صهينة "العقل العربي"!

صهينة "العقل العربي"!

حقيقةً إنّ المرحلة الفائتة، منذ توقيع اتفاقيات كامب ديفيد، أي مرحلة التطبيع والقبول "البراغماتي" بجزء صغير مما تمنحه منظومة الأبرتهايد والاستعمار الاستيطاني، نجحت في تطويع جزء من العقل العربي تمهيدًا لصهينة وعي شريحة منه. وبالتالي لا غرابة الآن أن يقوم النظام النفطي الأوليغارشي في دبي باستقبال مستوطنين والترويج لمنتجاتهم بشكل لا يخالف المعايير القومية والأخوية فحسب، بل بما يخالف صراحةً القانون الدولي كون المستعمرات تشكل جريمة حرب تمت إدانتها، دوليًا، بشكل واضح. بمعنى أننا قد دخلنا مرحلة صهينة الوعي العربي.

إن استقبال دبي، إحدى مدن الملح، لوفد من مستوطني الضفة الغربية، والترويج لبضائعهم، تخطّى مفهوم التطبيع بمراحل. ويبدو أنه يتوجب على المجتمع المدني الفلسطيني وقواه الحية، بالإضافة لمعايير المقاطعة وتعريف التطبيع التي قامت بإقراراها عام 2007، وتحديثها هذا العام، أن تقوم بتكثيف النضال على المستوى العربي بعد وصول قطار التطبيع إلى السودان بشكل مفاجئ. وقد يكون خبر الإعلان في السودان عن تشكيل القوى الشعبية لمقاومة التطبيع "قاوم" الذي يضم 30 حزبا وجماعة ومنظمة مجتمع مدني بداية لتحالفات عربية - عربية على مستوى المجتمع المدني تتخطى المتعارف عليه سابقًا.

لا شكّ في وجود علاقة وطيدة بين البروز غير المفاجئ لأيديولوجيا التطبيع في العالم العربي من ناحية، واحتكار آليات القمع والفساد والإجرام المنظم، من ناحية أخرى. وهذه العلاقة تساهم بشكل ما في صهينة الوعي العربي كامتدادٍ لعملية الأسرلة في مناطق الـ48 والأسلوة في مناطق الـ67. أي القبول بما وصفه سفير دولة الإمارات العربية في الولايات المتحدة في مقابلة مع صحيفة "يديعوت أحرونوت" الإسرائيلية بالعلاقات "الدافئة" مع إسرائيل بعد اتفاق توقيع اتفاق التطبيع، إذ زعم يوسف العتيبة أن الشارع العربي وخصوصا الشباب "غير مكترث بالصراع مع إسرائيل أو حل الدولتين"، وأن اهتمام الشباب العربي بحل القضية الفلسطينية "يقل أكثر فأكثر"، حسب ادعائه. وهنا تبرز أهمية حركة المقاطعة والدور المنوط بها ليس فقط بمقاطعة إسرائيل، بل أيضًا في المساهمة في تحرير العقل العربي من خلال تحالفات تقاطعية ضرورية في هذه المرحلة.

بعد مشاهدتي لمداخلة نارية وجهها جو بايدن، حينما كان عضو كونغرس، عام 1986 لوزير الخارجية جورج شولتس، آنذاك، عن نظام الأبرتهايد الأبيض في جنوب أفريقيا وضرورة فرض عقوبات عليه، بل وتأييده لكافة أشكال النضال ضده، لم أستطع تجنب المقارنات وطرح الأسئلة المشروعة عن نجاح النضال الجنوب أفريقي وفشلنا حتى اللحظة في إحداث أي اختراقات ذات تأثير ملموس.

على النقيض من التيارات السياسية السائدة، فإن حركة المقاطعة الفلسطينية لإسرائيل تناضل من أجل توسيع دائرة التأييد الفلسطيني والعربي والدولي لمقاطعة إسرائيل في كافة المجالات للمساهمة في الوصول إلى حقوقنا، دون انتقاص. وبالتالي لا يمكن لأي فرد أو مؤسسة أو حتى تحالف واسع من الأطر المجتمعية أن "يجبر" حكومة على الالتزام بمعايير المقاطعة. كما لا يمكن لأي أحد، أيضًا، بالضرورة أن ينفي حق أطر شعبنا في تطوير إستراتيجيّات مقاومة جماعية خلّاقة، من ضمنها حركة مقاطعة إسرائيل، فهذا أيضا جزء من ممارسة الحرية الفردية والجمعية، كما هو واجب في ظل الاضطهاد الاستعماري لشعبنا. وفي نفس الوقت أيضًا لا يستطيع أحد أن يمنع حركة المقاطعة من توجيه النقد الحاد لكل أشكال التطبيع التي تقوض نضالاتنا وتضحياتنا الجسيمة.

والحقيقة أن ما تقوم به الأنظمة العربية المطبعة بكل بساطة هو مساهمة في منح إسرائيل ورقة التوت التي تستخدمها لتغطية جرائمها البشعة بحق أبناء الشعب الفلسطيني. وعليه يصبح الأبرتهايد مقبولًا والحصار الإبادي طبيعيًا، الاحتلال يمكن إجراء حوار بناء معه، وصولًا للترويج لبضائع المستوطنات في المدن العربية...إلخ من المهاترات التطبيعية الخارجة عن ثقافة شعوبنا العربية الأصيلة.

إن الحلَّ الوحيد للتصدي فلسطينيًا وعربيًا للأنظمة المطبعة والإدارة الأميركية الجديدة وإجبارها على أخذ القضية الفلسطينية على محمل الجد يكمن في الوحدة الوطنية الحقيقية القائمة على الشراكة، مع قيادة وطنية موحدة فعالة تعمل على إشعال الأرض تحت أقدام الاحتلال من خلال مقاومة شعبية مستمرة مرتبطة بحركة مقاطعة تعمل على عزل إسرائيل دوليًا.

من الواضح الآن أن الإدارة أميركية الجديدة ستعمل، بدعم كامل من الأنظمة المطبعة، على إعادة تغليف "عملية السلام" في مفاوضات لا نهاية لها بحيث يكون الطرف الوحيد المستفيد منها هو إسرائيل. وعادة ما يتصدر التيار "الواقعي" العربي المشهد بطرح ما يعتقد أنه سؤال تعجيزي عن البديل في ظل الخلل الكبير في توازن القوى، بديل يراعي ما يطرحه المجتمع الدولي. ولا شك أن ما طرحته حركة المقاطعة، معبرة عن الموقف الجماعي للمجتمع المدني الفلسطيني وقواه السياسية، من خلال بياناتها وتصريحات ممثليها، يقدم الإجابة الواضحة:

- إلغاء صفقة ترامب

- سحب الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل

- نقل السفارة من القدس

- احترام القانون الدولي من خلال الطلب من إسرائيل:

أ- الانسحاب من الأراضي التي قامت باحتلالها عام 1967

ب-تطبيق قرار الأمم المتحدة 194

ج-إلغاء كل القوانين العنصرية المطبقة في مناطق الـ48، بما فيها قانون الدولة القومية اليهودية

-فرض حظر عسكري على إسرائيل حتى تستجيب للشرعية الدولية.

وهكذا، فإن هذه المطالب التي تعبر عن الحد الأدنى لحقوق الشعب الفلسطيني بجميع مكوناته في المرحلة الحالية، وتمثل حالة إجماع يتلقى دعمًا واضحًا من القطاعات الشعبية والنقابات في العالم العربي، تستطيع أن تشكل بداية قوية في مواجهة حملة صهينة الوعي العربي.