في ذكرى قرار التقسيم، لا نستحضر صفحة سوداء من الماضي فحسب، بل نستحضر لعنة ما تزال مفتوحة، وجريمة سياسية لم تُغلق ملفاتها، ومؤامرة مستمرة على شعب فلسطين لم تتوقف فصولها منذ عام 1947. فقرار التقسيم لم يكن "حلًا" كما روّجوا له، بل كان التأسيس القانوني الدولي لمشروع اقتلاع شعب من أرضه، وبوابة العبور الكبرى لترسيخ الاستعمار الاستيطاني، الذي ما زال يتغذّى من روحه حتى هذه اللحظة.
لقد أجبر هذا القرار الإجرامي شعب فلسطين والشعوب العربية على الانخراط في مقاومة تاريخية طويلة، لم تتوقف حتى بعد سقوط أنظمة عربية في مستنقع الاستسلام.
لقد جاء قرار التقسيم من المؤسسة الدولية ذاتها التي تعود اليوم لتمنح الغطاء السياسي لأخطر مشاريع الهيمنة المعاصرة. من المكان نفسه الذي أُنتج فيه تقسيم فلسطين، وُلدت لاحقًا خرائط إعادة هندسة المنطقة، وصولًا إلى ما عُرف بـ"صفقة القرن" التي تبنّاها الإمبراطور الأميركي دونالد ترامب، والتي تنحدر اليوم إلى مخطط جديد لتقسيم غزة وإعادة استعمارها، مانحة هذا المشروع اعترافًا سياسيًا وقانونيًا، ثم يُسوَّق كـ"حل واقعي"، بينما هو في حقيقته نسخة أشدّ وقاحة من التقسيم: تصفية للحقوق، وشرعنة للاستيطان، وتحويل للاحتلال إلى سيادة دائمة. إنها خطة لمواصلة تجزئة المجزّأ، وإعادة إنتاج الجريمة في صورة أكثر فجاجة.
لم يكن أخطر ما في تلك الخطة أنها أميركية فحسب، بل إن الأخطر هو أن دولًا عربية وإسلامية وافقت ورضخت، وشاركت في منح الغطاء السياسي لمشروع يقوم على شرعنة الوصاية الاستعمارية الجديدة وفرض الأمر الواقع بالقوة. هكذا انتقل التقسيم من كونه جريمة دولية فُرضت بالقوة عام 1947، إلى واقع يُعاد إنتاجه اليوم بموافقة رسمية عربية وإسلامية، في لحظة انكشاف تاريخية تُسجَّل كواحدة من أشد لحظات الانحطاط السياسي في تاريخ النظام العربي المعاصر، بالتوازي مع الانحطاط الأخلاقي للنظام العالمي.
إن التقسيم، في جوهره، ليس "حلًا وسطًا" ولا "تسوية تاريخية"، بل هو منطق استعماري صرف: سرقة وطن وتشريد شعبه بوحشية منقطعة النظير. فجميع مشاريع التقسيم الاستعمارية في العالم لم تكن يومًا أدوات سلام، بل أدوات سيطرة وهيمنة، تبدأ بوعد كاذب بتحقيق الأمن والاستقرار، وتنتهي بحروب لا تنتهي. وما جرى في فلسطين ليس استثناءً، بل النموذج الأكثر فجاجة لهذا المنطق، والذي نشهد اليوم ذروته الكارثية في الإبادة والمحو.
لقد قُسّمت فلسطين على الورق أولًا، ثم قُسّمت بالقوة، ثم أُعيد تقسيم ما تبقّى منها بالحروب والاتفاقيات: من النكبة إلى النكسة، من أوسلو إلى الجدار والاستيطان، وصولًا إلى حصار غزة وتحويلها إلى "كيان منفصل". وكأن المطلوب اليوم تكريس التقسيم داخل التقسيم: غزة مقسّمة ومفصولة عن الضفة، والضفة مقطّعة بالمستوطنات، والقدس معزولة، وفلسطينيو الداخل محاصرون بقوانين التفوّق العنصري، تحت نظام استعمار داخلي مكتمل الأركان.
إن قرار التقسيم لم يؤسّس لدولتين، بل أسّس لنظام استعماري واحد، يقوم على نزع السيادة عن أصحاب الأرض، ومنح الامتيازات لمشروع استيطاني إحلالي، لا يسعى حتى إلى دمج أصحاب الوطن، بل التخلص منهم. ومنذ ذلك اليوم، لم يدخل شعب فلسطين في مسار "بناء دولتين"، بل في مسار تفكيك وجوده التاريخي والجغرافي والسياسي. لذلك، لم يكن فشل حلّ الدولتين صدفة، بل نتيجة طبيعية لكونه الامتداد المنطقي لقرار التقسيم ذاته.
واليوم، بعد أكثر من سبعة عقود على تلك الجريمة، يتكشّف الوهم كاملًا: لا دولة فلسطينية، ولا سيادة، ولا سلام. بل احتلال دائم، واستيطان متسارع، ونظام فصل عنصري، وحروب إبادة مفتوحة في غزة وفي الضفة الغربية. لقد سقط القناع عن فكرة التقسيم باعتبارها "طريق السلام"، وظهر وجهها الحقيقي باعتبارها أداة لإدارة الصراع لا لحلّه، ولتثبيت الظلم لا لإنهائه.
في المقابل، يتشكّل اليوم وعي فلسطيني وعربي ودولي جديد؛ وعيٌ شعبيّ يرفض منطق التقسيم من جذوره، ولا يطالب بـ"تحسين شروطه"، بل بنسفه من أساسه. وعي يدرك أن فلسطين ليست "قضية حدود"، بل قضية أرض وشعب وحقوق تاريخية، وأن أي حل يقوم على تقسيم الوطن إنما هو إعادة إنتاج للهزيمة بلغة دبلوماسية ناعمة.
إن ذكرى قرار التقسيم ليست مناسبة للبكاء على الأطلال، ولا لاستعادة سرديات الهزيمة، بل هي لحظة اشتباك مع أصل المأساة؛ لحظة لقول الحقيقة بلا مواربة: التقسيم كان جريمة، وما زال جريمة، وكل محاولة لإعادة تدويره، بأي صيغة كانت، هي مشاركة مباشرة في استمرار الظلم، لا في إنهائه.
وفي لحظة الإبادة المفتوحة بحق غزة، والانهيار الأخلاقي للنظام الدولي، وانكشاف زيف "عملية السلام"، تصبح الدعوة إلى وحدة فلسطين، ووحدة شعبها، ووحدة مشروعها التحرري، والعمل على تنفيذه، ليس واجبًا أخلاقيًا فحسب، بل ضرورة سياسية ووجودية.
في ذكرى قرار التقسيم، لا نقف عند عام 1947، بل ننظر إلى الحاضر والمستقبل: إمّا أن نبقى أسرى لمنطق التجزئة، وإمّا أن نفتح أفق التحرر الكامل. إمّا أن نظل ندور في حلقة الدولة الموعودة التي لا تأتي، أو أن نعيد تعريف فلسطين كوطن واحد لشعب واحد، لم يُهزم ولن يُهزم مهما طال الزمن؛ وطنٍ يحتوي جميع من يعيش فيه ومن طُرد، ويؤسّس للعدالة والحرية والمساواة، ويعيد بناء العلاقات الإنسانية خارج منطق الهيمنة والعنصرية والإقصاء.
التعليقات