توصية المشتركة... ماذا تغيّر؟

توصية المشتركة... ماذا تغيّر؟

النائب د. إمطانس شحادة

أدهشت نتائج انتخابات آذار/ مارس الأخيرة الجميع، إذ منح قرابة 581 ألف ناخب عربي أصواتهم للقائمة المشتركة (قرابة 88% من الأصوات). تجنّد رائع والتفاف غير مسبوق لأبناء شعبنا حول القائمة المشتركة. تصرّف الناخب العربيّ كفرد في جماعة، واقتنع أنّه جزء من شعب له مشروع، وله مطالب، وله احتياجات، ورغبات وتطلعات وآمال. كان واضحًا أنّ المجتمع العربيّ يسعى إلى تغيير مكانته السياسيّة الجماعيّة، ويتوق إلى عمل جماعيّ، إلى نضال جماعيّ بأهدافه وأدواته، وإلى تعزيز مكانة القائمة المشتركة وتقويتها، كما يرغب في وضع حدٍّ للعنصرية والتمييز والتحريض، ولا يقل أهميّة عن ذلك: يريد إسقاط نتنياهو. وهذه كلّها أهداف شرعيّة وواقعيّة وطبيعيّة لأيّ شعب مضطهد ومقموع.

منحت نتائج الانتخابات القائمة المشتركة قوَّة جديّة ومكانة أفضل في المنظومة السياسيّة والحزبيّة في إسرائيل، ورفعت معنويات المجتمع العربيّ وثقته بالذات، وزادت من شعوره بالانتماء الجماعيّ وقابليّته للعمل والنضال السياسيّ. كلّنا نذكر الإضراب ضد العنف والجريمة في تشرين الأول/ أكتوبر 2019، والالتزام الشديد في كافة بلداتنا العربيّة، وحجم المظاهرة التي جرت في مجد الكروم (الأكبر منذ الحرب على غزة عام 2014)، والمشاركة في مظاهرة إغلاق شارع 6، وخيمة الاعتصام أمام مكتب رئيس الحكومة في القدس. جاء هذا العمل الجماعيّ بفضل أهمية قضية العنف، وبفضل الشعور بالقوّة الذي ولّدته إعادة بناء القائمة المشتركة في أيلول/ سبتمبر الماضي وإنجازها الانتخابيّ حينها.

عززت انتخابات آذار/ مارس 2020 هذا الشعور، الذي سيكون له إسقاطات إيجابية على كافة أدوات العمل السياسي والنضالي، إذا استغل بالشكل الصحيح. هذا ما أثبتته تجارب الماضي: هناك مردود إيجابيّ لتقوية وتعزيز أداة مركزية في العمل السياسيّ، مثل العمل البرلمانيّ، على كافة المحاور وأدوات العمل السياسيّ.

لقد أفرزت نتائج الانتخابات حالة سياسيّة خاصة، بحيث لا يمكن أن يحصل بيني غانتس، رئيس حزب "كاحول لافان"، على تكليف لتشكيل الحكومة من رئيس الدولة من دون دعم كامل أحزاب القائمة المشتركة. أمّا في حالة عدم توصية المشتركة كاملة على غانتس، فسيحصل نتنياهو مباشرة على هذا التوكيل. كان على القائمة المشتركة أن تتّخذ هذا القرار في سياق نتائج الانتخابات لدى المجتمع العربيّ، وفي سياق الحالة السياسيّة الراهنة في إسرائيل، وفي سياق ما آلت إليه القضية الفلسطينيّة. كان على القائمة المشتركة أن تضع كافة السيناريوهات وتقرّر بشكل عقلانيّ، في ميزان تحليل التكلفة والفائدة، ما هو الأقل سوءًا للمجتمع العربي، وما هو المفيد لصالحنا ومصالحنا الجماعيّة.

جاء قرار المشتركة هذه المرة بعد نقاشات داخليّة حادّة وحقيقيّة، ولم تكن مواقف دعم مؤيّدي التوصية جاهزة ولا سهلة، وقد وُضعت شروط واضحة وحقيقيّة، مع إدراك تامّ بإشكالية الموقف وصعوبته. كذلك كان تعامل حزب "كاحول لافان" مع مطالب القائمة المشتركة مختلفا هذه المرّة، عن تعامله مع التوصية في أيلول/ سبتمبر 2019. ولا يخفى على أحد أنّ النقاش الأصعب كان داخل التجمّع الوطنيّ الديموقراطيّ الذي عارض التوصية بعد انتخابات أيلول/ سبتمبر 2019، ولم يغيّر موقفه، من منطلقات مبدئيّة ونتيجة قراءته السياسيّة، بأنّ حزب "كاحول لافان" يفضّل إقامة حكومة وحدة وطنيّة. في نهاية المطاف، عارض التجمّع التوصية لكنه قبِل قرار الأغلبية داخل المشتركة، وذلك على عكس انتخابات أيلول/ سبتمبر، حين أصرّ التجمّع أن يكون قرار المشتركة بأن توصي ثلاثة أحزاب فقط ويعارض التجمّع.

لم يكن قرار التجمّع سهلًا ولا مفهومًا ضمنا. فقد عرض التجمّع منذ نشأته، قبل قرابة 25 عامًا، مشروعًا مناهضًا للصهيونيّة واقترح دولة المواطنين كحلّ ديموقراطيّ حقيقيّ، يضمن المساواة الجوهريّة للمواطنين العرب. وأكد خلال الحملات الانتخابية الأخيرة، أنّ "كاحول لافان" لا يختلف بشكل جوهري عن الليكود، وأنّ غانتس يحاول تقليد نتنياهو ويتبنّى مواقف يمينيّة عنصريّة تجاه المواطنين العرب، ناهيك عن تبنّيه لـ"صفقة القرن"، حتّى لو بحماس أقل من نتنياهو، وأن التجمّع على قناعة، كما كان في أيلول/ سبتمبر 2019، أنّ "كاحول لافان" قد يحصل على التوصية ويتوجّه لإقامة حكومة وحدة وطنيّة مع الليكود (ونحن نعتقد لغاية الآن، أن هذا هو السيناريو الأقرب إلى الواقع). باختصار، موقف التجمّع وقراءته السياسيّة للواقع الإسرائيليّ لم يتغيرا، وكذلك قراره المبدئي ضد التوصية، لكن التغيّر كان في كيفية التعامل مع هذا الموقف وتصرّف التجمّع داخل المشتركة.

في نهاية المطاف، قرّر التجمّع قبول قرار الأغلبيّة في المشتركة؛ أولًا وقبل كل شيء، احترامًا لقرابة 580 ألف ناخب عربيّ صوّت للمشتركة وتريد الحفاظ على المشتركة، مع علمنا التام أنّ قرابة 30% منهم يعارضون التوصية، ورغبة منا في الحفاظ على القائمة المشتركة لتعزيز العمل الوحدويّ والجماعيّ، واحترامًا لشركائنا في القائمة المشتركة (الذين احترموا قرارنا برفض التوصية بعد انتخابات أيلول/ سبتمبر 2019 ولو اختلفوا معنا). ناهيك أن نتيجة الانتخابات والانقسام بين المعسكرات، وداخل المعسكر الرافض لنتنياهو، أدّت لوضع كان فيه صوتنا كتجمّع حاسمًا، فهل كان التجمّع مستعدًا أن يضمن لنتنياهو توكيل تشكيل حكومة يمين استيطاني متطرّف بشكل مباشر وبسهولة، ويكرّس حكمه لسنوات قادمة، بينما عند التجمع وعند جمهوره ومجتمعنا العربي، وشعبنا الفلسطيني وشعوب المنطقة وقوى اليسار بالعالم، رغبة قوية ومحقة ومصلحة واضحة بإسقاطه، لكل الأسباب على مستوياتها المختلفة؟ صحيح إنه من الممكن أن يبقى نتنياهو بالحكم، بسبب ضعف خصومه واستغلاله لظروف الطوارئ، لكن لن يكون ذلك بسبب التجمّع. لكن، في المقابل، إن تم إسقاطه فذلك سيكون بفضلنا، وما كان سيتحقق من دوننا.

يعي التجمّع، الذي يطرح العمل الجماعيّ وتنظيم المجتمع العربي كمشروع إستراتيجيّ، بوجود ثمن سياسيّ للعمل الجماعيّ، وأنّ هناك حاجة لحلول وسط في أطر تشارك بها عدّة تيارات سياسيّة، تمامًا كما هو الحال في لجنة المتابعة. لقد جاءت موافقة التجمّع أيضًا، بسبب اختلاف ظروف وشروط التوصية عن أيلول/ سبتمبر 2019، من حيث الوصول إلى اتفاق واضح وعلنيّ ورسميّ مع "كاحول لافان" يتناول قضايا أساسيّة تهمّ المجتمع العربيّ، ناهيك أنّ اللقاءات هذه المرة كانت علنيّة ورسمية، بحيث التزم "كاحول لافان"، من ضمن ما التزم، بالأمور التالية: إلغاء قانون كمينتس الذي يسهّل هدم البيوت وفرض الغرامات، ووضع خطة حكوميّة لمكافحة العنف والجريمة في البلدات العربية وإقامة لجنة برلمانيّة تتابع القضية، ووضع خطة اقتصاديّة شاملة لتطوير الاقتصاد العربيّ، ووضع خطة شاملة لحلّ مشكلة القرى غير المعترف بها في النقب، ،مراجعة قضية إقرث وبرعم وموضوع السيطرة على الأوقاف الإسلاميّة والمسيحيّة وتسريبها، رفض التحريض والعنصريّة تجاه المجتمع العربي وقياداته والعمل على خلق أجواء مختلفة تجاههم، ناهيك عن بعض التفاهمات بالنسبة للمفاوضات مع السلطة الفلسطينية و"صفقة القرن".

يوضح قرار التجمّع أنّه يريد تغيير واقع المجتمع العربي في الداخل، ويريد التأثير في صناعة القرار، وأنّه يسعى ويعمل من أجل إسقاط نتنياهو، مثل باقي مركبات المشتركة. لا يخشى التجمّع التأثير السياسي بل يريده في الاتجاه الصحيح، ومن دون أثمان تفرّغ هذا العمل من مضمونه وعنفوانه وتفقده كرامته. فالتجمّع، مثل غالبية الأحزاب العربيّة، يصوّت مع اقتراحات حجب الثقة عن الحكومات المعادية للعرب، ويناور في البرلمان ويقترح قوانين، ويعمل لانتزاع الحقوق والموارد ويواجه العنصرية في عقر دارها. أضف إلى أن الأحزاب العربية كافة تشارك في مفاوضات انتخاب رئيس الدولة، وتطرح الشروط والمطالب، كما في انتخاب مناصب رسمية أخرى.

يرافق هذا الواقع عمل الأحزاب العربيّة، التي تعي محدوديات العمل البرلمانيّ وتسعى إلى توسيع هامشه. وقد تصب توصية القائمة المشتركة على غانتس، رغم كل التحفظّات، في محاولات تغيير هذا الواقع وانتزاع شرعيّه لمطالب المجتمع العربيّ من الأحزاب الإسرائيلية (وليس شرعية العمل السياسيّ والبرلمانيّ للأحزاب العربيّة التي تنال شرعيتها من أبناء شعبنا)، وطرح مواقفنا بقوّة في المشهد السياسيّ الإسرائيليّ وفرض مكانة مختلفة، والقول إنّ الكنيست ليس للأحزاب اليهودية فقط، وإنّ الحيّز العام ليس لليهود فقط، وإنّ المصلحة العامة لا يُعَرِفها اليهود فقط. لدى الأحزاب العربية ما يقال، ولدى المواطنين العرب ما يقال في كل هذا.

قد يخشى البعض من هذا التحوّل الذي فرضته نتائج الانتخابات، لكنّنا كمجتمع مقموع نريد أن نكون أقوى، ونريد أن نفرض مكانة مختلفة للقائمة المشتركة في الكنيست، وللمجتمع العربيّ في المشهد السياسيّ، على أن نستمر في تحدي الهيمنة والسيطرة الصهيونيّة ورفض الامتيازات الممنوحة للمجتمع اليهوديّ، والسعي لتغيير جوهريّ في طبيعة النظام، والحفاظ على هويتنا وانتمائنا. هذا غير مستحيل. فها هي الأحزاب التي كانت تتعامل مع التجمّع الوطني الديموقراطي كحزب غير شرعيّ بسبب خطابه وبرنامجه السياسيّ ومواقفه، تطلب منه التوصية من دون أي مطلب سياسيّ.

مشروعنا لم يتغيّر، ومواقفنا لم تتغيّر، انتماؤنا وهويتنا لم يتغيرا، بل فرضنا حضورنا ومكانتنا بفضل الدعم الرائع من أبناء شعبنا، وبفضل التزامنا في الحفاظ على القائمة المشتركة، وبفضل إصرارنا وعنادنا على حقوقنا ومواقفنا. المطلوب في الفترة المقبلة هو استثمار هذا التحول لطرح مشروع جماعي، حول تصورنا لمكانتنا وحقوقنا ومطالبنا في هذه البلاد.

ملف خاص | من النكبة إلى "الصفقة"