من يستخدم رحم المرأة في السباق الديمغرافي؟

من يستخدم رحم المرأة في السباق الديمغرافي؟

سليمان أبو إرشيد

تشير نتائج نشرت مؤخرا حول نسبة الولادة بين اليهود الإسرائيليين، إلى أن ما يسمى بـ"الهاجس الديمغرافي" لم يعد يقتصر فقط على دوائر الأمن والبحث والسياسة في إسرائيل، بل ان أفكار سيرجيو فرجولا وأرنون سوفر وغيرهما من منظري الديمغرافيا، باتت تضرب في عمق المجتمع الإسرائيلي وتلقى ترجماتها حتى بين أوساطه الأكثر ثقافة وعلمانية وعصرنة. 

وقد كشف البحث الذي أجراه مركز "طاوب" حول التغيرات الديمغرافية في إسرائيل، أن الأخيرة تسير بعكس التيار وتكسر القاعدة السائدة في جميع دول العالم، والمتعلقة بانخفاض معدلات الولادة أو الخصوبة كلما ارتفع مستوى ثقافة النساء ومستوى حياتهن، بتسجيلها ارتفاع كبير في معدلات الولادة، بالذات بين الأوساط التي تتمتع بمستوى ثقافي عال ومستوى حياة جيد.

ولن ينفع لتبرير هذا الشذوذ الحاد عن القاعدة العالمية العامة الاكتفاء بالقول إن "إسرائيل دولة مجنونة"، كما فعلت "هآرتس" في افتتاحية تقريرها أمس الأربعاء، خاصة وأن العقود الأخيرة تشهد انخفاضا في نسب الولادة في معظم دول العالم، والمتطورة منها بشكل خاص، وذلك بالتماشي مع ارتفاع منسوب الثقافة ومستوى الحياة وتحسن مكانة المرأة.

لا ينفع التبرير بديلا عن وضع اليد على السبب الحقيقي الذي يقف وراء هذه المعادلة المقلوبة، التي تشكل فيها الثقافة والعصرنة عاملا لزيادة نسبة الولادة عوضا عن تقليلها، خاصة وأن هذه الميزة هي من مميزات المجتمعات النامية والتقليدية، وهي تضع  إسرائيل التي تفاخر بانتمائها للعالم الغربي المتطور تحت نفس الخيمة مع العالم العربي. 

والبحث الذي أجراه مركز "طاوب" يكشف أن معدل ولادات النساء الإسرائيليات تبلغ 3.1، أي أنها أكثر بولد واحد من معدل ولادة النساء في دول OECD، وهي نسبة أعلى من غالبية دول المنظمة، بما فيها الهند والبيرو وجنوب أفريقيا وإندونيسيا وغيرها من دول العالم الثالث، ومساوية لنسبة الولادة في الدول العربية. 

وإذا كانت نسبة الولادة العالية في أوساط المتدينين والحريديين اليهود مفهومة، فإن نسبة الولادة قد ازدادت بين النساء العلمانيات خصوصا، حيث ارتفعت بين السنوات 1996- 2016 من 1.8 إلى 2.2، في وقت ازدادت فيه نسبة الولادة في أوساط الحريديين بـ 0.3 فقط، وهي في حالة انخفاض. أما   نسبة الولادة بين النساء العربيات المسلمات فقد انخفضت بشكل حاد، من تسعة أولاد في الستينيات إلى ثلاثة أولاد فقط، وذلك بالتماشي مع ازدياد ثقافتهن واستقلالهن، وهي تتساوى اليوم مع نسبة الولادة بين النساء اليهوديات، وتبلغ الثلاثة أولاد تقريبا، بينما تنخفض بين أوساط العرب المسيحيين والعرب الدروز إلى ولدين تقريبا.

من الطبيعي أن العامل السياسي الأيديولوجي هو الذي يقف، في هذه الحالة، أمام هذا التحول، وهو المحرك الذي يدفع مثل تلك الأوساط الإسرائيلية إلى الخروج عن طورها، والدخول في السباق الديمغرافي عبر اللجوء إلى وتوظيف الزيادة الطبيعية أو "رحم المرأة"، بعد تضاؤل أعداد ونسب المهاجرين إلى إسرائيل، وذلك لدرء الخطر الديمغرافي المزعوم الذي أوهمهم به أمثال فرغولا وسوفر وغيرهم من باحثين وسياسيين.

أما فرغولا ذاته، فلا تشكل تلك المعطيات مصدر فرح بالنسبة له، لإدراكه بأن السباق الديمغرافي قد انتهى إلى التساوي السكاني في المنطقة الواقعة بين البحر والنهر، ناهيك عن أن نسبة الموت بين العرب هي أقل منها بين اليهود، كما يقول، لأن المجتمع العربي في إسرائيل والفلسطيني عموما هو مجتمع شاب، ما يجعل الزيادة السكانية بين الفلسطينيين أكبر رغم تساوي نسبة الولادة.

وبرغم إدراكه، أيضا، لمعدلات الزيادة بين الأوساط العلمانية، إلا أن رهان فرغولا الأساسي للحفاظ على هذا التوازن هو على الحريديين، وهو يرى أن الحفاظ على نسبة الحريديين هو الضمان للحفاظ على هذا التوازن.