا شرعية بقاء السلطة أو شرعية الحاجة إليها وإعادة النظر في مجمل النظام السياسي الفلسطيني الواقع تحت الأسر.

وتتعلق الثالثة بإعادة تشخيص مهمات التحرر الوطني في مرحلة الحكم الذاتي على النحو الذي لا يكون فيه الحكم الذاتي ومؤسساته واتفاقاته قيداً على التحرر الوطني.

وتنصرف الرابعة إلى البحث في الصيغ الأمثل لإعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية، وتكريس مرجعيتها الوطنية والسياسية، وتفعيل دورها كإطار مرجعي للعمل الوطني، ومؤسساته. ويقع ضمن هذا البحث توسيع التمثيل السياسي والاجتماعي للمنظمة كي يستوعب فصائل الحركة الإسلامية والمنظمات الشعبية غير الممثلة.

وتهتم الخامسة بإعادة رسم خريطة للعلاقة بين منظمة التحرير وبين السلطة الفلسطينية على النحو الذي يحفظ للمنظمة سلطانها كمرجعية وطنية، وينهي حال التنازع العبثي على الصلاحيات والاختصاصات بينهما في أمور عديدة: التمثيل، الصرف المالي، العمل الدبلوماسي وممثلياته.. الخ.

أما السادسة، فتتعلق برسم العلاقة بين المقاومة والتفاوض، إذا اقتضى الضغط الدولي والعربي والتوازن الفلسطيني الداخلي الإبقاء على خيار المفاوضات، فإن حق الشعب الرازح تحت الاحتلال في المقاومة مشروع، ناهيك بأن مرحلة التحرر الوطني ستبقى مستمرة قبل قيام الدولة وربما بعد قيام الدولة ولو بأشكال اخرى، وهذا ما يفرض تنظيماً جديداً للعلاقة بين الخيارين والقوى التي تقف وراءهما.

هذه مسائل الحوار الوطني الحقيقية التي ما عاد ممكنا تجاهلها وتأجيلها، وهي أيضاً مسائل المراجعة الفكرية والسياسية المطلوبة من النخب الفكرية والثقافية لإعادة تصويب أوضاع العمل الوطني الفلسطيني.



"الخليج"