الرواية كخطاب ثقافيّ

الرواية كخطاب ثقافيّ

عنوان "الرواية كخطاب ثقافي"، هو أحد المحاور التي أُثيرت في ملتقى فلسطين الثالث للرواية العربية الذي عقدته وزارة الثقافة الفلسطينية خلال الأسبوع الماضي، عبر تطبيق منصّة "زوم"، باشتراك روائيين عرب وفلسطينيين، وهو محور يطرح سؤالا جوهريًا عن دور الرواية في بثِّ الوعي والثقافة. اشتركتُ في هذا المحور إلى جانب الأدباء الزملاء؛ جميل السّلحوت، وناجي ظاهر، ورجاء بكرية، ولم نستطع خلال ساعة البث، الإحاطة إلا بالقليل من الموضعـ لسِعَته.

تُعدّ الرواية مصدرًا مهمًا للمعرفة والثقافة بمعناها الواسع. نتلقاها في إطار أدبي، وهذا يشمل التعرّف على القيم الاجتماعية والموروثات في اللغة الشفوية والمكتوبة، والشعبية، والرسمية، والفنون بألوانها الكثيرة، والألعاب، والعادات، والتقاليد، في ما يخصّ الطعام والشراب وأشكال التعبير عن الفرح والحزن، وقضاء أوقات الفراغ، وما هي اهتمامات الناس؟ وما هي أنواع الرياضات التي يمارسونها؟ وكيف يتعاملون مع الظواهر الاجتماعية الجديدة؟ وما هي القضايا التي يُمكن أن تحرّك مشاعرهم وتستفزّهم وتفرّقهم أو توحّدهم؟ ,ما هو الموقف من المرأة ومن قضايا المحرّمات، مثل الجنس والمثلية الجنسية والأديان، والقيم الاجتماعية، ومثال ذلك قضية الرّحيل من الوطن خشية على الشّرف، وما هو تعريف الشرف؟ وهل هو ثابت لا يتغير بتغيُّر الزمن والبيئة والظرف التاريخي وعلاقات الإنتاج؟ مثال ذلك النقاش الحادّ الذي أثاره ما صار يُعرف بـ"قضية الطّحينة"، وقبلها الموقف من المثلية الجنسية إبّان وفاة الفنان أيمن صفية (لقي مصرعه غرقًا)، والموقف من الفنون عموما. وهو موضوع أثار نقاشات في عدة مناسبات، وما هو الموقف من المختلف قوميًا ودينيًا وجنسيًا وعرقيًا وإقليميًا؟ وما هي القيم الاجتماعية التي يعتدّون بها ويرون فيها قيمًا عليا؟

المكان الذي تدور فيه أحداث الرواية، وما هي القيم الجمالية في العمارة والمسكن في الحقبة التي تجري فيها أحداث الرواية، وعلاقة الإنسان في بيئته، بنباتها وترابها ومائها وحيواناتها؛ هذه القضايا مجتمعة هي مجموعة الأمور التي تجعل من مجموعة بشرية ما، شعبًا في زمن ومكان ما.

هذه بعض القضايا التي تدخل في مفهوم الثقافة التي يُفترض أن نجدها في رواية جدّية، وأن نستنتجها دون تصنّع أو إقحام للمعلومة مباشرة، بل أخذ القارئ إلى هذه الزوايا، دون ظهورٍ للراوي وكأنه أستاذ يريد تعليمه، بل هو حكّاء يسرد قصصًا يُفترض أن تكون مشوّقة بأساليب وحِيَل ولغة فنيّة.

قد تعتمد الرواية على أحداث تاريخية بعيدة عن زمن كتابتها، ويُفترض بها أن تضيء خبابا وزوايا كانت مجهولة لدى القارئ، والتنبيه إلى مختلف جوانبها.

لقد كُتب الكثير في الرواية الفلسطينية عن الآخر الذي حاربَنا واحتل أرضنا وما زال يصارعنا، ويحاول إحلال روايته مكانَ روايتنا، ويعمل على إعدامنا ثقافيًا ومعنويا لتسهيل وتسويغ إعدامنا وجوديًا، إلا أن هذا الآخر أبقيناه في معظم أدبنا، في بقعة واحدة ضيقة جدًا، بقي جنديًا أو شرطيًا أو حارسًا في سجن أو قاضيًا ظالمًا أو موظفًا متعجرفًا أو مقاولا ومستوطنًا، ولكن هذا الآخر لم يحظ بمعالجات عميقة، رغم أنه بات محور حياتنا منذ عقود، فنحن نذكره طيلة ساعات النهار، ونجده في جميع معاملاتنا اليومية الحياتية، وقد بات جزءا لا يتجزأ من أصغر الأمور حتى أكبرها، إلا أن روايتنا ما تزال تتعامل معه بسطحية، عبر قصيدة هجاء أو صفحة عابرة من رواية، وبهذا نقدم رواية مبتورة، تفقدها مصداقيتها، فمن أين أتى هذا الآخر ليحاربنا على بيوتنا وأرضنا ويطردنا منها؟ ولماذا نكتفي بوصف سطحيّ عابر له، مأخوذٍ من كليشيه مُكرَّر، ونادرا ما ندخل عميقا في مركّباته النفسية ودوافعه الحقيقية؛ هل الحقيقة واحدة أم هي مجموعة حقائق مُركّبة؟

بعد انهيار الاتحاد السوفييتي في العقد الأخير من القرن الماضي، هاجر إلى وطننا أكثر من مليون إنسان من مختلف جمهوريات الاتحاد السوفييتي المتفكّك، وهو ضِعف الذين قدِموا من نهاية حرب عام 1948، إلى آخر عام 1951، وباعتراف إسرائيليّ؛ إن مئات الآلاف من هؤلاء لا يربطهم باليهودية أي رابط، بل هم مسلمون ومسيحيون ولا دينيون، فأين هؤلاء من روايتنا، إنهم تقريبا مفقودون بينما هم جزء أساسي من قضيتنا!

يقع على عاتق روايتنا الكثير من المسؤولية، وعلى رأسها دحض المقولة الصهيونية بأن فلسطين كانت أرضا بلا شعب. هذا الصراع يجري في البحث العلمي، بالأرقام والوثائق الجافة، ولكن في الأدب والرواية، يتطلب الدخول في تفاصيل الحياة الاجتماعية الحقيقية، المتكاملة في وحدتها وتناقضاتها، وبلغة الأدب التي تكون أكثر إقناعًا من الوثائق والأرقام الجافة، على المستوى الشعبي على الأقل.

يُمكن أن تُكتب الرواية في أيّ لغة كانت، سواء بلغة أبطالها ومختلف مستويات لغتهم وألفاظهم، أو في لغة شعرية معمّقة، ولكن في النهاية يجب أن تكون مرجعيتها مُقنعة من لحم ودم وتراب، وهم البشر الذين تحكي الرواية عنهم.

أخيرا، وبرأيي المتواضع؛ حتى الآن لم تأخذ روايتنا دورها الذي يجب أن تأخذه جماليا ومعرفيا وتثقيفيًا، ولم تأخذ دورها الخاص والضروري في معركة شعبنا، رغم وجود عدد من الروايات التي تناولت جزئيات هامّة بفنية راقية، وطرحت مواضيع هامة وحسّاسة، ولكننا في ما زلنا في بداية الطريق.

الفعل الثقافيّ الفلسطينيّ في ظلّ كورونا | ملفّ