02/03/2026 - 17:14

الحرب على إيران: موجز لسيرة الاستفراد

لم يخدم قدوم الأميركيين إلى المنطقة أحدًا فيها، وأي استثمار سياسي – عسكري ترتب على هذا القدوم في إسقاط أنظمة ونشوب حروب تستنزف هذا القدوم الغازي، بدا مؤقتًا ومحدودًا كما يتضح لنا اليوم أكثر من أي وقتٍ مضى...

الحرب على إيران: موجز لسيرة الاستفراد

غارات أميركيّة إسرائيليّة على طهران (Getty)

تقاتل إيران اليوم دفاعًا عن نفسها هي، لكنها تُهاجم ليس فقط لملفها النووي أو الصاروخي أو لدعمها قوى متجاوزة لعمقها الجغرافي فحسب، إنما لموقفها المناهض للمشروع الصهيوني ورفضها الإذعان للاستكبار الأميركي، وهذه حقيقة لا يتنكر لها إلا جاحد... نقول ذلك سواء اتُّفق أو اختُلف مع إيران وسياساتها في المنطقة. لكن هذه الحقيقة لا تلغي قول حقائق أخرى!

للمرة الثانية تبادر إسرائيل منذ صباح السبت الماضي إلى عدوان عسكري مشترك مع الولايات المتحدة الأميركية هذه المرة، وذلك بعد ثمانية أشهر على عدوانها الأول على إيران في حزيران/يونيو العام الماضي. إيران التي ثابرت على موقفها المناهض للمشروع الصهيوني منذ انتصار ثورتها الإسلامية أواخر سبعينيات القرن الماضي، وداومت عليه على أن يظل مشروطًا ببقاء المواجهة مع المشروع الصهيوني – الأميركي خارج عمقها الترابي، بدعمها لقوى إقليمية مُقاوِمة لإسرائيل بالموقف والمال والسلاح في لبنان وفلسطين واليمن، فضلًا عن تدخلها في سورية لصالح نظام الأسد، بما يُبقي على سورية كجغرافيا تصل قوى محورها ببعضها على الأقل، قبل أن يتم الإطاحة بنظام الأسد في كانون الأول/ديسمبر العام 2024.

ها هي إيران اليوم تقاتل في طهران ووحدها، وحدها حرفيًا بلا نفير ولا نصير لها عمليًا، على الرغم من اغتيال خامنئي قائدها ومرشدها الأعلى في الضربة الافتتاحية للعدوان، وتمدد العدوان الإسرائيلي ليطاول لبنان مؤخرًا. ليس لأن الساحات خذلت إيران، بل لأن الساحات قد سبقتها واستُنزفت بعد أن أُتيح لإسرائيل الاستفراد بها: فلسطين ومقاومتها في غزة، حزب الله في لبنان، والحوثيون في اليمن، ثم تحييد الحشد الشعبي بضغط من النظام العراقي، كلٌّ على حدة، ليسقط شعار "وحدة الساحات" في أول مواجهة جدية لم يخترها مع إسرائيل بقدر ما فُرضت عليه على أثر هجوم السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023. هذا توصيف لواقع حال لم تخبرنا عنه الروايات والكتب، بل شهدناه وشاهدناه بالبث المباشر على مدار العامين الأخيرين، لنفهم كيف وصل حد السكين إلى عنق الجمهورية الإسلامية.

من جانب آخر، ثبت أن ليس هناك ما يمكن التعويل عليه لناحية السياق الدولي ومواقف دول كبرى مثل روسيا والصين، اللتين تركتا الحبل لكل من ترامب ونتنياهو على غاربه في غير ملف بالعالم، بما فيه المسألة الإيرانية، إذ بالكاد ندّد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين باغتيال المرشد الأعلى الإيراني. وهذا ليس فقط لأن لروسيا ما يشغلها ويستنزفها في حربها مع أوكرانيا، وللصين اقتصادها الذي لا تخدمه فكرة المواجهة، بقدر ما أنهما دولتان وطنيتان تقاتلان على مجالهما الحيوي ليس إلا في ظل هيمنة أميركية عالمية. كما ليس من روابط مُؤسِّسة، لا روحية ولا مادية، تربط روسيا والصين بإيران ربطًا قطبيًا في مواجهة الهيمنة الأميركية.

تواجه إيران اليوم هجومًا عسكريًا صهيو – أميركيًا، وهجمة حضارية غربية، هذا صحيح. ولكن من الذي واجه في المنطقة إسرائيل وأميركا ولم يكن وحده؟

لنعد إلى بداية الألفية الحالية، وليس إلى الصراع من مطلعه في خمسينيات القرن الماضي. يمكننا مقاربة حدث الحادي عشر من أيلول/سبتمبر 2001، عندما هاجم تنظيم القاعدة الولايات المتحدة الأميركية في عقر دارها، بحدث طوفان الأقصى يوم السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023 على مستوطنات غلاف غزة، أي بعد أكثر من عقدين من الزمن.

كان هجوم الحادي عشر من أيلول/سبتمبر 2001 زلزالًا عسكريًا وسياسيًا، ترتب عليه تغيير في خريطة الشرق الأوسط بعد غزو الولايات المتحدة الأميركية وحلفاؤها بلدين في المنطقة، أفغانستان والعراق، غزوًا بريًا أدى إلى سقوط النظامين السياسيين فيهما، سقوط طالبان في أفغانستان، ونظام صدام حسين في العراق. لقد قاتلت أفغانستان وحدها، وكذلك العراق قاتل وحده، البلدان اللذان تتوسطهما إيران جغرافيًا. كما ليست المرة الأولى التي تُستخدم فيها أراضٍ عربية قواعد عسكرية لانطلاق العمليات منها ضد دول عربية وإسلامية جارة، فقد تم تدمير العراق عام 2003 من قاعدة العُديد الأميركية في قطر، الدولة التي اعتُبر أميرها "أميرًا للمقاومة" في خطاب أحد رموز محور المقاومة عام 2006 على أثر العدوان الإسرائيلي على لبنان في حينه.

ولم تكن إيران من استدعى القوات الأميركية وهيأ لها غزو العراق، إنما دول عربية فعلت ذلك تحت شعار "القلق الأمني" من نظام صدام حسين. غير أن إيران رحبت بسقوط العراق، وإن كان على يد قوات أجنبية غازية، لمجرد عدائها مع نظام صدام حسين. بل رحبت إيران ببديل نظام صدام حسين السياسي، مع أنه بديل كان منظمًا على اعتبارات طائفية قَدِم على ظهر الدبابة الأميركية وقتها، في اعتقاد أن ذلك يخدم الجمهورية الإسلامية في مشروعها المناهض للصهيونية وقوى الاستكبار.

لم يخدم قدوم الأميركيين إلى المنطقة أحدًا فيها، وأي استثمار سياسي – عسكري ترتب على هذا القدوم في إسقاط أنظمة ونشوب حروب تستنزف هذا القدوم الغازي، بدا مؤقتًا ومحدودًا كما يتضح لنا اليوم أكثر من أي وقتٍ مضى. ليس ما صح على أفغانستان والعراق يعني أن يصح على إيران لناحية سؤال النظام وإسقاطه فيها، فالنظام في إيران ليس مارقًا فيها، بل متجذرًا أكثر مما يظن نتنياهو وترامب. غير أن المسار الذي بات يوضع عليه النظام في إيران بعد عدوانين عسكريين عليها في أقل من عام، يعني استنزافه داخليًا وخارجيًا بما يجعل نجاته مشروطة بتغيير هويته. فيما الدرس الأساس هو في سيرة الاستفراد التي ترسخت في المنطقة.