31/07/2025 - 15:10

مؤتمر "حلّ الدولتين" في نيويورك... حلّ ماذا بالضبط؟

ليس من جديد في بيان مؤتمر "حلّ الدولتين" في نيويورك، غيرَ ذلك الذي يُحقّق لإسرائيل ما لم يُحقّقه جيش احتلالها على رمال الحرب: "تسليم حماس للرهائن الإسرائيليّين وأسلحتها"...

مؤتمر

(Getty)

"وفي سياق إنهاء الحرب في غزّة، يجب على حركة حماس إنهاء حكمها في غزّة وتسليم أسلحتها إلى السلطة الفلسطينيّة، بدعم وانخراط دوليَّين، اتساقًا مع هدف إقامة دولة فلسطينيّة مستقلّة ذات سيادة..." هذا ما ينصّ عليه البند الحادي عشر من البيان الذي أسفر عنه مؤتمر "حلّ الدولتين في نيويورك" فور انتهائه أمس الأربعاء، وقد شاركت في المؤتمر قرابة عشرين دولة، من بينها دول عربيّة وإسلاميّة، فضلًا عن مشاركة جامعة الدول العربيّة.

كانت كلّ من مصر وقطر، وهما الدولتان العربيّتان اللتان لعبتا دور الوساطة في المسار التفاوضي بين إسرائيل وحماس منذ بدء حرب الإبادة على غزّة، قد وقّعتا على بيان المؤتمر – حلّ الدولتين – الذي كان إنهاء "حكم حماس في غزّة وإلقاؤها سلاحها" أهمّ ما في بنوده، ممّا يعني التماهي مع الرؤية الإسرائيليّة – الأميركيّة في تحميل المسؤوليّة عن تعثّر المفاوضات لحركة حماس، وبالتالي إسقاطها كطرف في التفاوض على مسار الحرب ومصير غزّة.

ويأتي المؤتمر وبيانه، على أثر تعثّر مفاوضات وقف إطلاق النار في غزّة بعد انسحاب إسرائيل منها وبدعم أميركي، وبالتزامن مع سلسلة إجراءات اتّخذتها حكومة نتنياهو وجيش احتلالها للقطاع في الأيام الأخيرة، تضمنت إتاحة إدخال مساعدات إنسانيّة لغزّة عبر إسقاط جوّي، وممرّات – منزوعة من إنسانيّتها – بما يُنظّم غائلة التجويع، وكتم صراخ المُجَوَّعين من أطفال القطاع، بعد تصاعد غضب الرأي العام العالمي على إسرائيل في الأسابيع الأخيرة.

معطوفًا على ذلك، تلويح حكومة نتنياهو وتلميحها إلى ضمّ أجزاء من قطاع غزّة، وهذا ما لم يأتِ بيان "حلّ الدولتين" على ذكره، ممّا يبرهن على أنّ بيان المؤتمر في طابعه هو تخريج للحق الفلسطيني في "حلّ الدولتين"، بينما في جوهره هو مخرج لإسرائيل في حرب إبادتها على القطاع. لطالما داوم البيان على ذكر ضرورة "تسليم حماس سلاحها والرهائن الإسرائيليّين"، هذه الضرورة التي تضارع هدفي نتنياهو المُعلنين من استمراره في حربه على القطاع.

في نظرة إلى بنود البيان، خصوصًا الأولى منها المتّصلة بإدانة قتل المدنيّين وخطفهم – وخطف المدنيّين أو قتلهم مُدان بالطبع – فقد أدان البيان كلًّا من حماس وإسرائيل، بما يُبيّن لقارئ البيان كما لو أنّه صادر بعد 22 يومًا من يوم السابع من تشرين الأوّل/أكتوبر 2023، وليس بعد 22 شهرًا من حرب إبادة وتدمير وتجويع أسفرت عن محو مدينة بأكملها، إذ تجاوزت الحرب مداها وتمادت بإيعاز أميركي وتواطؤ عربي – إقليمي إلى أبعد من كونها حرب ردٍّ على هجوم السابع من أكتوبر. لقد أدان بيان مؤتمر "حلّ الدولتين" خطف حماس رهائن إسرائيليّين وأصرّ على تسليمهم، بينما لم يأتِ البيان على ذكر الأسرى الفلسطينيّين بالآلاف في سجون الاحتلال ولو بإشارة عابرة.

يؤكّد بيان المؤتمر على "حلّ دولتين"، إحداهما موجودة أساسًا، وقد صوّت برلمانها (الكنيست) قبل أقلّ من أسبوع على انعقاد مؤتمر نيويورك، وبالأغلبيّة، على قرار ضمّ وفرض سيادة إسرائيليّة على أرض يُفترض قيام الأخرى عليها، ولم يُدنه البيان. وحتى الأراضي التي يزعم بيان مؤتمر نيويورك قيام دولة فلسطينيّة عليها، فقد غدت دولة للمستوطنين في حقيقتها منذ سنوات طويلة. لقد نبّه البيان إلى ضرورة "وقف أعمال الاستيطان"، لكن ماذا عن الاستيطان الذي جعل مدن وقرى الضفّة الغربيّة على هامش مصير مستوطناته؟ هل يفكّكها حبر البيان بما يُمكّن من دولة فلسطينيّة على الورق، أقلّ ما فيه؟!

حلّ دولتين بما يدفع إلى "سلام شامل واندماج إقليمي". جديدٌ هو تعبير "الاندماج الإقليمي" على قاموس الصراع، وذلك مع المستجدّات على الساحتين السوريّة واللبنانيّة في الأشهر الأخيرة. فالسلام الشامل، يشمل العرب، بينما الاندماج الإقليمي يُقصد به سورية ولبنان تحديدًا، ضمن مساعي إسرائيل لتطويع جغرافيّة البلدين، من جغرافيّا مناهضة للاحتلال إلى متعاونة معه، على الأقلّ سورية مبدئيًّا. وقد أشار البند السابع والثلاثون من بيان المؤتمر حرفيًّا إلى ضرورة "دعم تجديد الجهود على المسارين السوري – الإسرائيلي، واللبناني – الإسرائيلي، بهدف التوصّل إلى سلام شامل وعادل ودائم في الشرق الأوسط..." دون أيّ إدانة ولا إشارة للاحتلال الإسرائيلي في الجنوبَين السوري واللبناني، أو التذكير بضرورة الانسحاب منهما. لطالما ظلّت "الضرورة" في البيان ضرورةً على عاتق الفلسطينيّين والعرب.

ليس من جديد في بيان مؤتمر "حلّ الدولتين" في نيويورك، غيرَ ذلك الذي يُحقّق لإسرائيل ما لم يُحقّقه جيش احتلالها على رمال الحرب: "تسليم حماس للرهائن الإسرائيليّين وأسلحتها"، معطوفًا عليه اندماجٌ إقليمي في سلام شامل مع إسرائيل يُقصد به سورية ولبنان. فيما سؤال حماس وسلاحها يظلّ استحقاقًا فلسطينيًّا، وغزّيًّا على وجه التحديد، يُسأل فيه ويُجاب عليه من دفعوا وما زالوا كلفة الحرب. بيانٌ، يذرّ رمال غزّة في عيون الفلسطينيّين والعرب، إلا إسرائيل، حيث تتوَّج بنوده واقعًا باتت تفرضه عبريّة البندقيّة الإسرائيليّة بحروف عربيّة.