08/01/2026 - 14:37

في النبوءة السياسية وتضخمها

كلنا البشر عمومًا لدينا ميل نفسي للنبوءة، ليس لسماعها فحسب، إنما للبحث الدائم عنها أيضًا من أجل تحسس مستقبلنا عبرها. وقلما تجد شخصًا لا تشده النبوءة، خصوصًا إذا ما اتصلت بشخصه، عن مستقبله وعائلته وأعماله وماله...

في النبوءة السياسية وتضخمها

الشيخ بسام جرار (فيسبوك)

لم يعد أحد يتذكر أو يذكر اسم بسام جرار، الشيخ الفلسطيني الذي توعّد إسرائيل ووعد الشعب والأمة بزوال الأولى في عام 2022م، بنبوءته الشهيرة التي تعود إلى مطلع تسعينيات القرن الماضي. وقد حل عام 2022 وظلت الدولة العبرية "باقية وتتمدد" بنسختها البن غفيرية السوداء، لترتكب حكومتها أكبر جريمة إبادة بحق الفلسطينيين في العامين الماضيين. ومع ذلك، تظلُّ للنبوءة قدرة سحرية على إعادة استئناف واقتراح ذاتها مجددًا على الناس، فهناك من ينتظر عام 2027 بفارغ الصبر لذات النبوءة.

كلنا البشر عمومًا لدينا ميل نفسي للنبوءة، ليس لسماعها فحسب، إنما للبحث الدائم عنها أيضًا من أجل تحسس مستقبلنا عبرها. وقلما تجد شخصًا لا تشده النبوءة، خصوصًا إذا ما اتصلت بشخصه، عن مستقبله وعائلته وأعماله وماله، فيما يداوم كثيرون على تقصي ما تنبئهم به عوالم الأبراج، وبعضهم يتهيّب لها عند رأس السنة، انتظارًا لما يحمله لهم المنجمون والعرافون والعيّافون عن أخبارهم في العام القادم.

وليس الإنصات لأقوال المنجمين والعرافات النبوئية ترفًا بقدر ما هو ظاهرة تاريخية واجتماعية، إذ للمنجمين والعرافات مكانهم ومكانتهم في التاريخ، إلى حد شكّلوا فيه حالات استدعت أحيانًا تدخل السلطات الحاكمة والمرجعيات الدينية لإسكاتهم ولجمهم. ممتعة النبوءة بلا شك، لطالما تسد فراغ الفضول والرغبة، لكنها انحراف أيضًا في بعض الأحيان حين يُستعان ويُستعاض بها عن التدبر والفعل لتبرير العجز. وقد تبدو النبوءة تعمل ضد منطق التاريخ وشرط صيرورته، غير أنها ليست كذلك دائمًا، فقد تولد النبوءة ويدفع مؤمنوها بالتاريخ نحوها، أي السير نحو تحقيقها دون انتظار تحققها من ذاتها، خصوصًا تلك النبوءات ذات المسوح التبشيرية المتصلة بالخلاص الجماعي.

ثمة سؤال متصل بالنبوءة السياسية، والمتعلقة بالصراع العربي مع إسرائيل، وليس بنبوءات زوال هذه الأخيرة، إنما في قيامها نقصد. فهل تنبأ الفلسطينيون قبل عام 1948 بنكبتهم وقيام الدولة العبرية؟ ولا نقصد في سؤالنا ما استشرفه بعض الساسة والقادة أو المثقفون الفلسطينيون قبل النكبة عن وقوعها، مع تصاعد الهجرة اليهودية وصعود النفوذ الصهيوني منذ مطلع القرن العشرين في البلاد. إنما نقصد إذا ما تنبأ عرافون أو ما يطلق عليهم بأصحاب "الكشف والكرامات" بحدث النكبة وتاريخها.

كانت حكاية الشيخ اللويسي في حيفا قبل نكبتها عام 48، واحدة من أغرب ما يمكن أن نعتبره من إرث "أدب النبوءة بالنكبة"، كتب عنه الأديب والشاعر سعود الأسدي مقالة وصف فيها كيف كان يطوف اللويسي الشيخ شوارع حيفا في ثلاثينيات القرن الماضي مناديًا الناس بكلماتٍ مسجوعة، وبأعلى صوته، منبئًا إياهم باقتلاعهم من حيفا وتحويلهم إلى لاجئين ومتسولين في شوارع إربد. وفي أم الزينات، قرية مهجرة في قضاء حيفا الجنوبي أيضًا، أشار محمد الأسعد في مذكراته "أطفال الندى" عن قريته قبل النكبة إلى الشيخ حمزة فيها، والذي ظلّ يُنبئ أهالي قريته بدلائل اكتساء وادي الملح شرقي القرية بالشجر الغرس كعلامة لاقتلاعهم. والأمثلة على هذا الشكل من التنبؤ بكارثة النكبة، وعلى ألسن شخصيات مهمشة مثل مُريدي زوايا الطُرق، كثيرة في مدن وقرى فلسطين قبل النكبة. غير أننا لا نعرف، إذا كان هناك من تنبأ أو نبّه من حدوث النكبة في عامها المحدد سنة 1948.

في السنوات الأخيرة، وفي العامين الأخيرين تحديدًا، مع هجوم طوفان الأقصى وحرب إبادة قطاع غزة، وما ترتب عليها من مواجهات عسكرية وتحولات كبرى في منطقتنا، ازداد حضور المنجمين والعرافات الذين باتت أقوال بعضهم تهز مخيلة الناس. ليس لوقوع ما ينبئون به بالضرورة، إنما لما كان لحدث السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023 من تداعيات فيها مفاجآت وتحولات، تدحرجت وما زالت إلى حد لم يعد يعرف فيه حتى صناع القرار في الدول ما الذي ستكون عليه المنطقة بعد أيام. هذا على مستوى القادة والساسة، فما بالك بعامة الناس، وقد غدا معظمهم طريح ما تُنبئ به ليلى عبد اللطيف أو ميشيل الحايك وغيرهما، مع العلم أن أحدًا من كل زمرة هؤلاء العرافين، لم يتنبأ بالطوفان نفسه، الحدث الأب المولد لكل هذه التداعيات والتحولات.

إن ما يلفت النظر لا السمع في الأعوام الأخيرة، هو هذا الكم من تفريخ العرافين والعرافات الذين غدا بعضهم نجمًا على الشاشات، وهاتين مسألتين وليست واحدة، التفريخ والنجومية. فإذا ما عدنا وتتبعنا كل ما يُرفع على يوتيوب من مقابلات متصلة بعالم التوقعات والنبوءات، والسياسية منها، خصوصًا في آخر أيام العام الماضي ومطلع العام الحالي، سنتعرف بدون مبالغة إلى عشرات أسماء العرافين والعرافات، منهم من لم نكن نسمع بهم قبل عامين. ومعظمهم لبنانيون، حتى أن إحدى المنصات الإعلامية اللبنانية استضافت قبيل رأس السنة الأخيرة فتاة لبنانية بالكاد بلغت، كعرافةٍ لديها ما تُنبئ به الناس على الشاشة. وهذا سؤال آخر: لمَ لبنان؟ ربما لأن في لبنان حرية إعلامية أو فوضى إعلامية إن شئنا، تتيح شاشاته منبرًا لعالم التوقعات والنبوءات السياسية في ظل بلدٍ منهوب ودولة شبه منهارة سياسيًا، مما يجعل للنبوءة السياسية حضورًا غير مسبوق في ضبط إيقاع المجهول السياسي والاجتماعي والمعيشي للبلد.

لك أن تتخيل أن أوراق العرافين اللبنانيين تتضمن توقعات نبوئية متعلقة بالتشكيلات الوزارية لحكومة البلد، إلى هذا الحد نعم، بات للنبوءة السياسية دور في ظل فقدان الجدوى من "السياسي والسياسيين" في بلد مثل لبنان. وليس لبنان وحده، إنما من بلاد عربية أخرى مثل سورية والعراق، غير أن عرافو لبنان صاروا الأكثر شهرة على مستوى الوطن العربي بحكم نجوميتهم التي صنعها لهم بعض الإعلام اللبناني عبر بعض قنواته أو منصاته.

كان عالم العرافة والتنجيم وكل ما يتصل بالكشف وقراءة الطالع يقتصر على العالم السفلي في السابق، بمعنى أن العرافين والمنجمين وكذلك العيّافين منهم، كانوا أكثر ارتباطًا بالطبقات المهمشة والمسحوقة في المجتمعات سابقًا. ولم يكن ذلك طبعًا، يمنع من ذيوع صيت بعض الأسماء منهم الذين وصلوا قصور الملوك وصناع القرار، لكنهم ظلوا يصنفون كجزء من ذلك العالم السفلي. بينما نجومية بعض العرافين والمنجمين في أيامنا باتت صناعة رأسمالية تعيد اقتراحهم على الناس بوصفهم نخبة مجتمعية. على سبيل المثال، لو سألنا: في أي البلاد العربية يرتبط تاريخيًا عالم التنجيم وفك الرموز وقراءة الطالع؟ المغرب طبعًا، وما يزال كل ما يتصل بعلم الغيب والسحر في المخيلة العربية يُحيل للمغرب وللمغاربة، لكننا قلما نستطيع أن نسمي عرافًا أو منجمًا بوصفه نجمًا عربيًا، وذلك لأن هذه الظاهرة بنسختها المغربية تعمل بوصفها عالمًا سفليًا.

وكذلك في فلسطين، فحالة اليهود السُمرة في جبل نابلس، ما تزال تهيمن على المخيال الشعبي الفلسطيني إلى يومنا، بوصف بعض السُمرة يتصل بعالم السحر وكشف الغيب كعالم سفلي. ما يعني أن الظاهرة سفلية في عالمها تاريخيًا، وقد ارتبطت بفئات اجتماعية بعينها أحيانًا. غير أن نجومية العرافين في السنوات الأخيرة باتت تنتمي إلى سطح المجتمع لا دهليزه، كما لو أنهم من نخبته، تمامًا مثلما صارت عليه بعض أسمائهم في بلد مثل لبنان.

ازدادت ثقة الناس بالنبوءة السياسية مؤخرًا، في الوقت الذي تتآكل فيه المشاريع السياسية عربيًا، وفي الوقت الذي تتدحرج فيه المجتمعات والدول، خصوصًا في مشرقنا نحو مجهول فجّره حدث السابع من أكتوبر، وكثفته حرب الإبادة في العامين الماضيين على غزة والمنطقة. مما جعل للنبوءة السياسية ونجمها، كل هذا التضخم في حضورهما ليس دفعًا للسياسي أو صناعته بقدر ما أنه خروج منه، دلالة على قلة الحيلة والعجز أكيد.

التعليقات