01/03/2026 - 12:05

الحرب لأجل التفاوض أم لإسقاط النظام؟

كثير من الحروب في المنطقة انتهت إلى تفاهمات لم تكن مطروحة في ذروة الضربات. قد لا يكون الطريق اتفاقًا شاملًا سريعًا، بل ترتيبات مرحلية: تهدئة، تثبيت قواعد اشتباك، اتفاقات محدودة، ثم إعادة فتح المسارات السياسية...

الحرب لأجل التفاوض أم لإسقاط النظام؟

غارات إسرائيلية أميركية على طهران (Getty)

في اللحظات التي تبدو فيها المنطقة وكأنها تجاوزت نقطة اللاعودة، هنالك دعوات للعودة إلى التفاوض "بحسن نية". هذا ما ردده رئيس فرنسا ماكرون، وهنالك دول عدة دعت إلى العودة للتفاوض، ومنها دول عربية تخشى التطور إلى فوضى إقليمية لا يمكن التنبؤ بنتائجها.

هل ما زال هناك مجال للتفاوض بعد اغتيال آية الله علي خامنئي؟ وبعد الضربات المتبادلة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، وبعد أن طالت النيران دول الخليج العربي، وارتفعت تصريحات نتنياهو إلى سقف "تغيير النظام الإيراني"، وخاطب الشعب الإيراني كما يتحدث إلى جمهور مناصريه من الليكود، ثملًا بخمرة القوة، وبقدرته على جر الرئيس الأميركي ترامب إلى مغامرة عسكرية لا تحظى بموافقة أكثرية الشعب الأميركي، بحسب استطلاعات رأي أميركية.

اغتيال شخصية بحجم علي خامنئي لا يعني انهيار الدولة، كما لا يعني بالضرورة استمرار الحرب بلا أفق. الأنظمة العقائدية تميل في كثير من الأحيان إلى إعادة تنظيم صفوفها حين تتعرض إلى هزة خارجية كبرى. في إيران توجد بنية مؤسساتية متماسكة، من بينها الحرس الثوري الإسلامي، ومؤسسات دستورية قادرة على إدارة انتقال السلطة. هذا لا يلغي احتمال الصراع الداخلي، لكنه يجعل فرضية انهيار النظام بعيدة.

بل إن اغتيال الزعيم الروحي علي خامنئي قد يؤدي إلى عكس ما يفكر به ترامب وشريكه نتنياهو، فالشعب الإيراني ذو تاريخ وحضارة عريقة وليس مجموعة عصابات. صحيح أن هنالك معارضة داخلية للنظام، ولكن هذا لا يعني أن تتنازل عن كرامتها القومية. وأي بديل للنظام يصل على حاملة طائرات أميركية وبدعم إسرائيلي لن يكون مرحّبًا به من قبل الشعب الإيراني. معارضة نعم، أما العمالة والخيانة فلا. أما حفنة العملاء التي تظهر بين حين وآخر من خلال التخريب والتجسس، فهؤلاء يشبهون جماعة "أبو الشباب" في قطاع غزة.

تجربة العراق بعد عام 2003 تُظهر أن إسقاط رأس النظام لا يعني بناء نظام بديل مستقر. إسقاط صدام حسين تم بسرعة عسكرية، لكن ما تلا ذلك كان سنوات طويلة من التفكك المؤسسي، وصراع الهويات، وصعود الميليشيات، وتآكل الدولة المركزية. لم يكن الفراغ سياسيًا فقط، بل أمنيًا واجتماعيًا واقتصاديًا، واحتاج الأمر أكثر من عقدين حتى يستعيد العراق حدًا أدنى من التوازن.

المثال العراقي لا يُقاس حرفيًا على إيران، فلكل دولة خصوصيتها، لكن الدرس واضح: انهيار الدولة قد يفتح أبوابًا للفوضى أطول مما يتوقع صانعو القرار.

إيران ليست جزيرة منعزلة، فهي تقع عند تقاطع طرق بين آسيا الوسطى والشرق الأوسط والقوقاز، وتشرف على مضيق هرمز الذي يمر عبره نحو خمس تجارة النفط البحرية عالميًا، وإغلاقه ينعكس على أسواق الطاقة والاقتصاد العالمي برمّته. كما أن إيران تجاور دولًا عرفت فوضى أمنية مثل العراق وأفغانستان، وترتبط بتوازنات حساسة مع قوى كبرى مثل روسيا والصين. لذلك فإن أي انهيار داخلي فيها لا يبقى شأنًا وطنيًا، بل يتحول سريعًا إلى حدث إقليمي ودولي متشعب النتائج.

كثير من الحروب في المنطقة انتهت إلى تفاهمات لم تكن مطروحة في ذروة الضربات. قد لا يكون الطريق اتفاقًا شاملًا سريعًا، بل ترتيبات مرحلية: تهدئة، تثبيت قواعد اشتباك، اتفاقات محدودة، ثم إعادة فتح المسارات السياسية.

يبقى السؤال: ما الذي يريده دونالد ترامب ونتنياهو فعليًا من هذا المسار التصعيدي؟ هل يسعيان إلى إنهاك إيران تمهيدًا لفرض شروط تفاوضية قاسية عليها، ترغمها على تنازل تام عن مشروعها النووي والصاروخي، وبالتالي إضعاف النظام وإتاحة الطريق إلى قوى معارضة لإسقاطه؟ لا يبدو أن النظام مستعد لتقبل هذه الشروط، وخصوصًا ما يتعلق ببرنامجه الصاروخي، وهذا يعني استعداده لمواصلة القتال وتلقي الضربات مهما بلغت قوتها. أم أن الهدف يتجاوز مشروع التسلح إلى إسقاط النظام، أم الضغط والرهان على الداخل الإيراني كي ينقلب على قيادته تحت وطأة الضربات والعقوبات؟

في قطاع غزة ارتُكبت جرائم حرب لدفع الناس إلى الانتفاض ضد حركة حماس، وهذا لم يحصل رغم الغضب والاحتقان الداخلي الكبير.

قراءة سلوك ترامب السياسي توحي بأن خياره هو "الإرهاق ثم الصفقة"، وهو الأقرب إلى منطقه: رفع السقف، تعظيم الضغط، إظهار الاستعداد للذهاب بعيدًا، ثم فتح نافذة تفاوض من موقع قوة. أما خيار الاستمرار حتى إسقاط النظام، وهو ما يريده نتنياهو بوضوح، فهو أعلى كلفة وأشد مخاطرة، خصوصًا أن بنية السلطة في طهران ليست فردية بل متشابكة، وفي قلبها مؤسسة الحرس الثوري الإسلامي، ما يعني طول أمد الحرب التي ستكتوي من نارها دول الخليج العربي أكثر من غيرها، حتى في حالة الضعف العسكري الإيراني. ويبقى الرهان الثالث، أي التعويل على غضب الشارع الإيراني، وهو رهان ضعيف، وخصوصًا في زمن الحرب، إذ إن الضغط الخارجي يدفع إلى التفاف وطني خلال الأزمات الكبيرة.

بين هذه الاحتمالات الثلاثة، لا يظهر أن المسار محسوم نحو نهاية واحدة، بل أقرب إلى لعبة عض الأصابع، تصعيد محسوب لانتزاع تنازلات، مع إبقاء باب التفاوض مواربًا، دون ضمان أن يؤدي الضغط إلى ما يُخطَّط له على الورق.