04/02/2026 - 13:59

استعادة الحيّز العام يتطلّب شراكة أعمق

هناك أهمية عملية في مناقشة هذه المسائل على انفراد وفي لقاءات عمل جماعية بين الشركاء، والذهاب فيها إلى صياغة تفاهمات وترتيبات لئلا تظل رهينة الارتجال أو المصادفة. لأننا لم نعد نواجه السلطة وحدها، بل وكلاء لها كُلِّفوا بالتدمير...

استعادة الحيّز العام يتطلّب شراكة أعمق

الآلاف يتظاهرون في تل أبيب ضد الجريمة المنظمة (Getty)

اطّلعتُ على بعض النقاشات التي تدور منذ المظاهرة في تل أبيب ـ وهي حدث مصمَّم على نحو ما ـ تتعلّق بالعلاقات بين المكوّنات التي أسهمت في النجاح وحول الرصيد الذي يستحقّه كلّ مكوّن. من المعتاد أن تُقاس الأمور مقابل الماكينات الحزبية الفاعلة، وهو ما حدث هذه المرّة أيضًا. هذا نقاش يذكّرني بذلك الذي تفجّر في أواخر التسعينيات حول العلاقة بين الأحزاب ومؤسسات المجتمع المدني التي كانت حينها في انطلاقتها واتساع مداها. آنذاك، رأت الأحزاب في هذه المؤسسات منافسًا يعطّل عليها "راحتها"، مع العلم أن هذه المؤسسات لا تخوض الانتخابات محليًا ولا قُطريًا.

سأعتبر الاحتكاك بين الأحزاب والمبادرات المحلية في التحضير للمظاهرة وفي تنفيذها توترًا بانيًا، بدلالة أنه "اشتغل" وحقّق غايته بنجاح. كما أعتبر العلاقات بين الأحزاب في الحياة العامة وبين جهات غير حزبية من أطر محلية ومجتمع مدني علاقات تكامل وحوار وتعاون، خاصة في قضايا تحظى بإجماع في المواقف منها، مثل قضية الجريمة المنظّمة وتداعياتها. هذا على فرض أن الجميع ينطلقون من فرضيات عمل تقول بامتلاك المجتمع العربي في البلاد للاقتدار وإعادة بناء ذاته كشعب وهويّة، وليس كجماعة إسرائيلية تعيش على بقايا ليبرالية خائبة. أي أن هذه العلاقات محكومة في الأساس بنظرة كل جهة، بما فيها الأحزاب، إلى "الاجتماع" ومفهومه لديها. وليس هذا فحسب، بل الأمور تتصل بمفهوم الحياة العامة والعمل الاجتماعي والسياسي لدى كل جهة ضالعة فيه. والأهم أن ما حصل متصل بشكل وثيق بإدارة الحيّز العام المتاح. في هذه "المناطق" تحديدًا ينبغي أن يحصل مزيد من التغيير نحو توسيع المفاهيم كما حدث منذ التسعينيات، رغم الشرط السياسي الضاغط حتى حد القمع المباشر والإبادة.

لقد اعتدنا التعدّدية وحقيقة أننا لسنا وحدنا في السياسة ولا في المجتمع الذي يعج بالمبادرات والقوى الفاعلة وذوي الرسائل والمصالح. كما أننا لسنا وحدنا مع اتساع المنظمات اليهودية-العربية المموّلة بميزانيات ضخمة أشبه بتلك التي سبقت فوز إيهود براك برئاسة الحكومة عام 1999. وفيما نزعت حياتنا العامة نحو الشراكات والتفاهمات والتنسيق والتعاون، لا سيما بين الأحزاب نفسها، ظل هناك تشكك في محله تجاه منظمات تأتي بخطاب ليبرالي غير وطني ولا هويتيّ في ظاهره لتنافس الأحزاب العربية وتستحوذ على مساحة من الحيّز العام بوصفه مصوّتين في انتخابات محلية أو قُطرية.

التعاون والشراكات على أساس مجتمعي وطني وعلى أساس مدني هو الاتجاه الصائب الذي ينبغي مواصلة بناء اجتماعنا على أساسه. إدارة الاجتماع على أساس الاعتراف والإقرار ليس بالتنوع والتعددية فقط، بل بحيوية ذلك وضرورته أيضًا. نحن كمجتمع أشبه بفسيفساء تكمّل القطع والأحجار فيه بعضها بعضًا نحو الصورة النهائية. لكل قطعة مكان ودور ووظيفة. سنُحسن صنعًا إذا افترضنا أن الأمور بيننا على هذا النحو. وهذا صحيح في الحالتيْن: في حالة المجتمع كدورة مغلقة، وفي حالة المجتمع كهدف لسياسات قمع وسيطرة أيضًا، وهو حالنا هنا، قبل تظاهرة تل أبيب وبعدها. بل نحن اليوم بحاجة إلى مزيد من العمل المشترك لإنتاج حالة اقتدار تقوم على تكامل الجهود والأدوار لا على فرضية تناقضها، تقوم على تثمير الطاقات لا على إهدارها. هذا على أن تظل الحدود واضحة بين القومي الوطني والمدني، بين توجهات ليبرالية تعيش على إرث يكاد يختفي تمامًا وبين توجهات وقوى تعمل من فرضية أننا شعب في حالة استعمار.

هناك أهمية عملية في مناقشة هذه المسائل على انفراد وفي لقاءات عمل جماعية بين الشركاء، والذهاب فيها إلى صياغة تفاهمات وترتيبات كي لا تظل رهينة الارتجال أو المصادفة. لأننا لم نعد نواجه السلطة وحدها، بل وكلاء لها كلّفوا بالتدمير وهم جماعات الجريمة المنظّمة المسلّحة بالتكنولوجيا العالية والتي تشكّل مجموعات ضاربة مهمتها التفتيت والسحق تحت سقف القمع السلطوي المباشر. هذه الحالة تتطلب المزيد من التعاون المدروس وتوزيع المهام والأدوار بين كل مكوّنات المجتمع وقواه القادرة على الفعل، من الفرد إلى لجنة الحيّ ولجنة التجار، وصولًا إلى الأحزاب والحركات السياسية.

يخرج علينا من حين لآخر أشخاص من الحكم المحلي أو المجتمع المدني أو العمل الأهلي أو الشعبي بدعوى أنه أهم من الأحزاب وأقوى منها ولا حاجة له بها. وقد يكون هذا نتيجة انتصار في انتخابات أو مؤتمر ناجح نظمه أو مبادرة أطلقها "ومِسْكِت". في المقابل، سنجد في الأحزاب من يضيق ذرعًا برأي هنا أو هناك، وبشريك في معركة شعبية يسبقه إلى وسائل الإعلام ويحتكر الرصيد عن عمل جماعي لم يكن ليتحقق لولا جهد جماعي وشراكة جمعت جهات عدة، كما حصل في مظاهرة السبت الأخير. لا يمكن لأحد أن يلغي دور الأحزاب ووظيفتها، مهما تكن الانتقادات عليها، ولا أحد يستطيع أيضًا أن ينكر تطور فعل سياسي خارج الأحزاب كجزء من نمو وتوسع الفئات الوسطى وامتلاكها للاقتدار. ومثلما تعلّمت الأحزاب الاستفادة من مقدرات وتجارب وموارد مؤسسات المجتمع المدني، ستتعلّم الاستفادة من قدرات ورأسمال الفئات الوسطى التي ليست مُحزبة ولا هي مؤسسات مجتمع مدني. وعلى القوى الفاعلة غير الحزبية أن تتعلم كيف تستثمر قدرات الأحزاب ومواردها. عملية استعادة الحيّز العام من جماعات الجريمة المنظّمة تتطلب أن نتعلم بسرعة وبشكل مكثف تعميق الشراكات والتعاون وزيادة فاعليتها. ويزيد من هذه الحاجة أننا نواجه شرط إبادة. فالشراكات هنا على كل مستوى ليست ترفًا، والتعاون وتضافر القوى ليس "شعارًا قديمًا"، بل هو واجب الساعة. وسيخسر كل من ينفصل وينشق مهما تكن دعواه، والمال الذي يُرمى عليه كما يُرمى على طفل منذور.

التعليقات