31/10/2010 - 11:02

"هنا إسرائيل، وليس فلسطين"../ جيروم انكونينا*

بينما تبدو الإدارة الأميركية والإدارات الرئيسية في العالم عازمة على إنهاء الاستيطان في الأراضي المحتلة أو تلك التي تم إلحاقها، تعلن الحكومة الإسرائيلية رفضها بالوقائع المفروضة على الأرض.

"كنا نائمين هنا، ولم أسمعهم حين دخلوا البيت. فتحت عيناي، كانوا ملثمين، ويلبسون الأسود وصرخو بي: "قم، هنا إسرائيل، هذه ليست فلسطين". لم يكن لدي الوقت لآخذ طفلي، بعد دقائق قليلة كنا على الرصيف أمام منزلنا، وكان كل شيء قد انتهى".
بعد عائلة الكرد بأشهر قليلة أتى الدور على عائلتي غاوي وحنون، الساعة الخامسة من صباح يوم الأحد الثاني من أغسطس، تم طردهما من منزليهما في حي الشيخ جراح العربي القائم في الجزء الشرقي من القدس.

طرد وحشي أغرق سكان الحي في جزع شديد. خمسة وعشرون منزلاً يقطن كل منها عدة عائلات معرَضة لإجراءات مماثلة. هذا الأحد، هذه العائلات كانت قد شهدت ما ينتظرها في أي ساعة من ساعات النهار أو الليل، خلال الأيام والأسابيع القادمة.

جوهر عمليات الطرد اليومي للعائلات الفلسطينية في القدس الشرقية، هو سياسة الاستيطان والتهويد الكلي للقدس التي تنفذها البلدية بدعم من كل الحكومات منذ اتفاقيات أوسلو 1993.

أدى زرع الصهاينة فوق ما يشكل إسرائيل اليوم في سنة 1948 إلى تهجير جماعي بما يقارب 800.000 فلسطيني ما زال معظمهم يرزح اليوم في مخيمات اللاجئين البائسة في لبنان والأردن وسوريا والعراق أو في الضفة الغربية. في نفس السنة، سيطرت الأردن على الجزء الشرقي من القدس. بعض المناطق السكنية، كما هو الحال في الشيخ جراح، عهدت بها المملكة الهاشمية إلى الأنروا – منظمة الأمم المتحدة المسؤولة عن اللاجئين الفلسطينيين- لإعادة إيواء العائلات الفلسطينية المطرودة من القدس الغربية.

منذ 1967 وضم الجزء العربي في القدس من قبل إسرائيل، انطلقت مسيرة استيطانية لا تنتهي لعزل الأحياء العربية في القدس عن باقي الضفة الغربية قاطعة بذلك التواصل الجغرافي مع كافة المناطق الخاضعة لسيطرة السلطة الفلسطينية والجانب الشرقي من المدينة. الهدف الذي تعترف به السلطات الإسرائيلية هو جعل أي تقسيم للمدينة مستحيلاً، ومنع الفلسطينيين من المطالبة بالقدس الشرقية عاصمة لدولة فلسطينية مستقبلية أيضاً.

كانت الموجة الأولى من البناء وزرع الاستيطان اليهودي في المناطق الفلسطينية المحيطة بالقدس الشرقية قد قسمت الضفة الغربية إلى جزأين، وجعلت تنقل الفلسطينيين المقدسيين أو القادمين من الشمال (من ناحية رام الله) أو القادمين من الجنوب (من ناحية الخليل) شبه مستحيل. في الشمال، خط القطار "تراموي" والذي تبنيه فرنسا (شركتا فيوليا وألستوم) يربط بين القدس والحزام الاستيطاني المحيط بها الذي تشكله حوالي ثلاثين مستوطنة، ليشكل أيضاً حاجزاً جديداً بين الضفة الغربية والقدس الشرقية.

وأخيراً في الشرق جنوب تأتي مستوطنة "معاليه أدوميم" وامكانيتها بأن تكون أكبر من تل أبيب مرة ونصف، وقد أنهت تطويق وخنق الجزء العربي من محافظة القدس. كل عمليات ضم المناطق هذه مدعومة على الأرض أيضاً بجدار الفصل الذي لا يقسم الأرض الفلسطينية فقط، بل يضيق الخناق على مدن وقرى فلسطينية باقتطاع نطاقها الطبيعي.

الشيخ جراح في الشمال، ومثلها سلوان في الجنوب، هما القطعتان الأخيرتان في نظام خنق الأحياء العربية المتاخمة للبلدة القديمة في القدس الشرقية. من خلال قلب الموازين الديمغرافية، تخلق إسرائيل أيضا ممرات متجانسة سكانياً تربط بين الجزء الغربي من المدينة والحظيرة الاستيطانية في المناطق الفلسطينية.
ويبقى الأسلوب هو ذاته دائما.

بذريعة الحفريات الأثرية للأماكن المقدسة، أو ماضِ يهودي مفترض أو حقيقي، كل حجة تساق جيدة لطرد وترحيل وتدمير المناطق السكانية الفلسطينية واستبدالها بسكان يهود. في البداية كان المستوطنون المتعصبون من اليهود الأرثودكس المتطرفين قومياً هم من يقومون بهذه المهمة: البقاء في المكان المحتل حديثاً في انتظار ترسيخ الحالة لينتهي الأمر بزرع سكان أقل تدينا منجذبين في هذه الحالة من خلال تسهيلات اقتصادية لا يستهان بها، ومستفيدين من سكن وبنى تحتية ذات أسعار مغرية جداً في ضوء الحالة العقارية في البلاد.

لم يستغرق الأمر سوى نصف نهار لإخلاء مسكنين يجمعان تسعة عائلات تشكلان 53 شخصاً يعيشون في حي الشيخ جراح منذ 1958. أربع ساعات فقط احتاجتها الشرطة الإسرائيلية لتضع أطفال ونساء وعجائز في الشارع وذلك بمساندة قوات حرس الحدود ( وحدة شرطة الحدود الشهيرة للأسف بوحشيتها ضد المدنيين الفلسطينيين). نصف نهار لانتزاع كل الأشياء الشخصية وقطع الأثاث والملابس و تكديسها في شاحنات تذهب بها لردمها في الشارع ذاته على بعد أمتار فقط من مكاتب الأونروا. طريقة إسرائيلية لتذكير المنظمة التابعة للأمم المتحدة بأنها هي إسرائيل الطرف المسيطر على كافة المناطق الفلسطينية، وأنها لن تتسامح مع أي دور للأمم المتحدة سوى إدارة النتائج الاقتصادية والاجتماعية والصحية السكان الفلسطينيين المطرودين. رسالة أخرى تضاف إلى القصف المتعمد أثناء هجوم الشتاء الماضي لمباني الأمم المتحدة في غزة مباشرة بعد إدانة الأنروا للمجازر ضد المدنيين التي ارتكبها الجيش الإسرائيلي في قطاع غزة.

نصف نهار فقط في النهاية لينصعق أهالي الشيخ جراح بوصول أولى عائلات المستوطنين اليهود لتأخذ مكان بيت عائلة حنون، ثم تلتها أخرى لتحتل موقعها في بيت الغاوي تحت بصر ميسون الغاوي وعيون طفليها. يقول أحد سكان الشيخ جراح: "رغم التوتر الشديد، والانتشار الهائل لرجال الشرطة والجنود، فقد سيطر على الحي صمت القبور. الصمت كسرته من حين لآخر تنهدات الحسرة من الأمهات أو صراخ الأطفال. ثم فجأة انقضت آلة المنشار الحديدية على كل أبواب المنازل المسلوبة، بعد ثوانٍ قليلة، أبوابٍ جديدة بأقفالٍ جديدة تم تركيبها".

خلال النهار، وأمام الأنقاض والنفايات المتراكمة أمام المنزل، كانت عائلة المستوطنين الجديدة تحط رحالها وتعيد ترتيب المساحة التي كانت قد صممت لتسكنها تسع عائلات فلسطينية. ست عائلات في بيت الغاوي وثلاثة في بيت حنون، هذا الاكتظاظ لتسع عائلات في مبنيين سكنيين يأتي بسبب منع الجهات الإسرائيلية سكان القدس من البناء وتوسيع منازلهم، كما وتقوم بلدية القدس بالتصدي للبناء بشكل منتظم ومنهجي.

تحت رقابة كاميرات جهاز الأمن الداخلي الإسرائيلي التي تسجل وتهدد كل نية للتضامن مع العائلات الفلسطينية، يشرح صلاح (37 عاماَ) أحد سكان الشيخ جراح: " نحن نشهد نكبةً يومية. حين يلقى بالفلسطينيين خارج بيوتهم، يعرفون أنهم لن يدخلوه أبداً بعد ذلك. لديهم الآن ستون عاماً من الخبرة، الإسرائيليون يريدون تحويل الحي إلى صورة مشابهة لما فعلوه بالخليل حيث حفنة من المتشددين اليهود محميين من قبل الجيش، يحكمون بإرهابهم وسط المدينة الذي تم إخلاؤه لتشييد تواصل أمني (المقصود هنا خال من الفلسطينيين) بين المعبد في الحرم الإبراهيمي بالمدينة العربية القديمة وبين مستوطنة كريات أربع".

280.000 فلسطيني يعيشون اليوم في القدس الشرقية.
ما يقارب ألف منزل فلسطيني تم تدميرها في المدينة منذ اتفاقيات أوسلو.
يقطن فيها ما يقارب 200.000 مستوطن.
منظمة "السلام الآن" الإسرائيلية أعلنت في مارس 2009 أن خطة الاستيطان في القدس الشرقية تجهز لبناء 5700 وحدة سكنية.
في المدى القصير جدا، سيصبح اليهود أغلبية سكانية في الجانب العربي من القدس.