19/06/2025 - 15:09

"العربي الجيّد... هو العربي الميت"

كتبتُ هذه الكلمات لا لأنّنا نجيد رثاء أنفسنا والاحتفاء بموتنا، بل لأنّنا نرفض أن تُختصر إنسانيّتنا في جنازة وبيت عزاء، ونرفض أن لا يُرى فينا قيمة إلّا حين نموت، أو أن يُعاد اكتشاف كرامتنا فقط حين نصبح ترابًا...

مكان سقوط الصاروخ في طمرة (Getty)

لا أدّعي أنني أمثّل أحدًا، ولا أكتب نيابةً عن عائلات الشهيدات، ولا أتحدث باسم أهالي طمرة المفجوعين. أكتب بصفتي الشخصية، كابوليًّا نشأ في الجليل، يرى في طمرة الجارة امتدادًا له وفي أهلها أهلاً وبيتًا.

تربطنا بهذه المدينة علاقات تاريخية وعائلية بالإضافة لزيارات يوميّة، ولذلك لم تقع الكارثة الأخيرة على طمرة وحدها، بل وقعت علينا جميعًا كالصاعقة. تردّدت إلى بيت العزاء مرارًا شأن آلافٍ غيري، لا امتثالًا لواجب اجتماعي فحسب، بل انخراطًا وجدانيًا صادقًا في لحظة حداد جماعية عبّرت عن وجع يتجاوز الحدود الجغرافية ليدخل أعماقنا جميعًا.

في تلك البيوت المفجوعة حلّت أرواح المربية منار سمارة-خطيب، وبناتها شذى وحلا، والمربية منار ذياب-خطيب. كانت أسماؤهن تتردد همسًا بين دموعٍ مكتومة، لكنّ حضورهن في وجدان الجميع كان صاخبًا، مؤلمًا وحيًّا رغم الرحيل. فقدن في لحظة واحدة، وخلّفن وراءهن أزواجًا وأهلًا وأبناء في ريعان الشباب يرزحون تحت وطأة وجع لا يطاق ولا يحتمل.

لقد كان مشهد العزاء مهيبًا، إذ حلت ولا زالت الحشود تتوافد من الجليل والمثلث والنقب والساحل لتقف مع العائلات المفجوعة في مصابها، لا لمجرّد أداء واجب بل تعبيرًا حيًّا عن عمق الروابط الإنسانية والوطنية التي ما زالت تنبض في مجتمعنا رغم الجرائم اليومية وحوادث القتل التي لم تتوقف حتى في أيام الحرب الأخيرة. لقد كان هذا الحضور الجماهيري بمثابة شهادة على أنّنا حين يراد لنا التفتّت نثبت العكس.

إلا أنّ هذا المشهد النبيل لم يخلُ من ما يُثير الغضب والاستفزاز بتوافد الساسة الإسرائيليين إلى بيت العزاء، يوزّعون الأحضان والعبارات المصنّعة ويتزاحمون أمام الكاميرات، وكأنّ أيديهم ليست ملطّخة بذات الدم الذي سُفك في طمرة.

لست أحمّل العائلات المنكوبة ذنب هذا المشهد. ففي حضرة الوجع يُغتفر كل شيء. هؤلاء وقفوا في عين العاصفة يواجهون ما لا يُحتمل من وجع ومأساة، ويصمدون ويقفون بشموخ يستقبلون المعزين. بالذات أن العائلات ذاتها عبّرت خلال الأيام الأخيرة، عن موقف واضح رافض للحرب، ووعي تام سمعناه مباشرة منهم بأنّ ما جرى هو نتيجة مباشرة لسياسات دموية مهووسة بالحرب والتصعيد تقوده حكومة فاشية لا تعرف إلا الحرب والدمار.

لكن من موقعنا كمجتمع وكموقف سياسي وأخلاقي، لا يجوز لنا الصمت أمام هذا النفاق الوقح. فمن صفّق للقصف لا يحق له مواساة من خسر عائلته ضحية لهذا الفعل. ومن فاخر بسفك الدماء لا يملك شرعية الوقوف على أنقاض البيت وفي بيت العزاء. الأخطر من ذلك أنّ بعضهم لم يأتِ ليعزّي بل ليستثمر في مشهدٍ إنساني من أجل صناعة صورة وإنتاج فيديو مصطنع وكاذب، وتمرير رواية مُزيفة مفادها أنّ "الدولة تحتضن مواطنيها". والحقيقة المرة هي أنّ هذه الدولة دفنت الشهيدات لا احتضنتهن.

ما يزيد المشهد فجاجة أنّ من هتفوا "لتحترق القرية" احتفاءً واحتفالًا عند لحظة سقوط الصاروخ على طمرة لا يزالون أحرارًا طلقاء دون تحقيق أو محاسبة، في حين يُلاحق المواطن العربيّ لمجرّد “إعجاب” على منشور في وسائل التواصل الاجتماعي. نحن هنا لا نتحدث عن خطأ فردي بل عن بنية قانونية وأخلاقية عنصرية تفرّق بين الدم والدم، وبين الضحية التي يُسمح بالحزن عليها وتلك التي تمنع اصلًا من اعتبارها ضحية ولا أن تحزن عليها ولا تغضب لأجلها.

تخيّلوا ماذا لو فرح ورقص عربيّ بمقتل إسرائيلي؟ كم قانون طوارئ كان ليُسنّ؟ كم حملة تحريض كانت ستُطلق؟ وكم اعتقال كان لينفّذ قبل أن تُنطق الكلمة؟!

في كلّ ذلك تتكشّف الحقيقة الأشد مرارة، أنّ العربيّ لا يُعترف به إنسانًا إلا إذا مات. حيًّا هو خطرٌ ومشتبهٌ به بشكل دائم ومتّهم حتّى تثبت براءته. أما ميتًا فيصبح رمزًا، مناسبةً للخطابات الرنانة الكاذبة، ومادةً لترويج "التعايش" و"العيش المشترك" و"أخلاق الدولة مع مواطنيها".

طمرة ليست استثناءً، فما جرى فيها هو مرآة لما يجري في غزّة، هناك تُباد العائلات وتدمر البيوت فوق ساكنيها، ولا يُتاح حتى فتح بيت عزاء. في جنازة الشهيدات تحدثنا وأصدقاء أنه على الأقل شهيدات طمرة نلن تشييعًا لائقًا، وكأنّ الموت أصبح امتيازًا في هذه البلاد. لا بد من التأكيد أن طمرة ومأساتها هي غزّة مصغّرة، وغزّة هي طمرة مكرّرة آلاف المرّات وكلّ محاولة للفصل بينهما ليست سوى إنكار لوحدة الدم والمصير والمأساة الواحدة التي نعيشها كشعب.

فاجعة طمرة كشفت أكذوبة أخرى أنّ "المواطنة" لا تحمي أصحابها. أنّ بطاقة الهوية الزرقاء التي "يحملونا جميلة" بها لا توقف الصواريخ، ولا تضمن الملاجئ، ولا تمنح الأمن. في طمرة المدينة التي يسكنها حواليّ 37 ألف نسمة لا يوجد ملجأ عام واحد. بينما مثلًا في "متسبي أفيف" جارة طمرة على بعد بضع الأمتار والتي يعيش فيها 1100 شخص فقط (لكنهم يهود بالطبع) هناك 13 ملجأ عاما لخدمتهم وحمايتهم في زمن الحروب، لو كنا يهودًا لكانت تنتشر الملاجئ وتصرف الميزانيات وتتجهز البنى التحتية. لكننا في نظر المؤسسة الإسرائيلية والعقلية العنصرية الراسخة فيها، نُترك مكشوفين في الحياة، ونُشيّع بوفود بعد الموت.

في هذا الواقع المختلّ، لا يظهر “التعايش” إلا حين نكون جثثًا. ويا ليته يظهر ونحن أحياء باحترامنا كبشر لنا حقوق دون التحريض علينا وكيل التهم اليومية بحرق "الكرمل" و "جبال القدس" و"جبهة ثالثة" و "طابور خامس" وداعمي الإرهاب" والكثير من التهم التي لطالما رددها العديد من "المعزين" الذين توافدوا الى طمرة.

أخيرًا، ما أقوله هو لسان حال كثيرين، نحن لا نطلب خطابات عزاء ولا نريد عزاءات وتشييعات وقتل يومي لشعبنا في غزة والضفة والداخل. ما نريده هو وقف آلة القتل والدمار. لا نريد وفودًا رسمية تحتفي بنا عند موتنا، بل نريد الحياة وأن نبني مستقبلنا ومستقبل أبنائنا مع أفق وأمل وأن يتوقف سفك الدم. فدمنا ليس فرصة لتبييض الجرائم والمجرمين، ولا خلفية لصورة تُسوّق للعالم على وسائل التواصل الاجتماعي.

وفي حضرة هذا الوجع، لا نملك إلا أن نعزّي مرة أخرى أهلنا في طمرة، والعائلة الكريمة التي تحمل وجعًا بحجم وطن. رحم الله الشهيدات، وألهم ذويهن الصبر والثبات، وحفظ الله بلداتنا من كلّ شر وسوء.

كتبتُ هذه الكلمات لا لأننا نجيد رثاء أنفسنا والاحتفاء بموتنا، بل لأننا نرفض أن تُختصر إنسانيتنا في جنازة وبيت عزاء، ونرفض أن لا يرى فينا قيمة إلا حين نموت أو أن يُعاد اكتشاف كرامتنا فقط حين نصبح ترابًا.

نحن نستحق الحياة، لا الرثاء.